صراع‭ ‬الهويات‭ ‬وتجلياته‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬والثقافة‭ ‬والاجتماع

صراع‭ ‬الهويات‭ ‬وتجلياته‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬والثقافة‭ ‬والاجتماع

الأحد 2016/05/01
لوحة: عمار النحاس

لكن الاندماج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬مرهون‭ ‬بتحولات‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬الهيكل‭ ‬الأساسي‭ ‬للمجتمع،‭ ‬تفضي‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬مدني،‭ ‬هو‭ ‬فضاء‭ ‬من‭ ‬الحرية،‭ ‬ودولة‭ ‬سياسية،‭ ‬تكفل‭ ‬الحريات‭ ‬الخاصة‭ ‬والعامة،‭ ‬وتصون‭ ‬الحقوق‭ ‬المدنية‭ ‬والسياسية‭ ‬لجميع‭ ‬مواطناتها‭ ‬ومواطنيها‭ ‬بالتساوي‭. ‬قبل‭ ‬هذه‭ ‬العتبة‭ ‬المدنية،‭ ‬تظل‭ ‬الهويات‭ ‬المختلفة‭ ‬فضاءات‭ ‬خاصة‭ ‬مغلقة‭ ‬على‭ ‬ذاتها،‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬النظام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسلطة‭ ‬السياسية‭. ‬نلاحظ‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬البطركي‭ ‬أو‭ ‬البطركي‭ ‬المحدث،‭ ‬والسلطة‭ ‬المستبدة‭ ‬يتصاديان‭ ‬مع‭ ‬المنظومات‭ ‬الثقافية‭ ‬المغلقة‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬السلطة‭ ‬المستبدة،‭ ‬إذ‭ ‬تستثمر‭ ‬في‭ ‬اختلاف‭ ‬المنظومات‭ ‬الثقافية،‭ ‬فتسيّسها‭: ‬تقرِّب‭ ‬بعضها،‭ ‬وتقصي‭ ‬بعضها‭ ‬الآخر،‭ ‬وتمنح‭ ‬بعضها‭ ‬امتيازات‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬غيرها،‭ ‬‭(‬وفقاً‭ ‬لمبدأ‭: ‬فرِّق‭ ‬تسد‭)‬،‭ ‬تحوِّل‭ ‬الجماعات‭ ‬الإثنية‭ ‬والمذهبية‭ ‬إلى‭ ‬عصبيات،‭ ‬على‭ ‬صورتها‭ ‬ومثالها،‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬سلطة‭ ‬عائلة‭ ‬ممتدة‭ ‬أو‭ ‬عشيرة،‭ ‬ونواة‭ ‬عصبية‭ ‬موسَّعة،‭ ‬إثنية‭ ‬–‭ ‬مذهبية،‭ ‬أو‭ ‬حزب‭ ‬عقائدي‭. ‬وذلكم‭ ‬هو‭ ‬جذر‭ ‬سياسات‭ ‬الهوية‭ ‬وصراع‭ ‬الهويات‭ ‬وأساسهما‭. ‬فلا‭ ‬يزال‭ ‬مفهوم‭ ‬العصبية‭ ‬الخلدوني‭ ‬أداة‭ ‬ناجعة‭ ‬لتحليل‭ ‬النظم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬–‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬‭[‬2‭]‬‭.‬

المناخ‭ ‬العصبوي،‭ ‬حيثما‭ ‬تتجابه‭ ‬العصبيات،‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الإشكاليات،‭ ‬من‭ ‬أهمها‭ ‬إشكالية‭ ‬الهوية‭ ‬والذات،‭ ‬وإشكالية‭ ‬والتراث‭ ‬والمعاصرة،‭ ‬والعلاقة‭ ‬بالآخر‭ ‬المختلف،‭ ‬محلياً‭ ‬وعالمياً،‭ ‬وخاصة‭ ‬العلاقة‭ ‬بالغرب،‭ ‬‭(‬إشكالية‭ ‬الاعتراف‭ ‬المتبادل‭ ‬والثقة‭ ‬والتعاون‭)‬،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬إشكاليات‭ ‬المساواة‭ ‬والحرية‭ ‬والعدالة،‭ ‬وعلاقة‭ ‬الفرد‭ ‬بالمجتمع‭ ‬والدولة،‭ ‬وعلاقة‭ ‬المجتمع‭ ‬بالدولة‭. ‬وقبلها‭ ‬جميعاً‭ ‬إشكالية‭ ‬“الانتماء‭ ‬الجذري‭ ‬إلى‭ ‬النوع‭ ‬الإنساني‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الانتماء‭ ‬الهووي‭ ‬الصاخب‭ ‬والعنيف‭ ‬والمهزوز‭ ‬‭[‬3‭]‬‭.‬

ولما‭ ‬كانت‭ ‬السياسة‭ ‬ممارسة‭ ‬فحسب،‭ ‬ولا‭ ‬تكون‭ ‬إلا‭ ‬كما‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬يمارسونها،‭ ‬سواء‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬المعارضة،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬سياسات‭ ‬الهوية‭ ‬ونزاعاتها،‭ ‬إلا‭ ‬بالكشف‭ ‬عن‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬تؤسس‭ ‬السياسة‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬ثمة‭ ‬مقاربتان‭ ‬نميل‭ ‬إلى‭ ‬أخذهما‭ ‬في‭ ‬الحسبان‭ ‬معاً‭: ‬المقاربة‭ ‬البطركية‭ ‬التي‭ ‬قدم‭ ‬فيها‭ ‬هشام‭ ‬شرابي‭ ‬إسهاماً‭ ‬مميزاً،‭ ‬ومقاربة‭ ‬“الشيخ‭ ‬والمريد”،‭ ‬التي‭ ‬بلورها‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬حمودي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬العصبية‭ ‬الخلدوني،‭ ‬الذي‭ ‬طوره‭ ‬محمد‭ ‬عابد‭ ‬الجابري‭ ‬ومصطفى‭ ‬حجازي،‭ ‬من‭ ‬موقعين‭ ‬مختلفين‭. ‬هذه‭ ‬كلها‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬تاريخية‭ ‬بين‭ ‬العقيدة‭ ‬والسياسة،‭ ‬كشف‭ ‬كمال‭ ‬عبداللطيف‭ ‬عن‭ ‬جذورها‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬“في‭ ‬تشريح‭ ‬أصول‭ ‬الاستبداد”،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تساعد‭ ‬في‭ ‬اكتشاف‭ ‬جذور‭ ‬النزاعات‭ ‬الإثنية‭ ‬والمذهبية،‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬صورها‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر‭.‬

فما‭ ‬يجعل‭ ‬الهويات‭ ‬مغلقة‭ ‬وثابتة،‭ ‬خلافاً‭ ‬لطبيعة‭ ‬من‭ ‬ينتجونها،‭ ‬هو‭ ‬ترجمة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬المادي‭ ‬‭(‬الناتج‭ ‬من‭ ‬العمل‭)‬‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬‭(‬الناتج‭ ‬من‭ ‬الفاعلية‭/‬الانفعالية‭)‬‭ ‬إلى‭ ‬سلطة‭ ‬فظة،‭ ‬وطاعة‭ ‬غير‭ ‬مشروطة،‭ ‬وترجمة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الثقافي‭ ‬إلى‭ ‬سلطة‭ ‬ناعمة‭ ‬واتِّباع‭ ‬طوعي‭ ‬غير‭ ‬مشروط‭ ‬أيضاً،‭ ‬ومنح‭ ‬هاتين‭ ‬السلطتين‭ ‬مقبولية‭ ‬عقلية‭ ‬وأخلاقية‭. ‬يمكن‭ ‬إجمال‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬بترجمة‭ ‬الثقافة‭ ‬الهووية‭ ‬إلى‭ ‬سياسة‭ ‬هووية‭. ‬ومن‭ ‬طبيعة‭ ‬السلطة‭ ‬أنها‭ ‬تحوِّل‭ ‬شروط‭ ‬إمكانها،‭ ‬أي‭ ‬علاقات‭ ‬القوة‭ ‬المبثوثة‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الجماعة‭ ‬أو‭ ‬المجتمع‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬مركَّزة‭ ‬ومركزية،‭ ‬وتحوِّل‭ ‬منتجيها‭ ‬إلى‭ ‬موضوع‭ ‬لهذه‭ ‬القوة،‭ ‬وأنها‭ ‬تبسط‭ ‬نفوذها‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬تمهيداً‭ ‬لبسطه‭ ‬على‭ ‬الأشخاص،‭ ‬فتتحول‭ ‬المقبولية‭ ‬التأسيسية‭ ‬لدى‭ ‬هؤلاء،‭ ‬إمّا‭ ‬إلى‭ ‬طاعة‭ ‬غير‭ ‬مشروطة‭ ‬وإمّا‭ ‬إلى‭ ‬مقاومة‭ ‬غير‭ ‬مشروطة،‭ ‬سواء‭ ‬باسم‭ ‬الهوية‭ ‬ذاتها‭ ‬أو‭ ‬باسم‭ ‬هوية‭ ‬وهويات‭ ‬أخرى‭ ‬منافسة،‭ ‬واللامشروطية،‭ ‬في‭ ‬المبادئ‭ ‬والأهداف،‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يولّد‭ ‬التطرف‭ ‬والعنف‭.‬

إذن،‭ ‬تكمن‭ ‬جذور‭ ‬المشكلة‭ ‬الهووية‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬التداخلية‭/‬التخارجية،‭ ‬لا‭ ‬الجدلية،‭ ‬بين‭ ‬الثقافة‭ ‬والسلطة،‭ ‬لأن‭ ‬صراع‭ ‬الهويات‭ ‬يلغي‭ ‬الجدل‭ ‬‭(‬الديالكتيك‭)‬‭ ‬والعقل‭ ‬الجدلي،‭ ‬ويستبدل‭ ‬بهما‭ ‬المساجلة‭ ‬والجدال،‭ ‬فلا‭ ‬يعود‭ ‬الواقع‭ ‬مرجعاً‭ ‬للفكر‭ ‬وضمانة‭ ‬للحقيقة،‭ ‬وبهذا‭ ‬تتشابه‭ ‬الأيديولوجيات‭. ‬فما‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬مستبدة‭ ‬إلا‭ ‬كان‭ ‬همها‭ ‬الرئيس‭ ‬أن‭ ‬تحتكر‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وتسيطر‭ ‬على‭ ‬المجال‭ ‬الثقافي‭ ‬وعمليات‭ ‬إنتاج‭ ‬الثقافة‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاجها،‭ ‬وكان‭ ‬مصيرها‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬نجاحها‭ ‬أو‭ ‬إخفاقها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭. ‬فالمستبدون‭ ‬لا‭ ‬يقبلون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬أكثر‭ ‬غيرة‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬“الثقافة”‭ ‬بوجه‭ ‬عام‭ ‬وعلى‭ ‬الدين‭ ‬بوجه‭ ‬خاص،‭ ‬ولذلك‭ ‬كانوا،‭ ‬ولا‭ ‬يزالون،‭ ‬بلاء‭ ‬ونقمة‭ ‬على‭ ‬المبدعين‭ ‬ودعاة‭ ‬الإصلاح‭ ‬‭[‬4‭]‬‭. ‬وبهذا‭ ‬تكون السلطة‭ ‬هي‭ ‬العامل‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬التوترات‭ ‬الإثنية‭ ‬والمذهبية‭ ‬وتطورها‭ ‬إلى‭ ‬نزاعات‭ ‬وحروب‭. ‬والحالة‭ ‬السورية‭ ‬نموذج‭ ‬شديد‭ ‬الوضوح‭. ‬فما‭ ‬كان‭ ‬للمجتمع‭ ‬السوري‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬جماعات‭ ‬هووية‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬السلطة‭ ‬كذلك،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬احتكرت‭ ‬المجال‭ ‬العام‭ ‬وجعلت‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬“دولة‭ ‬البعث”‭ ‬ومن‭ ‬سوريا‭ ‬“سوريا‭ ‬الأسد”‭. ‬فلا‭ ‬يقوم‭ ‬استبداد‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬عقيدة‭ ‬تسوّغه‭ ‬وتعقِّله‭.‬

‬نعني‭ ‬بالانغلاق‭ ‬الثقافي‭ ‬احتباس‭ ‬المثقفات‭ ‬والمثقفين‭ ‬في‭ ‬الأطر‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬أو‭ ‬العقائدية‭: ‬الإسلامية‭ ‬والقومية‭ ‬والاشتراكية،‭ ‬وقد‭ ‬غدت‭ ‬“هويات‭ ‬قاتلة”‭ ‬كالهويات‭ ‬المذهبية،‭ ‬ونعني‭ ‬بالانحطاط‭ ‬الأخلاقي‭ ‬شيطنة‭ ‬الآخر‭ ‬المختلف‭ ‬وتكفيره

ثمة‭ ‬إذن‭ ‬تضامن‭ ‬تاريخي‭ ‬بين‭ ‬العصبية‭ ‬والعقيدة،‭ ‬يجعل‭ ‬مصير‭ ‬العقيدة‭ ‬أو‭ ‬المذهب‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بمصير‭ ‬العصبية‭ ‬وبالعكس،‭ ‬بهذا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬الانشقاقات‭ ‬المتتالية‭ ‬في‭ ‬“الإسلام”،‭ ‬وتراخي‭ ‬منظومات‭ ‬الانتماء‭ ‬والولاء‭ ‬أو‭ ‬تفكّكها،‭ ‬وتشكُّل‭ ‬عصبيات‭ ‬جديدة‭ ‬وظهور‭ ‬ملل‭ ‬ونحل‭ ‬جديدة‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬ما‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬العقيدة‭ ‬الشيوعية‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي،‭ ‬وعقيدة‭ ‬البعث‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬نظام‭ ‬البعث‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وترنُّحه‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬والأمثلة‭ ‬الأخرى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تحصى‭. ‬فالمناخ‭ ‬العصبوي،‭ ‬الذي‭ ‬وصفناه،‭ ‬يولّد‭ ‬استقطاباً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬–‭ ‬سياسياً،‭ ‬يتظاهر‭ ‬في‭ ‬صيغة‭ ‬صراع‭ ‬أيديولوجي،‭ ‬لا‭ ‬ينجو‭ ‬منه‭ ‬المثقفون‭ ‬إلا‭ ‬نادراً،‭ ‬وينتج‭ ‬شقوقاً‭ ‬وفراغات‭ ‬في‭ ‬الهيكل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تتسرب‭ ‬منها‭ ‬الأطماع‭ ‬الخارجية،‭ ‬فيتعزز‭ ‬الاستقطاب‭ ‬الداخلي،‭ ‬وينجدل‭ ‬على‭ ‬استقطابات‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭ ‬تشوّه‭ ‬وعي‭ ‬المثقفين‭ ‬ونظرتهم‭ ‬إلى‭ ‬العالم،‭ ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬والإنسان،‭ ‬وإلى‭ ‬المرأة‭ ‬خاصة‭.‬

وثمة‭ ‬تلازم‭ ‬لا‭ ‬يخطئه‭ ‬النظر‭ ‬العقلي‭ ‬بين‭ ‬صراع‭ ‬الهويات‭ ‬والتحاجز‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وتعثر‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬وبين‭ ‬الانغلاق‭ ‬الثقافي‭ ‬والانحطاط‭ ‬الأخلاقي‭. ‬نعني‭ ‬بالانغلاق‭ ‬الثقافي‭ ‬احتباس‭ ‬المثقفات‭ ‬والمثقفين‭ ‬في‭ ‬الأطر‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬أو‭ ‬العقائدية‭: ‬الإسلامية‭ ‬والقومية‭ ‬والاشتراكية،‭ ‬وقد‭ ‬غدت‭ ‬“هويات‭ ‬قاتلة”‭ ‬كالهويات‭ ‬المذهبية،‭ ‬ونعني‭ ‬بالانحطاط‭ ‬الأخلاقي‭ ‬شيطنة‭ ‬الآخر‭ ‬المختلف‭ ‬وتكفيره‭ ‬أو‭ ‬تخوينه،‭ ‬والتنكر‭ ‬لإنسانيته،‭ ‬وهدر‭ ‬كرامته،‭ ‬واللامبالاة‭ ‬بحقوقه،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬حق‭ ‬الحياة‭.‬

الهووية،‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬انغلاق‭ ‬ثقافي‭ ‬وانحطاط‭ ‬أخلاقي،‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة‭ ‬ثقافةً‭ ‬سلفيةً‭ ‬وأصوليةً،‭ ‬وكانت‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬العقبة‭ ‬الكأداء‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬ارتقائها‭ ‬إلى‭ ‬الكونية‭ ‬والمعاصرة‭. ‬السلفية‭ ‬والأصولية،‭ ‬وهما‭ ‬سمتان‭ ‬للعقائد‭ ‬القومية‭ ‬والإسلامية‭ ‬والاشتراكية،‭ ‬عند‭ ‬العرب،‭ ‬تنتجان‭ ‬التعصب‭ ‬والعنف،‭ ‬تدلان‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬تقبُّل‭ ‬العرب‭ ‬المعاصرين‭ ‬لأنفسهم،‭ ‬وعدم‭ ‬تقبلهم‭ ‬للعالم‭. ‬هذان‭ ‬العدمان‭ ‬يثويان‭ ‬في‭ ‬أساس‭ ‬عدم‭ ‬تقبل‭ ‬الآخر‭ ‬المختلف،‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬وتمثيله‭ ‬استيهامياً‭ ‬وفقاً‭ ‬لهذه‭ ‬العدمية‭. ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬يحجب‭ ‬عنا‭ ‬حقيقة‭ ‬الآخر‭ ‬المختلف‭ ‬سوى‭ ‬العدمية؟‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬“الغرب”،‭ ‬ومن‭ ‬الحداثة‭ ‬والديمقراطية‭ ‬والعلمانية‭ ‬رائز‭ ‬ومعيار‭.‬

“الشرق‭ ‬شبه‭ ‬اختراع‭ ‬أوروبي”‭ ‬‭[‬5‭]‬،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬صورة‭ ‬الشرق‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬الغربيين‭ ‬المعاصرين‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬رسمت‭ ‬أو‭ ‬نقشت‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وصف‭ ‬الرحّالة‭ ‬وقادة‭ ‬الحملات‭ ‬العسكرية‭ ‬ومرافقيهم‭ ‬وأبحاث‭ ‬المستشرقين‭ ‬والمستكشفين‭ ‬والفلاسفة‭ ‬والأدباء‭ ‬والفنانين،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬والحجّاج‭ ‬والزائرين‭.. ‬وهذه‭ ‬الصورة‭ ‬ليست‭ ‬نمطية‭ ‬كلياً،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تصورات‭ ‬مختلفة‭ ‬للشرق،‭ ‬تتقاطع‭ ‬كل‭ ‬منها،‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬مع‭ ‬صورة‭ ‬نمطية‭ ‬أنتجتها‭ ‬ثقافة‭ ‬الغزو‭ ‬والاستعمار،‭ ‬أو‭ ‬ثقافة‭ ‬السلطة‭ ‬المركزية،‭ ‬سياسية‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬أم‭ ‬لاهوتية‭. ‬لأننا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬صورة‭ ‬الشرق‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬الغربيين‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬“الثقافة‭ ‬الغربية”،‭ ‬وإلا‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬ثقافة‭ ‬السلطة‭ ‬المركزية،‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬وسائل‭ ‬التعليم‭ ‬والنشر‭ ‬والتعميم،‭ ‬وسلطة‭ ‬التفسير‭ ‬والتأويل‭ ‬واصطفاء‭ ‬الدلالات،‭ ‬وإدماج‭ ‬التصورات‭ ‬الفردية‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬تصور‭ ‬مركزي‭ ‬تكسبه‭ ‬السلطة‭ ‬طابع‭ ‬الشمول‭ ‬والحقيقة‭.‬

بالمقابل،‭ ‬“الغرب”‭ ‬شبه‭ ‬اختراع‭ ‬شرقي‭. ‬وفي‭ ‬ما‭ ‬يخصنا،‭ ‬هو‭ ‬شبه‭ ‬اختراع‭ ‬“عربي‭ ‬–‭ ‬إسلامي”‭. ‬مع‭ ‬فارق‭ ‬جوهري‭ ‬يتلخّص‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬صورة‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬العرب‭ ‬المسلمين‭ ‬هي‭ ‬صورة‭ ‬المستعمِر‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬المستعمَر،‭ ‬أو‭ ‬صورة‭ ‬القويّ‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬الضعيف‭ ‬والمتبوع‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬التابع،‭ ‬وانعكاس‭ ‬ثقافة‭ ‬المركز‭ ‬على‭ ‬المحيط،‭ ‬ومعنى‭ ‬المتن‭ ‬على‭ ‬الهامش‭ ‬والتقدم‭ ‬على‭ ‬التأخر‭. ‬وهو،‭ ‬كنقيضه،‭ ‬اختراع‭ ‬سلطة‭ ‬مركزية،‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬لاهوتية،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬هامشية‭ ‬أو‭ ‬خاضعة‭. ‬لذلك‭ ‬يمكن‭ ‬إدراج‭ ‬معارف‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬عن‭ ‬“الغرب”‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬المعارف‭ ‬الخاضعة،‭ ‬التي‭ ‬قدم‭ ‬فيها‭ ‬ميشيل‭ ‬فوكو‭ ‬إسهاماً‭ ‬مميزاً‮ ‬‭[‬6‭]‬‭. ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬نفسه‭ ‬بقوة‭: ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭ ‬صورة‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬–‭ ‬الإسلامية‭ ‬المعاصرة‭ ‬بعد‭ ‬جلاء‭ ‬المستعمرين‭ ‬وانقضاء‭ ‬عصر‭ ‬الاستعمار‭ ‬التقليدي،‭ ‬المباشر؟‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬جواباً‭ ‬معقولاً‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الثقافة؛‭ ‬فالثقافة،‭ ‬في‭ ‬الحالين‭ ‬هي‭ ‬العامل‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬عملية‭/‬عمليات‭ ‬“إعادة‭ ‬الإنتاج”‭ ‬‭[‬7‭]‬،‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬هوية‭ ‬جوهرية‭ ‬أو‭ ‬ماهوية‭ ‬‭(‬essentialism‭)‬‭ ‬للذات‭ ‬وللآخر،‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬تمثُّل‭ ‬‭(‬representation‭)‬‭ ‬صورة‭ ‬الآخر‭ ‬أو‭ ‬استحضارها،‭ ‬لدى‭ ‬كل‭ ‬محاولة‭ ‬لتحديد‭ ‬الذات‭ ‬أو‭ ‬تعريفها‭.‬

إذن،‭ ‬نحن‭ ‬إزاء‭ ‬تحديد‭ ‬متبادل‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬جذر‭ ‬أسطوري‭ ‬مشترك،‭ ‬هو‭ ‬المركزية‭ ‬الإثنية‭ ‬‭(‬ego‭ ‬centralism‭)‬،‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬صورة‭ ‬جمعية‭ ‬عن‭ ‬نرجسية‭ ‬الذات‭ ‬ومركزيّتها‭ ‬في‭ ‬الكون،‭ ‬وإزاء‭ ‬خطابين‭ ‬متقابلين‭ ‬يمتحان‭ ‬من‭ ‬الجذر‭ ‬نفسه،‭ ‬تدعم‭ ‬كلاً‭ ‬منهما‭ ‬تمثلات‭ ‬وصور‭ ‬ومؤسسات‭ ‬ومذاهب‭ ‬فكرية‭ ‬وسلطات‭ ‬مركزية‭. ‬ذلك‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬منهج‭ ‬الاستشراق‭ ‬أو‭ ‬ذهنية‭ ‬الاستشراق‭ ‬والمنهج‭ ‬المقابل‭ ‬أو‭ ‬الذهنية‭ ‬المقابلة‭ ‬يتعدى‭ ‬أو‭ ‬تتعدى‭ ‬التقاليد‭ ‬الأكاديمية‭ ‬إلى‭ ‬تفريق‭ ‬وجودي‭ ‬ومعرفي‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب،‭ ‬باعتبارهما‭ ‬هويّتين‭ ‬جوهريتين‭ ‬متعاليتين‭ ‬على‭ ‬التاريخ‭ ‬وسنن‭ ‬التطور‭. ‬ذلكم‭ ‬أحد‭ ‬جذور‭ ‬الأصولية‭ ‬والعنصرية،‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬أشكالها،‭ ‬الإثنية‭ ‬والدينية،‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب،‭ ‬وأحد‭ ‬عوامل‭ ‬التوتر‭ ‬بينهما‭ ‬بعد‭ ‬انحسار‭ ‬الظاهرة‭ ‬الاستعمارية‭.‬

ما‭ ‬يهمنا‭ ‬بصورة‭ ‬أساسية‭ ‬هو‭ ‬نقد‭ ‬ثقافة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الاستعمار،‭ ‬أي‭ ‬الثقافة‭ ‬المتسيِّدة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬بلد‭ ‬على‭ ‬حدة‭. ‬إذ‭ ‬“الثقافة‭ ‬العربية”‭ ‬و”الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية”‭ ‬مفهومان‭ ‬شاملان‭ ‬شمولاً‭ ‬مضللاً،‭ ‬لا‭ ‬يقصي‭ ‬الثقافات‭ ‬غير‭ ‬العربية،‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬الثقافات‭ ‬الفرعية‭ ‬التي‭ ‬تنسب‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬العروبة‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬الإسلام‭. ‬نتحدث‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬تخلّع‭ ‬ثقافي‭ ‬يقبع‭ ‬في‭ ‬أساس‭ ‬التخلع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاستبداد‭ ‬السياسي،‭ ‬أي‭ ‬عن‭ ‬هويات‭ ‬جوهرية‭ ‬أو‭ ‬ماهوية،‭ ‬أصلية‭ ‬وأصولية،‭ ‬تحمل‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬جرثومة‭ ‬التطرف‭ ‬والعنف‭ ‬والإرهاب‭. ‬فالمدخل‭ ‬الثقافي‭ ‬إلى‭ ‬الاندماج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬مدخل‭ ‬أساسي،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المدخل‭ ‬الأساسي‭. ‬ونفترض،‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬خافية‭ ‬ثقافية‭ ‬عميقة‭ ‬ملازمة‭ ‬للوعي‭ ‬ومؤثرة‭ ‬فيه،‭ ‬تعززها‭ ‬التربية‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التعليمية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الفرد،‭ ‬هي،‭ ‬أي‭ ‬الخافية‭ ‬الثقافية،‭ ‬التي‭ ‬تغذي‭ ‬الخطابات‭ ‬الأيديولوجية،‭ ‬وقد‭ ‬تفسر‭ ‬التفارق‭ ‬الملحوظ‭ ‬عندنا‭ ‬بين‭ ‬القول‭ ‬والفعل‭ ‬‭[‬8‭]‬‭.‬


لوحة: عمار النحاس

ننطلق‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬أولية‭ ‬الثقافة،‭ ‬بصفتها‭ ‬“أول‭ ‬رأسمال‭ ‬إنساني”‭ ‬‭[‬9‭]‬،‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬ترجمة‭ ‬ذاتها‭ ‬أفعالاً‭ ‬وأقوالاً‭ ‬وعلاقات،‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬“المعلومات”‭ ‬اللازمة‭ ‬لإنتاج‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬المادية‭ ‬واللامادية،‭ ‬كالمعلومات‭ ‬اللازمة‭ ‬لإنتاج‭ ‬الحياة‭ ‬البيولوجية،‭ ‬أي‭ ‬الشفرة‭ ‬الجينية‭ ‬المرقونة‭ ‬أو‭ ‬المنقوشة‭ ‬في‭ ‬جينات‭ ‬الفرد،‭ ‬والتي‭ ‬تترجم‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬بروتين،‭ ‬يمد‭ ‬الجسم‭ ‬بالطاقة،‭ ‬وينظم‭ ‬جميع‭ ‬وظائفه،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬وظائف‭ ‬الدماغ‭ ‬وبقية‭ ‬الجملة‭ ‬العصبية‭. ‬الثقافة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تنظم‭ ‬حياتنا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وتعيد‭ ‬إنتاجها‭. ‬فللمعرفة‭ ‬أساسها‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬البشرية،‭ ‬في‭ ‬صيغة‭ ‬استعدادات‭ ‬وملكات،‭ ‬يمتاز‭ ‬بها‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬سائر‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية‭. ‬نشير‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬العلاقة‭ ‬التفاعلية‭ ‬بين‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الثقافي‭ ‬وكلّ‭ ‬من‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬المادي‭ ‬أو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬الرمزي،‭ ‬كما‭ ‬تتجلى‭ ‬في‭ ‬ثنوية‭ ‬العلمانية‭ ‬والدين‭ ‬والرؤية‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬الدين‭ ‬و‭/‬أو‭ ‬“القومية”‭ ‬ضمانة‭ ‬وحيدة‭ ‬للوجود‭.‬

الثقافة‭ ‬إنتاج‭ ‬بشري،‭ ‬لها‭ ‬جذورها‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وفق‭ ‬الحدس‭ ‬الكانطي،‭ ‬الذي‭ ‬أكدته‭ ‬منجزات‭ ‬البيولوجيا‭ ‬الأحدث،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬اكتشاف‭ ‬الشفرة‭ ‬الجينية‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬قراءتها‭ ‬‭[‬10‭]‬‭. ‬تتعين‭ ‬علاقة‭ ‬الثقافة‭ ‬بالدين‭ ‬وفقاً‭ ‬لإحدى‭ ‬رؤيتين‭: ‬لاهوتية‭ ‬تقول‭ ‬بأن‭ ‬الثقافة‭ ‬“حالة‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الديني”‭ ‬‭[‬11‭]‬،‭ ‬وعلمانية‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬عنصراً‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬الثقافة،‭ ‬فتدرجه‭ ‬صراحة‭ ‬أو‭ ‬ضمناً‭ ‬في‭ ‬مدرج‭ ‬الإنتاج‭ ‬البشري‭ ‬والفضاء‭ ‬القومي،‭ ‬ثم‭ ‬الفضاء‭ ‬الإنساني‭. ‬والاتجاهان‭ ‬كلاهما‭ ‬ينطلقان‭ ‬من‭ ‬افتراض‭ ‬أن‭ ‬نقد‭ ‬الدين‭ ‬لم‭ ‬ينته‭ ‬بعد،‭ ‬بخلاف‭ ‬رؤية‭ ‬ماركس،‭ ‬الذي‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬نقد‭ ‬الدين‭ ‬قد‭ ‬أنجز‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬‭[‬12‭]‬‭.. ‬ولكن‭ ‬اللاهوتيين‭ ‬لا‭ ‬يقبلون‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬الدين‭ ‬ثقافة‭ ‬أسطورية‭ ‬متحولة،‭ ‬لتبرير‭ ‬العبودية‭ ‬وهدر‭ ‬الإنسانية،‭ ‬كما‭ ‬ندّعي‭. ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الأحوال،‭ ‬فإن‭ ‬علاقة‭ ‬الدين‭ ‬بالثقافة‭ ‬تطرح‭ ‬مسألة‭ ‬العلمانية،‭ ‬باعتبارها‭ ‬مسألة‭ ‬مفتوحة‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬الدين‭ ‬قائماً‭ ‬وله‭ ‬آثاره‭ ‬الواضحة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والأخلاقية،‭ ‬وفي‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية‭ ‬خاصة،‭ ‬حيثما‭ ‬يمكن‭ ‬للدين‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬متنكراً‭ ‬بإهاب‭ ‬علماني،‭ ‬صنمي،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬القومي‭ ‬عموماً‭ ‬والعقيدة‭ ‬القومية‭ ‬خصوصاً،‭ ‬إذ‭ ‬تحل‭ ‬القومية‭ ‬العنصرية‭ ‬محل‭ ‬الدين،‭ ‬وتخترع‭ ‬مقدساتها‭ ‬ومدنّساتها،‭ ‬وفي‭ ‬الفكر‭ ‬الاشتراكي‭ ‬الدوغمائي‭ ‬أيضاً‭.‬

العلمانية‭ ‬والدين‭ ‬ظاهرتان‭ ‬متلازمتان‭ ‬ومتشارطتان‭ ‬في‭ ‬الوجود،‭ ‬وهما‭ ‬ظاهرتان‭ ‬ثقافيتان‭ ‬تترجم‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬اجتماعية‭ ‬وسياسية،‭ ‬تعيّن‭ ‬موقف‭ ‬الذات‭ ‬الفردية‭ ‬والجمعية‭ ‬من‭ ‬الآخر‭ ‬المختلف‭ ‬والأخرى‭ ‬المختلفة‭. ‬“ليست‭ ‬العلمانية‭ ‬‭(‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الفردي‭)‬‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الحياد‭ ‬واللامبالاة‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬المحددة‭ ‬بالدين،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬النقيض‭ ‬من‭ ‬ذلك”‭ ‬‭[‬13‭]‬‭.‬

في‭ ‬ضوء‭ ‬الانهيار‭ ‬الأخلاقي‭ ‬الذي‭ ‬نعيش،‭ ‬تبدو‭ ‬الثقافة‭ ‬الحديثة‭ ‬والمتجددة‭ ‬طموحاً‭ ‬نبيلاً‭ ‬لجعل‭ ‬العالم‭ ‬أفضل‭ ‬ممّا‭ ‬هو‭ ‬عليه‭. ‬خصصنا‭ ‬الانهيار‭ ‬الأخلاقي‭ ‬لأن‭ ‬الأخلاق،‭ ‬في‭ ‬نظرنا،‭ ‬ذروة‭ ‬العقل‭ ‬وماهيته‭ ‬الإنسانية،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬جميع‭ ‬أشكال‭ ‬اللاعقل‭ ‬والانحطاط‭ ‬الأخلاقي،‭ ‬وإلا‭ ‬كان‭ ‬العقل‭ ‬أداة‭ ‬وضيعة‭ ‬لاكتساب‭ ‬المنافع‭ ‬للذّات‭ ‬والتسبب‭ ‬بالخسائر‭ ‬والفواجع‭ ‬للأخريات‭ ‬والآخرين،‭ ‬أو‭ ‬لتحقيق‭ ‬النجاح‭ ‬الشخصي‭ ‬والغايات‭ ‬الشخصية‭ ‬على‭ ‬حسابهم‭ ‬أو‭ ‬حسابهن،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬الحال‭. ‬فليس‭ ‬بوسع‭ ‬الثقافة‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لا‭ ‬مبالية‭ ‬أو‭ ‬حيادية‭ ‬إزاء‭ ‬الثقافة‭ ‬السائدة‭ ‬والمتسيّدة‭ ‬والأخلاق‭ ‬البطركية‭ ‬والسلطانية‭ ‬الرثة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬رؤية‭ ‬نقدية‭ ‬وموقف‭ ‬نقدي‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬والسلوك‭ ‬والقول‭ ‬والعمل‭. ‬لذلك‮ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬النقد‭ ‬العلماني‭ ‬أن‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬آلهة‭ ‬القومية‭ ‬وعبادة‭ ‬الدولة،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬قطع‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الوعي‭ ‬النقدي‭ ‬وسياسية‭ ‬الهوية‭.‬

ليس‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬إطلاقاً‭ ‬فرز‭ ‬الممارسات‭ ‬الدينية‭ ‬بعمقها‭ ‬الأسطوري‭ ‬من‭ ‬الممارسات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬والتقاليد‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬تقاليد‭ ‬السلطة‭. ‬فما‭ ‬من‭ ‬عقيدة‭ ‬دينية‭ ‬لم‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬الممارسة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬والسياسة‭ ‬لمعتنقيها،‭ ‬ولم‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬نسيج‭ ‬منظومتهم‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬منذ‭ ‬تشكلت‭ ‬الجماعات‭ ‬البشرية‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭. ‬وما‭ ‬من‭ ‬عقيدة‭ ‬دينية‭ ‬لم‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬عندما‭ ‬فقدت‭ ‬إمكان‭ ‬استمرارها،‭ ‬أو‭ ‬عندما‭ ‬انبثقت‭ ‬منها‭ ‬عقيدة‭ ‬جديدة‭.‬‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬سر‭ ‬انسرابها‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬والفن،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الرقص‭ ‬والشعر‭ ‬والغناء‭ ‬والموسيقى‭. ‬فهل‭ ‬الدين‭ ‬هو‭ ‬المبدأ‭ ‬الدافع‭ ‬والروح‭ ‬السرِّية‭ ‬للهويات‭ ‬الإثنية‭ ‬أم‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬هي‭ ‬مبدأ‭ ‬الدين؟‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬المعروف‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬جماعة‭ ‬إثنية‭ ‬‭(‬عرقية‭ ‬أو‭ ‬نسلية‭)‬،‭ ‬عشيرة‭ ‬أو‭ ‬قبيلة،‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬عقيدة‭ ‬وطقوس‭ ‬دينية‭ ‬معجونة‭ ‬بأعرافها‭ ‬وعاداتها‭ ‬وتقاليدها‭ ‬وعلاقاتها‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭ ‬‭[‬14‭]‬،‮ ‬ولا‭ ‬نجد‭ ‬سلطة‭ ‬اجتماعية‭ ‬أو‭ ‬سياسية‭ ‬لا‭ ‬تسندها‭ ‬عقيدة‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬مذهب‭ ‬ديني‭ ‬‭[‬15‭]‬‭.‬

نعتقد‭ ‬أن‭ ‬الأسطورة‭ ‬والدين‭ ‬والخرافة‭ ‬والسحر‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬أشكال‭ ‬الثقافة‭ ‬بمعناها‭ ‬الواسع‭. ‬وأنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ملازمة‭ ‬للثقافة‭ ‬الحديثة‭ ‬والمعاصرة‭ ‬بأشكال‭ ‬شتّى،‭ ‬شرقية‭ ‬كانت‭ ‬الثقافة‭ ‬أم‭ ‬غربية،‭ ‬وذلك‭ ‬بحكم‭ ‬الأبعاد‭ ‬التي‭ ‬أشرنا‭ ‬إليها‭: ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬تنشد‭ ‬اليقين،‭ ‬والإيمان‭ ‬الذي‭ ‬ينشد‭ ‬الخلود‭ ‬والسعادة،‭ ‬والتجربة‭ ‬الروحية‭ ‬أو‭ ‬الوجودية،‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬الفرد‭ ‬الإنساني‭ ‬بأشكال‭ ‬وجوده‭ ‬ومصيره‭.‬

لنر‭ ‬كيف‭ ‬تبدو‭ ‬المسألة‭ ‬في‭ ‬الواقع‭: ‬فلسطين،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬أرض‭ ‬“مقدسة”‭ ‬عند‭ ‬اليهود‭ ‬والمسيحيين‭ ‬والمسلمين،‭ ‬الأماكن‭ ‬المقدسة‭ ‬تستنفد‭ ‬فلسطين،‭ ‬بل‭ ‬تلتهمها،‭ ‬أو‭ ‬تكلّلها‭ ‬بهالة‭ ‬القداسة،‭ ‬فلا‭ ‬تعرف‭ ‬فلسطين‭ ‬ولا‭ ‬ترى‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬القداسة،‭ ‬العلمانيون‭ ‬واللاهوتيون‭ ‬يتشاركون‭ ‬هذا‭ ‬التقديس‭. ‬وقضية‭ ‬فلسطين،‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬هي‭ ‬“قضبة‭ ‬العرب‭ ‬المركزية”‭ ‬والقضية‭ ‬المركزية‭ ‬للأمة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬‭(‬والأمتين‭ ‬اليهودية‭ ‬والمسيحية‭)‬‭ ‬فهي،‭ ‬أي‭ ‬فلسطين،‭ ‬أرض‭ ‬وقف‭ ‬إسلامي،‭ ‬وأرض‭ ‬وقف‭ ‬قومي،‭ ‬كل‭ ‬“مسلم”‮ ‬‭ ‬وكل‭ ‬قومي‭ ‬عربي‭ ‬معنيّ‭ ‬شخصياً‭ ‬بتحرير‭ ‬القدس؛‭ ‬إذن،‭ ‬القداسة‭ ‬والمركزية‭ ‬هما‭ ‬قوام‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭. ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬له‭ ‬إلا‭ ‬بإحدى‭ ‬صفتين‭: ‬عربي‭ ‬أو‭ ‬مسلم،‭ ‬حسب‭ ‬المتكلمة‭ ‬أو‭ ‬المتكلم‭. ‬العروبة،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬هوية‭ ‬بلا‭ ‬ذات،‭ ‬وكذلك‭ ‬الإسلام،‭ ‬إسلام‭ ‬المتكلمة‭ ‬أو‭ ‬المتكلم،‭ ‬أما‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬فذوات‭ ‬بلا‭ ‬هوية،‭ ‬والشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬من‭ ‬ثم،‭ ‬ذات‭ ‬بلا‭ ‬هوية،‭ ‬أو‭ ‬هوية‭ ‬عربية‭ ‬أو‭ ‬إسلامية‭ ‬بلا‭ ‬ذات‭ ‬فلسطينية‭.‬

العلمانية‭ ‬والدين‭ ‬ظاهرتان‭ ‬متلازمتان‭ ‬ومتشارطتان‭ ‬في‭ ‬الوجود،‭ ‬وهما‭ ‬ظاهرتان‭ ‬ثقافيتان‭ ‬تترجم‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬اجتماعية‭ ‬وسياسية،‭ ‬تعيّن‭ ‬موقف‭ ‬الذات‭ ‬الفردية‭ ‬والجمعية‭ ‬من‭ ‬الآخر‭ ‬المختلف‭ ‬والأخرى‭ ‬المختلفة

‮ ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬القداسة‭ ‬دينية‭ ‬بامتياز،‭ ‬فإن‭ ‬المركزية‭ ‬إثنية‭ ‬أو‭ ‬قومية‭ ‬بامتياز،‭ ‬هذا‭ ‬شأنها‭ ‬منذ‭ ‬أقدم‭ ‬العصور‭. ‬ولكن‭ ‬القداسة‭ ‬اللاهوتية‭ ‬‭(‬البادئة‭ ‬بالطوطمية‭ ‬وعبادة‭ ‬الأسلاف‭)‬‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬لها‭ ‬قائمة‭ ‬دون‭ ‬المركزية‭ ‬الإثنية‭ ‬أو‭ ‬القومية‭. ‬والمركزية‭ ‬الإثنية‭ ‬أو‭ ‬القومية‭ ‬تفقد‭ ‬إمكان‭ ‬براءتها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬القداسة،‭ ‬فتبدو‭ ‬على‭ ‬صورتها‭ ‬الحقيقية‭ ‬عنصرية‭ ‬وعدوانية‭. ‬هذا‭ ‬الاعتماد‭ ‬المتبادل‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والقومية‭ ‬يتمخّض‭ ‬عن‭ ‬فضاء‭ ‬رمزي‭ ‬مشترك‭ ‬يتكثف‭ ‬في‭ ‬القداسة‭ ‬والهداية‭ ‬والرحمة‭ ‬والتقوى‭ ‬والحق‭ ‬والعدل‭ ‬والاستقلال‭ ‬والسيادة‭ ‬أو‭ ‬الحاكمية‭ ‬والشرعية‭..‬،‭ ‬بفضل‭ ‬“كيمياء‭ ‬السلطة”‭. ‬ليس‭ ‬ثمة‭ ‬اختلاط‭ ‬فيزيائي‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والقومية،‭ ‬بل‭ ‬اتحاد‭ ‬كيميائي،‭ ‬إذا‭ ‬جاز‭ ‬التعبير‭. ‬فما‭ ‬هو‭ ‬ديني‭ ‬من‭ ‬وجه‭ ‬هو‭ ‬قومي‭ ‬من‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر،‭ ‬فالمسألة‭ ‬مسألة‭ ‬منظور‭. ‬هذا‭ ‬يعني،‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬علمانية،‭ ‬أن‭ ‬العلمانية‭ ‬مشروع،‭ ‬بل‭ ‬أفق‭ ‬بعيد،‭ ‬لا‭ ‬للعرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬للمجتمعات‭ ‬والدول‭ ‬الحديثة‭ ‬أيضاً‭. ‬تتعلق‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬بالدولة‭ ‬القومية‭ ‬تحديداً‭. ‬“كل‭ ‬الأديان‭ ‬‭(‬نفضل‭ ‬المذاهب‭)‬‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬تقديس‭ ‬الإنسان‭ ‬لقوميّته”‭ ‬‭[‬16‭]‬،‭ ‬سواء‭ ‬بالمعنى‭ ‬العرقي‭ ‬قديماً،‭ ‬أو‭ ‬بمعنى‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬قومية‭ ‬حديثاً،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬عقيدة‭ ‬قومية،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬عندنا‭. ‬وقد‭ ‬عالجنا‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬‭[‬17‭]‬‭.‬

الفكرة‭ ‬القومية‭ ‬والفكرة‭ ‬الدينية‭ ‬متشابهتان،‭ ‬تسييس‭ ‬الأولى،‭ ‬في‭ ‬نظرنا،‭ ‬مثل‭ ‬تسييس‭ ‬الثانية،‭ ‬يتمخضان‭ ‬عن‭ ‬النتائج‭ ‬ذاتها،‭ ‬فالبعثية‭ ‬والنازية‭ ‬مجرّد‭ ‬مثالين‭. ‬يلاحظ‭ ‬أن‭ ‬لدى‭ ‬الكثيرين‭ ‬استعداد‭ ‬لأن‭ ‬يقدموا‭ ‬حياتهم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬القومية‭. ‬فمن‭ ‬أين‭ ‬يأتي‭ ‬هذا‭ ‬الحماس‭ ‬التبشيري،‭ ‬هذا‭ ‬الحب‭ ‬المستنزِف‭ ‬الذي‭ ‬تلهمة‭ ‬القومية؟‭ ‬الجواب‭ ‬هو‭ ‬الكثافة‭ ‬العاطفية‭ ‬التي‭ ‬يولدها‭ ‬ويبثها‭ ‬“الحس‭ ‬الديني”‭ ‬الأساسي‭ ‬لدى‭ ‬الإنسان‭ ‬‭[‬18‭]‬‭. ‬فالدين‭ ‬ميزة‭ ‬كونية‭ ‬للطبيعة‭ ‬الإنسانية‭ ‬تتجاوز‭ ‬الاستيعاب‭ ‬العقلاني‭ ‬‭(‬كانط‭)‬‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬معالجتها‭ ‬أو‭ ‬تعريفها‭ ‬إلا‭ ‬بالإشارة‭ ‬إليها‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭. ‬الروحاني‭ ‬الذي‭ ‬يتضمن‭ ‬مشاعر‭ ‬عميقة‭ ‬من‭ ‬الرغبة‭ ‬الطاغية‭ ‬والنداء‭ ‬الملحّ‭ ‬والرعب‭ ‬والافتتان‭ ‬الباعث‭ ‬على‭ ‬تقليب‭ ‬النظر‭ ‬والتأمل‭ ‬‭(‬هنا‭ ‬هناك‭)‬‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬الدين‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يجيب‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬الدين‭ ‬بالقومية‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬نربطه‭ ‬بفكرة‭ ‬أن‭ ‬“كل‭ ‬عبادة‭ ‬هي‭ ‬عبادة‭ ‬الإنسان‭ ‬لقوميّته”‭.‬

ولكن‭ ‬السؤال‭ ‬المهم‭: ‬لمَ‭ ‬هذا‭ ‬الاهتمام‭ ‬المتواتر‭ ‬والانشغال‭ ‬الدائم‭ ‬بتأويل‭ ‬الشعور‭ ‬الديني‭ ‬وتحيين‭ ‬النص‭ ‬الديني‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬التاريخ؟‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬إجابة‭ ‬شافية،‭ ‬ولو‭ ‬إلى‭ ‬حين،‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬“المركزية‭ ‬الإثنية”‭ ‬المستمرة‭ ‬منذ‭ ‬العصور‭ ‬البدائية،‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬مركزية‭ ‬ذكورية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومذهبية‭ ‬دينية‭ ‬من‭ ‬الجهة‭ ‬المقابلة‭. ‬هذه الأركان‭ ‬الثلاثة‭ ‬للمركزية‭: ‬الإثنية‭ ‬والذكورية‭ ‬والمذهبية،‭ ‬متلازمة‭ ‬ومتضامنة أشد‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬التلازم‭ ‬والتضامن،‭ ‬فلا‭ ‬سبيل‭ ‬إلى‭ ‬الاستقلال‭ ‬الذاتي‭ ‬للفرد،‭ ‬المرأة‭ ‬والرجل‭ ‬على‭ ‬السواء،‭ ‬إلا‭ ‬بتفكيكها‭. ‬ونظن‭ ‬أن‭ ‬تفكيك‭ ‬أيّ‭ ‬منها‭ ‬هو‭ ‬تفكيك‭ ‬لها‭ ‬جميعاً‭. ‬النقد‭ ‬الثقافي‭ ‬لا‭ ‬يفترض‭ ‬وجود‭ ‬مذاهب‭ ‬دينية‭ ‬خلاصية،‭ ‬منتجة‭ ‬لأخلاق‭ ‬الطاعة،‭ ‬ومولدة‭ ‬للعنف‭.. ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يتجه‭ ‬إلى‭ ‬نقد‭ ‬“الثقافة‭ ‬القومية”،‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬نسخة‭ ‬“حديثة”،‭ ‬متحولة،‭ ‬من‭ ‬المذهبية‭.‬

‮ ‬للقومية‭ ‬صفة‭ ‬تبشيرية،‭ ‬وشعائرية‭ ‬مدنية،‭ ‬ولاهوت‭ ‬سياسي‭. ‬والأمة‭ ‬شأنها‭ ‬شأن‭ ‬الدولة،‭ ‬“أنشئت‭ ‬لتكون‭ ‬خالدة؛‭ ‬إنها‭ ‬تتغذى‭ ‬على‭ ‬ولاء‭ ‬أعضائها‭ ‬الذين‭ ‬يزيدونها‭ ‬شهرة‭ ‬ومجداً‭ ‬بموتهم”‭ ‬‭[‬19‭]‬‭.‬

من‭ ‬لديه‭ ‬استعداد‭ ‬لأن‭ ‬يموت‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬عقيدته‭ ‬أو‭ ‬أمته‭ ‬لديه‭ ‬الاستعداد‭ ‬نفسه‭ ‬لأن‭ ‬يَقتُل‭ ‬من‭ ‬أجلهما،‮ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الاستعداد‭ ‬للقتل‭ ‬يتقدم‭ ‬على‭ ‬الاستعداد‭ ‬للموت‭. ‬الطابع‭ ‬التبشيري‭ ‬للديانات‭ ‬التوحيدية،‭ ‬واحتكار‭ ‬الحقيقة‭ ‬مشفوعان‭ ‬بالمركزية‭ ‬الإثنية‭ ‬والجهاد‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يولّد‭ ‬العنف‭ ‬والإرغام،‭ ‬ويفضي‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬المجتمعات‭ ‬وانهيار‭ ‬الدول‭.‬

إشارات‭:‬

‭[‬1‭]‬‭ ‬–‭ ‬أدغار‭ ‬موران،‭ ‬النهج،‭ ‬إنسانية‭ ‬البشرية،‭ ‬الهوية‭ ‬البشرية،‭ ‬ترجمة‭ ‬هناء‭ ‬صبحي،‭ ‬هيئة‭ ‬أبو‭ ‬ظبي‭ ‬للثقافة‭ ‬والتراث،‭ ‬كلمة،‭ ‬أبوظبي،‭ ‬2009،‭ ‬ص‭ ‬ص‭ ‬45‭ ‬–‭ ‬46‭.‬

‭[‬2‭]‬‭ ‬–‭ ‬للتوسع‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع،‭ ‬راجع‭/‬ي،‭ ‬محمد‭ ‬عابد‭ ‬الجابري،‮ ‬العصبية‭ ‬والدولة،‭ ‬معالم‭ ‬نظرية‭ ‬خلدونية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي،‭ ‬مركز‭ ‬دراسات‭ ‬الوحدة‭ ‬العربية،‭ ‬بيروت،‭ ‬ط‭ ‬6،‭ ‬1994،‭ ‬ومصطفى‭ ‬حجازي،‮ ‬الإنسان‭ ‬المهدور،‭ ‬دراسة‭ ‬تحليلية،‭ ‬نفسية‭ ‬اجتماعية،‭ ‬المركز‭ ‬الثقافي‭ ‬العربي،‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬وبيروت،‭ ‬2005‭.‬

‭[‬3‭]‬‭ ‬–‭ ‬فتحي‭ ‬المسكيني،‭ ‬الهوية‭ ‬والحرية،‭ ‬نحو‭ ‬أنوار‭ ‬جديدة،‭ ‬جداول‭ ‬للنشر‭ ‬والتوزيع،‭ ‬بيروت،‭ ‬2011‭.‬

‭[‬4‭]‬‭ ‬–‭ ‬راجع‭/‬ي،‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬كمال‭ ‬عبداللطيف،‭ ‬تشريح‭ ‬أصول‭ ‬الاستبداد،‭ ‬دار‭ ‬الطليعة،‭ ‬بيروت،‭ ‬1999،‭ ‬وعبدالله‭ ‬حمودي،‭ ‬الشيخ‭ ‬والمريد،‭ ‬ترجمة‭ ‬عبدالحميد‭ ‬جحفة،‭ ‬دار‭ ‬توبقال‭ ‬للنشر،‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء،‭ ‬2010‭.‬

‭[‬5‭]‬‭ ‬–‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد،‭ ‬الاستشراق،‭ ‬المفاهيم‭ ‬الغربية‭ ‬للشرق،‭ ‬ترجمة‭ ‬محمد‭ ‬عناني،‭ ‬دار‭ ‬رؤية‭ ‬للنشر‭ ‬والتوزيع،‭ ‬القاهرة،‭ ‬2006،‭ ‬ص‭ ‬42‭. ‬وسنشير‭ ‬إلى‭ ‬الاقتباسات‭ ‬اللاحقة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬بإدراج‭ ‬رقم‭ ‬الصفحة‭ ‬في‭ ‬المتن‭ ‬محصورة‭ ‬بين‭ ‬هلالين‭ ‬‭(‬‭..‬‭)‬‭.‬

‭[‬6‭]‬‭ ‬–‭ ‬راجع‭/‬ي،‭ ‬ميشيل‭ ‬فوكو،‭ ‬يجب‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‮…‬

‭[‬7‭]‬‭ ‬–‭ ‬راجع‭/‬ي،‭ ‬بيير‭ ‬بورديو‭ ‬وجان‭ ‬–‭ ‬كلود‭ ‬باسرون،‭ ‬إعادة‭ ‬الإنتاج،‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬نظرية‭ ‬عامة‭ ‬لنسق‭ ‬التعليم،‭ ‬ترجمة‭ ‬ماهر‭ ‬تريمش،‭ ‬المنظمة‭ ‬العربية‭ ‬للترجمة،‭ ‬توزيع‭ ‬مركز‭ ‬دراسات‭ ‬الوحدة‭ ‬العربية،‭ ‬بيروت،‭ ‬2007‭.‬

‭[‬8‭]‬‭ ‬–‭ ‬كان‭ ‬الصديق‭ ‬الراحل،‭ ‬المفكر‭ ‬والباحث،‭ ‬إلياس‭ ‬شوفاني‭ ‬يقول‭ ‬“نحن‭ ‬نقول‭ ‬ما‭ ‬نريد‭ ‬ونفعل‭ ‬ما‭ ‬تريده‭ ‬إسرائيل‭ ‬وما‭ ‬يريده‭ ‬الغرب”‭. ‬إسرائيل‭ ‬أو‭ ‬الغرب‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬شيطاناً‭ ‬يوسوس‭ ‬في‭ ‬صدورنا‭ ‬فيملي‭ ‬علينا‭ ‬أفعالنا،‭ ‬بل‭ ‬ثقافتنا‭ ‬الفصامية‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬تملي‭ ‬علينا‭ ‬ما‭ ‬نقول‭ ‬وما‭ ‬نفعل،‭ ‬والـ‭(‬نا‭)‬‭ ‬الدالة‭ ‬على‭ ‬الجماعة‭ ‬مصنوعة‭ ‬بالتضاد‭ ‬المطلق‭ ‬مع‭ ‬الغرب،‭ ‬أي‭ ‬هي‭ ‬صورة‭ ‬سلبية‭ ‬للغرب،‭ ‬وبالتضاد‭ ‬المطلق‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬ومع‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭. ‬فلكي‭ ‬نغيّر‭ ‬تصورنا‭ ‬عن‭ ‬أنفسنا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نغيّر‭ ‬تصورنا‭ ‬عن‭ ‬العالم‭.‬

‭[‬9‭]‬‭ ‬–‭ ‬أدغار‭ ‬موران،‭ ‬النهج،‭ ‬إنسانية‭ ‬البشرية،‭ ‬الهوية‭ ‬البشرية،‭ ‬ترجمة‭ ‬هناء‭ ‬صبحي،‭ ‬هيئة‭ ‬أبو‭ ‬ظبي‭ ‬للثقافة‭ ‬والتراث،‭ ‬كلمة،‭ ‬أبوظبي،‭ ‬2009،‭ ‬ص‭ ‬ص‭ ‬45‭ ‬–‭ ‬46‭.‬

‭[‬10‭]‬‭ ‬–‭ ‬راجع‭/‬ي،‭ ‬مات‭ ‬ريدلي،‭ ‬الجينوم،‭ ‬ترجمة‭ ‬مصطفى‭ ‬إبراهيم‭ ‬فهمي،‭ ‬سلسلة‭ ‬عالم‭ ‬المعرفة،‭ ‬العدد‭ ‬275،‭ ‬نوفمبر‭ ‬2001‭.‬

‭[‬11‭]‬‭ ‬–‭ ‬وليم‭. ‬د‭. ‬هارت،‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬والمؤثرات‭ ‬الدينية‭ ‬للثقافة،‭ ‬ترجمة‭ ‬قصي‭ ‬أنور‭ ‬الذبيان،‭ ‬هيئة‭ ‬أبو‭ ‬ظبي‭ ‬للثقافة‭ ‬والتراث،‭ ‬كلمة،‭ ‬2011،‭ ‬ص‭ ‬33‭.‬

‭[‬12‭]‬‭ ‬–‭ ‬راجع‭/‬ي،‭ ‬كارل‭ ‬ماركس،‭ ‬في‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬الألمانية،‭ ‬وفي‭ ‬المسألة‭ ‬اليهودية‭. ‬وقراءتنا‭ ‬للمسألة‭ ‬اليهودية‭ ‬على‭ ‬الرابط‭:‬‮ ‬www‭.‬assuaal‭.‬net‭.‬

‭[‬13‭]‬‭ ‬–‭ ‬هارت،‭ ‬المصدر‭ ‬السابق،‭ ‬ص‭ ‬29‭.‬

‭[‬14‭]‬‭ ‬–‭ ‬راجع‭/‬ي،‭ ‬مرسيا‭ ‬إلياد،‭ ‬تاريخ‭ ‬المعتقدات‭ ‬الدينية،‭ ‬ترجمة‭ ‬عبد‭ ‬الهادي‭ ‬عباس،‭ ‬دار‭ ‬دمشق،‭ ‬دمشق،‭ ..‬

‭[‬15‭]‬‭ ‬–‭ ‬راجع‭/‬ي،‭ ‬غسان‭ ‬سلامة،‭ ‬تعدد‭ ‬الأديان‭ ‬وأنظمة‭ ‬الحكم،‭ ‬دار‭ ‬النهار،‭ ‬بيروت‭.‬

‭[‬16‭]‬‭ ‬–‭ ‬موليفي‭ ‬كيتي‭ ‬أساتي،‭ ‬المركزية‭ ‬الإفريقية،‭ ‬عن‭ ‬هارت،‭ ‬المصدر‭ ‬السابق،‭ ‬ص‭ ‬65‭.‬

‭[‬17‭]‬‭ ‬–‭ ‬راجع‭/‬ي،‭ ‬جادالكريم‭ ‬الجباعي،‭ ‬وردة‭ ‬في‭ ‬صليب‭ ‬الحاضر،‭ ‬نحو‭ ‬عقد‭ ‬اجتماعي‭ ‬جديد‭ ‬وعروبة‭ ‬ديمقراطية،‭ ‬منشورات‭ ‬رابطة‭ ‬العقلانيين‭ ‬العرب،‭ ‬دار‭ ‬الفرات،‭ ‬بيروت،‭ ‬ودار‭ ‬بترا،‭ ‬دمشق،‭ ‬2008‭.‬

‭[‬18‭]‬‮ ‬–‭ ‬هارت‭ ‬المصدر‭ ‬السابق،‭ ‬ص‭ ‬70‭.‬

‭[‬19‭]‬‭ ‬‮ ‬–‭ ‬هارت،‭ ‬مصدر‭ ‬سابق،‭ ‬ص‭ ‬79‭.‬

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.