العرب‭ ‬يحررون‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة

العرب‭ ‬يحررون‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة

الأحد 2016/05/01
لوحة: عمار النحاس

من‭ ‬الجور‭ ‬اختزال‭ ‬الهوية‭ ‬العربية‭ ‬وتمظهرها‭ ‬الفكري‭ ‬والسياسي‭ ‬والثقافي‭ ‬في‭ ‬حيثيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬وما‭ ‬ظهر‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬تيّارات‭ ‬وأحزاب‭ ‬قومية‭ ‬عربية‭ ‬ومنظرين‭. ‬أي‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬ما‭ ‬عرف‭ ‬بالثورة‭ ‬العربية‭ ‬الكبرى‭ ‬ثم‭ ‬زمن‭ ‬المدّ‭ ‬القومي،‭ ‬وما‭ ‬تلاهما‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬درامية‭.‬

حتى‭ ‬بوادر‭ ‬التفكير‭ ‬القومي‭ ‬المتأثرة‭ ‬بالفلسفة‭ ‬الغربية،‭ ‬الألمانية‭ ‬منها‭ ‬بالأخصّ،‭ ‬والتي‭ ‬أعلنت‭ ‬عن‭ ‬ذاتها‭ ‬أواسط‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬وأواخره،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هي‭ ‬الإعلان‭ ‬الحقيقي‭ ‬والوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬اقتفاء‭ ‬الأثر،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميه‭ ‬“محنة‭ ‬الهوية‭ ‬العربية”‭ ‬اليوم‭.‬

والأجدر من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري‭ ‬هو‭ ‬الشغل‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬“العروبة”‭ ‬والبحث‭ ‬في‭ ‬ظلاله‭ ‬التي‭ ‬اتسعت‭ ‬منذ‭ ‬القدم،‭ ‬وأخذت‭ ‬أبعادا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرّد‭ ‬هوية‭ ‬عرقية‭ ‬أو‭ ‬سياسية،‭ ‬وتمّ‭ ‬استثمارها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬استثمرت‭ ‬معها‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬لإعطاء‭ ‬ذاتها‭ ‬شرعية‭ ‬بين‭ ‬العرب‭ ‬ومن‭ ‬يساكنهم‭ ‬من‭ ‬الشعوب‭ ‬تلك‭ ‬البلاد‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬إلى‭ ‬الخليج‭. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬لحظة‭ ‬إطلاق‭ ‬كعب‭ ‬بن‭ ‬لؤي‭ ‬كلمة‭ ‬“الجمعة”‭ ‬على‭ ‬يوم‭ ‬كان‭ ‬يسمّى‭ ‬“العروبة”‭ ‬كانت‭ ‬تجتمع‭ ‬العرب‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬لحظة‭ ‬فارقة‭ ‬تعبّر‭ ‬عمّا‭ ‬أراده‭ ‬الرجل‭ ‬وتصل‭ ‬القديم‭ ‬بالجديد،‭ ‬حين‭ ‬تعود‭ ‬لتظهر‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬2011‭ ‬في‭ ‬خروج‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬مظاهرات‭ ‬احتجاجية‭ ‬ليس‭ ‬مصادفة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬كل‭ ‬جمعة،‭ ‬وتحمل‭ ‬أسماء‭ ‬“جمعة‭ ‬الحرب”‭ ‬“جمعة‭ ‬الكرامة”‭.. ‬الخ‭.‬

ويذهب‭ ‬الزبير‭ ‬بن‭ ‬بكار‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬“النسب”‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬جمّع‭ ‬وأطلق‭ ‬اسم‭ ‬الجمعة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬كعب‭ ‬بن‭ ‬لؤي‭ ‬بن‭ ‬غالب،‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬أجداد‭ ‬النبي‭ ‬محمد‭. ‬فقد‭ ‬“جمّع‭ ‬بالناس‭ ‬وكان‭ ‬يعظهم‭ ‬ويذكّرهم‭ ‬ويخبرهم‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬سيبعث‭ ‬نبياً‭ ‬في‭ ‬العرب،‭ ‬وأنه‭ ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬نسله‭ ‬ويأمرهم‭ ‬بمتابعته‭ ‬وطاعته‭. ‬وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬فالجمعة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تسمّى‭ ‬الجمعة،‭ ‬وإنما‭ ‬كانت‭ ‬تسمّى‭ ‬يوم‭ ‬عروبة‭ ‬أو‭ ‬يوم‭ ‬العروبة”‭. ‬ويذكر‭ ‬علماء‭ ‬اللغة‭ ‬أن‭ ‬أيام‭ ‬الأسبوع‭ ‬(السبت‭ ‬والأحد‭ ‬والاثنين‭ ‬والثلاثاء‭ ‬والأربعاء‭ ‬والخميس‭ ‬والجمعة)‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أسماؤها‭ ‬عند‭ ‬العرب‭ ‬القدماء‭ ‬هكذا‭. ‬وإنما‭ ‬كانت‭ ‬لها‭ ‬أسـماء‭ ‬أخرى‭. ‬كانت‭ ‬كالآتي‭ ‬“أولُ‭ ‬،‭ ‬أهونُ‭ ‬وجُبار‭ ‬ودبار‭ ‬ومؤنس‭ ‬وعروبة‭ ‬و‭ ‬شِيار”‭. ‬ويسشتهدون‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬بقول‭ ‬الشاعر‭ ‬الجاهلي‭ ‬“أؤمل‭ ‬أن‭ ‬أعيش‭ ‬وأن‭ ‬يومي/‭ ‬لأول‭ ‬أو‭ ‬لأهون‭ ‬أو‭ ‬جبار/‭ ‬أو‭ ‬التالي‭ ‬دبار‭ ‬فإن‭ ‬أفته/‭ ‬فمؤنس‭ ‬أو‭ ‬عروبة‭ ‬أو‭ ‬شيار”‭.‬

هناك‭ ‬كانت‭ ‬الهوية،‭ ‬التي‭ ‬انتبه‭ ‬إليها‭ ‬أصحاب‭ ‬المشاريع‭ ‬الجديدة‭ ‬فأسبغوا‭ ‬عليها‭ ‬الطابع‭ ‬الديني‭ ‬المقدس‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفعل‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬أيامنا‭ ‬هذه‭ ‬من‭ ‬أراد‭ ‬صبغ‭ ‬الحراك‭ ‬المجتمعي‭ ‬الثائر‭ ‬بصبغة‭ ‬دينية،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬معه‭ ‬أو‭ ‬ضدّه،‭ ‬ولذلك‭ ‬ظهر‭ ‬من‭ ‬قال‭ ‬“ها‭ ‬هي‭ ‬المظاهرات‭ ‬تخرج‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة،‭ ‬فالربيع‭ ‬إسلامي‭ ‬إذن”‭ ‬بينما‭ ‬قال‭ ‬الآخر”ما‭ ‬دامت‭ ‬المظاهرات‭ ‬تخرج‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬فهي‭ ‬إذن‭ ‬ثورات‭ ‬متطرفين”‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬سوى‭ ‬تعبير‭ ‬منسجم‭ ‬مع‭ ‬سياقه‭ ‬التاريخي‭ ‬يؤكد‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الربيع‭ ‬الديمقراطي‭ ‬“عربي”‭.‬

بدت‭ ‬العروبة‭ ‬تياراً‭ ‬ثقافياً‭ ‬جامعاً‭ ‬للأعراق‭ ‬والأديان‭ ‬وقبة‭ ‬معرفية‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬وصف‭ ‬الراهب‭ ‬المسيحي‭ ‬الإيطالي‭ ‬الأب‭ ‬باولو‭ ‬دالوليو‭ ‬الذي‭ ‬دافع‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬مرات‭ ‬ومرات،‭ ‬في‭ ‬أبحاثه‭ ‬ومحاضراته‭ ‬وحواراته،‭ ‬واصفاً‭ ‬إيّاها‭ ‬بأنها‭ ‬تجاوزت‭ ‬فكرة‭ ‬المتوسط‭ ‬جامع‭ ‬الحضارات‭ ‬على‭ ‬ضفافه‭ ‬الشمالية‭ ‬والشرقية‭ ‬والجنوبية‭. ‬إلى‭ ‬كونها‭ ‬مظلة‭ ‬واسعة‭ ‬للجميع‭. ‬عبر‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وعبر‭ ‬الانفتاح‭ ‬الكبير‭ ‬للعرب‭ ‬على‭ ‬بقية‭ ‬الثقافات،‭ ‬فباتت‭ ‬ملاذاً‭ ‬لهم‭ ‬وحاضناً‭ ‬لتفاعلهم‭ ‬المشترك‭. ‬فلم‭ ‬يذكر‭ ‬التاريخ‭ ‬مرّة‭ ‬واحدة‭ ‬اندلع‭ ‬فيها‭ ‬نزاع‭ ‬عرقي‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬العرب‭ ‬ضد‭ ‬غيرهم‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬حكموها‭ ‬طيلة‭ ‬أربعة‭ ‬عشر‭ ‬قرناً‭.‬

يثير‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬بالطبع‭ ‬حفيظة‭ ‬من‭ ‬تضرروا‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬البعثيين‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬الأكراد‭ ‬والإسلاميون‭ ‬سنة‭ ‬وشيعة‭. ‬إذ‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬ممارسات‭ ‬الحزب‭ ‬في‭ ‬البلدين‭ ‬تمظهراً‭ ‬عنيفاً‭ ‬للشوفينية‭ ‬والعنصرية‭ ‬تجاه‭ ‬بقية‭ ‬الأعراق،‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬العرب‭. ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬طبق‭ ‬النظامان‭ ‬البعثيان‭ ‬مبادئ‭ ‬تنادي‭ ‬بالوحدة‭ ‬العربية‭ ‬ورفع‭ ‬القيم‭ ‬العربية‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬بينما‭ ‬كانا‭ ‬يستثمران‭ ‬فيها‭ ‬مثلما‭ ‬استثمرا‭ ‬في‭ ‬الاشتراكية‭ ‬والحرية‭ ‬والديمقراطية‭ ‬والعدالة‭.‬

اختصار‭ ‬العرب‭ ‬بالمسلمين

العروبة‭ ‬كثقافة،‭ ‬مسألة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الخلاص‭ ‬منها‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬واللغة‭ ‬والتاريخ‭ ‬والذاكرة‭ ‬الجمعية‭ ‬والتواصل‭ ‬الإنساني‭ ‬اليومي‭ ‬بين‭ ‬العرب‭. ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬متجذّرة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الغلاف‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬للفكرة‭ ‬القومية‭.‬

وكان‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬مظالم‭ ‬تلك‭ ‬المسألة،‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬التاريخ‭ ‬العربي‭ ‬يبدأ‭ ‬بالإسلام‭ ‬وهي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬مشاكل‭ ‬تفسير‭ ‬النص‭ ‬ظاهراً‭ ‬وباطناً‭. ‬في‭ ‬سورة‭ ‬يوسف‭ ‬يقول‭ ‬القرآن‭ ‬“إِنَّا‭ ‬أَنْزَلْنَاهُ‭ ‬قُرْآَناً‭ ‬عَرَبِيّاً‭ ‬لَعَلَّكُمْ‭ ‬تَعْقِلُونَ”‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬آخر‭ ‬يقول‭ ‬“هُوَ‭ ‬الَّذِي‭ ‬بَعَثَ‭ ‬فِي‭ ‬الْأُمِّيِّينَ‭ ‬رَسُولاً‭ ‬مِنْهُمْ‭ ‬يَتْلُو‭ ‬عَلَيْهِمْ‭ ‬آَيَاتِهِ‭ ‬وَيُزَكِّيهِمْ‭ ‬وَيُعَلِّمُهُمُ‭ ‬الْكِتَابَ‭ ‬وَالْحِكْمَةَ‭ ‬وَإِنْ‭ ‬كَانُوا‭ ‬مِنْ‭ ‬قَبْلُ‭ ‬لَفِي‭ ‬ضَلَالٍ‭ ‬مُبِينٍ‭ ‬”‭ ‬وليس‭ ‬مصادفة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬موضع‭ ‬هذه‭ ‬الآية‭ ‬هو‭ ‬سورة‭ ‬“الجمعة”‭ ‬بالتحديد‭. ‬لكنّ‭ ‬المفسرين‭ ‬سارعوا‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬الأميين‭ ‬على‭ ‬أنهم‭ ‬من‭ ‬جهلة‭ ‬الأعراب‭ ‬البدو،‭ ‬وأن‭ ‬الإسلام‭ ‬هنا‭ ‬جاء‭ ‬ليخرجهم‭ ‬من‭ ‬رعاعيتهم‭ ‬وانحطاطهم‭ ‬إلى‭ ‬التحضر،‭ ‬مختصرين‭ ‬العرب‭ ‬كلهم‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬“الأميين”‭ ‬التي‭ ‬قال‭ ‬عنها‭ ‬ببساطة‭ ‬مفسرو‭ ‬القرآن‭ ‬بتسرّع‭ ‬وربما‭ ‬بنية‭ ‬مسبقة‭ ‬الكلمات‭ ‬التالية‭: ‬قال‭ ‬ابن‭ ‬عطية‭ ‬“الأميين”‭: ‬يراد‭ ‬بهم‭ ‬العرب،‭ ‬والأميّ‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يكتب‭ ‬ولا‭ ‬يقرأ‭ ‬كتاباً،‭ ‬قيل‭ ‬هو‭ ‬منسوب‭ ‬إلى‭ ‬الأمّ،‭ ‬أي‭: ‬هو‭ ‬على‭ ‬الخلقة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬بطن‭ ‬أمه،‭ ‬وقيل‭ ‬هو‭ ‬منسوب‭ ‬إلى‭ ‬الأمّة،‭ ‬أي‭ ‬على‭ ‬سليقة‭ ‬البشر‭ ‬دون‭ ‬تعلّم،‭ ‬وقيل‭ ‬منسوب‭ ‬إلى‭ ‬أمّ‭ ‬القرى‭ ‬وهي‭ ‬مكة،‭ ‬وهذا‭ ‬ضعيف،‭ ‬لأن‭ ‬الوصف‭ ‬بـ”الأميين”‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬يقف‭ ‬على‭ ‬قريش،‭ ‬وإنما‭ ‬المراد‭ ‬جميع‭ ‬العرب‭.‬

بينما‭ ‬قال‭ ‬القرطبي،‭ ‬قال‭ ‬ابن‭ ‬عباس‭: ‬الأميّون‭ ‬العرب‭ ‬كلهم،‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬منهم‭ ‬ومن‭ ‬لم‭ ‬يكتب،‭ ‬لأنهم‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬أهل‭ ‬كتاب‭. ‬وهكذا‭ ‬فعل‭ ‬أهل‭ ‬اللغة،‭ ‬قال‭ ‬الراغب‭ ‬الأصفهاني‭: ‬والأُمِّيُّ‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يكتب‭ ‬ولا‭ ‬يقرأ‭ ‬من‭ ‬كتاب،‭ ‬وعليه‭ ‬حمل‭: ‬(هُوَ‭ ‬الَّذِي‭ ‬بَعَثَ‭ ‬فِي‭ ‬الْأُمِّيِّينَ‭ ‬رَسُولًا‭ ‬مِنْهُمْ)‭ ‬قال‭ ‬قطرب‭: ‬الأُمِّيَّة‭: ‬الغفلة‭ ‬والجهالة،‭ ‬فالأميّ‭ ‬منه،‭ ‬وذلك‭ ‬هو‭ ‬قلة‭ ‬المعرفة،‭ ‬ومنه‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭ ‬“وَمِنْهُمْ‭ ‬أُمِّيُّونَ‭ ‬لا‭ ‬يَعْلَمُونَ‭ ‬الْكِتابَ‭ ‬إِلَّا‭ ‬أَمانِيَّ”‭. ‬وقال‭ ‬الفرّاء‭: ‬هم‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لهم‭ ‬كتاب،‭ ‬“والنَّبِيَّ‭ ‬الْأُمِّيَّ‭ ‬الَّذِي‭ ‬يَجِدُونَهُ‭ ‬مَكْتُوباً‭ ‬عِنْدَهُمْ‭ ‬فِي‭ ‬التَّوْراةِ‭ ‬وَالْإِنْجِيلِ”‭ ‬قيل‭: ‬منسوب‭ ‬إلى‭ ‬الأمّة‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يكتبوا،‭ ‬لكونه‭ ‬على‭ ‬عادتهم‭ ‬كقولك‭: ‬عامّي،‭ ‬لكونه‭ ‬على‭ ‬عادة‭ ‬العامّة،‭ ‬وقيل‭: ‬سمّي‭ ‬بذلك‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يكتب‭ ‬ولا‭ ‬يقرأ‭ ‬من‭ ‬كتاب،‭ ‬وقيل‭: ‬سمّي‭ ‬بذلك‭ ‬لنسبته‭ ‬إلى‭ ‬أمّ‭ ‬القرى‭.‬

وهكذا‭ ‬أصبح‭ ‬العرب‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الإسلام‭ ‬تاريخاً‭ ‬ممحوّاً‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬والوعي‭ ‬الجمعي‭. ‬ولولا‭ ‬جهود‭ ‬كبار‭ ‬الباحثين‭ ‬النادرين‭ ‬مثل‭ ‬المؤرّخ‭ ‬العراقي‭ ‬العملاق‭ ‬جواد‭ ‬علي‭ ‬لمّا‭ ‬أطلع‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬“تاريخ‭ ‬العرب‭ ‬قبل‭ ‬الإسلام”‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬اسم‭ ‬مؤلفه‭ ‬العظيم‭. ‬بعدها‭ ‬بدأ‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬الممالك‭ ‬المتحضّرة‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬ظهور‭ ‬الدين‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المدن‭ ‬العربية‭ ‬القديمة‭ ‬(مكة)‭.‬

الهوية‭ ‬التي‭ ‬تناوب‭ ‬أهل‭ ‬المشرق‭ ‬والمغرب‭ ‬على‭ ‬تكريسها‭ ‬وشرحها‭ ‬والحديث‭ ‬عنها‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬عواصف‭ ‬تهبّ‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬حاولت‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬العرب‭ ‬وتقزيم‭ ‬مكانتهم‭ ‬التاريخية‭ ‬والحضارية‭. ‬وما‭ ‬كان‭ ‬يقال‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬تحرّك‭ ‬جيوش‭ ‬قادسية‭ ‬سعد‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬وقاص‭ ‬لهدم‭ ‬عرش‭ ‬كسرى،‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬العرب‭ ‬هم‭ ‬“شاربو‭ ‬بول‭ ‬البعير”‭ ‬يقال‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬شعوب‭ ‬وأقوام‭ ‬لولا‭ ‬تحضّر‭ ‬العرب‭ ‬معهم‭ ‬لتمت‭ ‬إبادتهم‭ ‬خلال‭ ‬القرون‭ ‬الماضية،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬استمر‭ ‬وجودهم‭ ‬حتى‭ ‬عصرنا‭ ‬هذا‭. ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬صانعو‭ ‬الحضارة‭ ‬العربية،‭ ‬عرباً‭ ‬وكرداً‭ ‬وتركاً‭ ‬وأمازيغ‭ ‬وزنجاً‭ ‬مسلمين‭ ‬ومسيحيين‭ ‬ويهودا،‭ ‬علماء‭ ‬ووزراء‭ ‬وفلاسفة‭ ‬وأطباء‭ ‬وشعراء‭ ‬وغيرهم‭.‬

يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬الذهن‭ ‬سؤال‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬اختبار‭ ‬الهوية‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬يمر‭ ‬به‭ ‬العرب‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬انقلبوا‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬العروبة‭ ‬ظناً‭ ‬منهم‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬صناعة‭ ‬الاستبداد‭ ‬الذي‭ ‬انتفضوا‭ ‬ضده،‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مصير‭ ‬ملايين‭ ‬المنتجات‭ ‬الفكرية‭ ‬والثقافية‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تصديرها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬العرب‭ ‬خلال‭ ‬الزمن‭ ‬الماضي‭ ‬والقريب،‭ ‬فيما‭ ‬لو‭ ‬انهارت‭ ‬قبة‭ ‬العرب‭ ‬الحضارية؟

الجديد‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الأصيل

تختبر‭ ‬الهوية‭ ‬العربية‭ ‬كل‭ ‬لحظة‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬مختلف‭ ‬لا‭ ‬يتشابه‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬كفر‭ ‬به‭ ‬الناس‭ ‬ولا‭ ‬يستنسخ‭ ‬التجربة‭ ‬الناصرية‭ ‬أو‭ ‬تجربة‭ ‬البعث‭. ‬قدر‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬أن‭ ‬يحمل‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬والتنمية‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الأيديولوجيا‭. ‬هذان‭ ‬العنصران‭ ‬اللذان‭ ‬كابدا‭ ‬الكثير‭ ‬تحت‭ ‬قبضة‭ ‬الاستبداد‭.‬

تختبر‭ ‬الهوية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬جديدها‭ ‬نحو‭ ‬الآخر،‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭. ‬الآخر‭ ‬الذي‭ ‬عانى‭ ‬ممّا‭ ‬طبقه‭ ‬عليه‭ ‬الاستبداد‭ ‬من‭ ‬“تعريب”‭ ‬قسري،‭ ‬لحياته‭ ‬وقراه‭ ‬وأسماء‭ ‬أطفاله‭ ‬وتعليمه‭ ‬وذاكرته‭. ‬تختبر‭ ‬الهوية‭ ‬العربية‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬عقدة‭ ‬جلد‭ ‬الذات‭ ‬وازدراء‭ ‬الثقافة‭ ‬والإمكانات‭ ‬الخاصة‭ ‬بالعرب‭ ‬أنفسهم‭. ‬تختبر‭ ‬الهوية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬استحقاق‭ ‬الوجود‭ ‬بين‭ ‬الأمم‭. ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬الماضي‭ ‬المجيد‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬تغطية‭ ‬عورة‭ ‬الحاضر‭ ‬المنحط‭. ‬تختبر‭ ‬الهوية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬تقديمها‭ ‬لذاتها‭ ‬عبر‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬صناعتها‭ ‬وعبر‭ ‬منظومات‭ ‬أخلاقية‭ ‬جديدة‭ ‬مقترحة‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭.‬

لم‭ ‬تتوقف‭ ‬أسئلة‭ ‬الغرب‭ ‬عن‭ ‬أسباب‭ ‬اندلاع‭ ‬الانتفاضات‭ ‬العربية،‭ ‬ولم‭ ‬تهدأ‭ ‬مراكز‭ ‬الأبحاث‭ ‬عن‭ ‬مناقشة‭ ‬المقدمات‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إليها‭. ‬بينما‭ ‬اعتبرتها‭ ‬أنظمة‭ ‬الحكم‭ ‬مؤامرة‭ ‬عليها‭. ‬لكن‭ ‬الضرورة‭ ‬الحتمية‭ ‬لتحولات‭ ‬الهوية‭ ‬باعتقادي‭ ‬هي‭ ‬المسبب‭ ‬الأكبر‭ ‬والعامل‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬تفجير‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬فما‭ ‬كان‭ ‬ممكناً‭ ‬التأقلم‭ ‬معه‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬صار‭ ‬مستحيلاً‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬العولمة‭ ‬وانفجار‭ ‬المعلومات‭ ‬وثورة‭ ‬الاتصالات‭. ‬عهد‭ ‬انتهى،‭ ‬علمياً‭ ‬لا‭ ‬شعاراتياً‭ ‬ولا‭ ‬أيديولوجياً‭.‬

بحث‭ ‬الهوية‭ ‬اليوم‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬حقل‭ ‬التأصيل‭ ‬النظري‭ ‬إلى‭ ‬ميادين‭ ‬الحياة‭. ‬فكما‭ ‬أن‭ ‬ثورة‭ ‬العلم‭ ‬الحديث‭ ‬وفائق‭ ‬الحداثة،‭ ‬تدفع‭ ‬الشعوب‭ ‬إلى‭ ‬التطلّب،‭ ‬فهي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬المفكرين‭ ‬تغيير‭ ‬أدوات‭ ‬العمل‭ ‬واستعمال‭ ‬الجديد‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الأصيل‭.‬

‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬اليوم‭ ‬إعمال‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬المستقرة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬إنقاذ‭ ‬الهوية‭ ‬الإنسانية‭ ‬والثقافية‭ ‬للعرب‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬فيها‭ ‬رحى‭ ‬الحرب‭ ‬والتي‭ ‬عرّضت‭ ‬العرب‭ ‬لنكبتهم‭ ‬الكبرى،‭ ‬لا‭ ‬نكبة‭ ‬التدمير‭ ‬والقصف‭ ‬والتهجير‭ ‬وحسب‭ ‬بل‭ ‬نكبة‭ ‬تآكل‭ ‬الشخصية‭ ‬وصعود‭ ‬الشراذم‭ ‬وهجمة‭ ‬الأعداء‭ ‬القدامى‭ ‬(الإيرانيون‭ ‬الذين‭ ‬يغذون‭ ‬الخراب‭ ‬ويموّلونه)‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬كلّه‭ ‬هو‭ ‬بالتحديد‭ ‬ما‭ ‬يشعل‭ ‬أوار‭ ‬الهوية‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

ما‭ ‬بين‭ ‬عروبة‭ ‬العرب‭ ‬القدامى‭ ‬وعروبة‭ ‬اللحظة،‭ ‬كان‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬علامة‭ ‬فارقة،‭ ‬كما‭ ‬أسلفت‭ ‬لجمع‭ ‬العرب‭ ‬وإعادة‭ ‬صهر‭ ‬الفكرة،‭ ‬وخلقها‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.