أناشيد الربيع والخريف

أناشيد الربيع والخريف

الأربعاء 2016/06/01
لوحة: بهرام حاجو

الممثل كالسياسي

هما معا يُضحكان الجماهير.

(الممثل ينتقل من مكان إلى آخر بطريقة مثيرة للسخرية، وهو يكشف للمشاهدين عن ديكور المسرحية. يستعمل يديه وأصابعه وأحيانا قدميه، بأن يركل شيئا ثم يعيده إلى وضعه السابق. يقوم بهذا عابثا ساخرا).

يقول ما يلي:

(خشبة فارغة إلا من كرسي وضع في مكان عال هو منصة، تقابله مقاعد، هي إن شئنا عشرون مقعدا. ربما هي مخصصة لاستقبال زبناء، ولكننا نفضل النطق بكلمة مريدين، بما أن المسرحية تتناول أفكار السياسة والحزب والمجتمع وما إلى ذلك من هذه الكلمات الرنانة. السياسة تشغل بالنا أيها السادة من المهد إلى اللحد).

(يضحك).

لا علينا.

الرجل الذي يدخل الخشبة ويتجه إلى الكرسي الذي وضع في مكان عال يبدو شابا عاملا، من النوع الذي يعجبه ارتداء الجينز الأزرق، والقميص القصير، والمشي بخيلاء معتدا بنفسه. ربما ليكشف عن فتوته وقوته. هو في مرحلة القوة طبعا؛ في ريعان الشباب.

لا علينا.

سنرى أن المَشاهِد وهي تتوالى توضح مراحل من حياة هذا الشاب العامل. قد يكون مثقفا على طريقة العامة الذين ينتقون معارفهم من هنا وهناك؛ بالاستماع أو بقراءة كتيبات صغيرة تشرح نظريات حزب أو سياسة ما، وقد يكون شبيها بالمثقف؛ من ذلك النوع الذي يحشر نفسه في كل كبيرة وصغيرة. هذا الأمر رهن بالمُخرج إذ ينبغي له أن يفطن إلى أن هناك تغيرا ما يحصل في حياة كائن بشري ، وكذلك في حياة واقع. ما الكائن وما الواقع؟ لا يهم أن نعرف. قراءة الأدب تكشف عن المستور. ليس المطلوب أن يكون الممثل مثقفا، يكفي أن يكون ممثلا حاذقا ورائعا، فهدفنا هو خلق إمتاع من خلال الكلمة والمكان. الثقافة تخدم أحيانا فكرة مواجهة الشقاء بالحلم. لا علينا.

في الأغلب يكون هذا النوع من الشباب متحمسا في البداية، ولكن التغيرات التي تقع، تفضح مقدار اليأس الذي يحس به. ولهذا ارتأينا أن نجعل الدور يجري في زمنين، فلنفطن إلى هذا. العامل وهو شاب في مرحلة، وهو شيخ في مرحلة أخرى. لا يهم إن كنا على يقين أن هذا يحدث مرارا، فهو يحدث حقا، ولكن الأهم هو أن نبكي على زمنين ذهبا إلى غير رجعة. لا بد أن يفطن المخرج إلى أن الأمر يتعلق بالحنين واللوم معا، الحنين إلى زمن مضى أنتج فرجة سياسية مصحوبة بالقسوة، واللوم كأن نلوم أنفسنا لأننا لم نستطع أن نحدث تغييرا. أين؟ في الواقع طبعا.

إليكم المسرحية.

انتباه. انتباه. انتباه. أيها السادة. الكبار والصغار. الرجال والنساء.

(يبين عن سخرية مبطنة إما بالضحك الذي لا يصل إلى مرحلة الاستهتار ، وإما بابتسامات بنكهة الدعابة القاسية).

الجنتلمان والجنتلمانات.

المحافظون اليمينيون.

العصريون اليساريون.

اليمينيون اليساريون.

اليساريون الجدد.

قراء الأدب الرفيع.

القراء الجدد والقدامى للعهد الجميل.

إليكم تحياتي الحزبية ( يشير إليهم بعلامة النصر).

(ينشد شعارا هو طبعا لا يمتّ بأيّ صلة لأي حزب سياسي. لا نقول: أيّ تشابه بينه وشعار حزب حقيقي هو مجرد تشابه. هو تشابه ..ها ها ها).

إلى الأمام

إلى الأمام

الثورة قادمة

هناك عيون تترصدنا

لن نيأس. لن نيأس.

هي عيون ثعالب تريد الانقضاض علينا.

لن نيأس . لن نيأس.

هي عيون ثعالب تريد مشاركتنا الطعام.

نقول لها مرحبا. مرحبا.

في النهاية يأتي الفجر والصباح

فيكشف من كان معنا ومن كان ضدنا.

(هو الآن قبالة كرسيّ من الكراسي العشرين).

الكرسي بارد إن لم أخطئ. (يتلمّس بطنه وحوافه).

هو بارد لأنه لا أحد جلس عليه.

هو ليس بكرسي لا يثير أيّ معنى كما نرى. سنكشف بعد لأْيٍ كيف أنه سيكون المنبع الذي يطلق شرارة الثورة في حزبنا. الثورة؟ يا لها من كلمة ساحرة، فاتنة وكأنها ساق أنثى.

لا تظنوا أن الأمر يعني ثورة كما نراها في بعض البلدان العربية. وفي ظني المتواضع إن لم أخطئ هي ثورات جنينية كما يقول منشورنا. لا تشبه ثورة الكومونات القديمة، أو ثورة القرنفل، أو ثورة الفوضويين. أنتم طبعا تفهمون ما أعنيه. أحيانا لا تستطيع أن تكمل الجملة، لأن المعنى يكون مستوعبا من الآخرين، فيكون السكوت هدية لا تقدر بثمن. المعنى قد يقال في لمحة أو تلويحة يد أو غمزة.. في جملة.. في كلمة أو حرف. لا يهم كيف يقال، فالأهم هو أن يُفهم.

وعلى أي حال. لم نحن في عجلة من أمرنا؟ في الواقع نسيت أن أقدّم لكم شخصي الكريم. لا يجدر بي أن أضيف إلى الكلمة لفظة الكريم. يروقني التواضع في المسائل السياسية. وأنا في هذا الباب أقتطف نبذة من منشورنا الذي نتداوله علانية، وهو يباع في المكتبات، وإن كان بعض الكتبيين يخفونه عن القراء بأن يضعوه في صندوق ثم يغلقوا منافذه. هؤلاء ليسوا بثوريين إذا عرفنا أن الثورية لا تعني إلا شيئا واحدا: أن تحترم أفكار الآخر. وعلى أيّ حال، أنا عامل يؤمن بنظرية ثورة العمال في القطاعات المنتجة. لست مثقفا بالمعنى المتعارف عليه؛ الحاصل على قدر من المعرفة يؤهله لشغل منصب حكومي. أحصل على معارفي من الجرائد والمعامل كما فعل الروس زمن الحماس الثوري. إن شئتم قولوا هي معارف ساذجة ولكنّها تنبع عن قلب طيب. طبعا نحن نعرف أن القلوب الطيبة لا تصنع إلا الطيبة. لا تصنع ثورة أو تغييرا.

لا علينا.

هذا لا يهمنا الآن في شيء. أن تقول (أنا) لا تعني إلا شيئا واحدا هو أنك أناني. فلنلتجئ إلى كلام مؤدب لا يثير حفيظة أحد.

(يلتفت إلى الجهة اليمنى، حيث المدخل إلى القاعة في الخشبة، وكأنه ينتظر مقدم الزعيم).

سيأتي الزعيم.

في هذه الحالة يكون عليّ أن أصرخ عاليا احتراما لشخصه وثقافته التي أنارت طريق الحزب: يعيش الزعيم. يعيش الزعيم. يعيش الزعيم. ثلاث مرات بالتمام والكمال.

سيأتي الزعيم حتما. (يخرج من جيب سرواله ورقة). حضوره مكتوب هنا. هو الآن في مدينة.. ينظر للمرحلة القادمة. هي طبعا مرحلة حرجة من تاريخ بلادنا. مرحلة ثورات واسمحوا لي أن أنعتها بالكلبية لأنها ابنة كلب حقا تقع هنا وهناك. قال لنا الزعيم: لا بد أن نقول كلمتنا بإزاء ما يحدث. أنا فهمت من كلامه أنها من صنع أياد خارجية. اسمحوا لي أن أكشف عما فهمت من كلامه. لم أقل إن ما فهمت هو من لبنات أفكاره. قلت ما معناه يبدو لي أنه سيتحدث عن المرحلة القادمة التي يريد لها أعداؤنا أن تتجه عكس الريح. هل استطعت أن أوصل إليكم الفكرة؟ أعني المرحلة القادمة.. أوه، يبدو أن الشرح في كثير من الأحيان يتحول إلى غموض. فلنوضح أكثر: هو يعني أننا مقبلون على مرحلة حرجة..على أزمة تطال الأخضر واليابس. الفكرة واضحة الآن. أليس كذلك؟ إن لم تكن كذلك يمكن لي أن أوضحها أكثر.. ولكن دعونا من هذا الإشكال.

يعيش الزعيم. يعيش الزعيم. يعيش الزعيم.


لوحة: بهرام حاجو

سيأتي حتما ليشرح لنا السياسة العالمية التي ترغب في تقسيم الكعكة. الدول الكبرى التي تثير الحروب بين الإخوة وتفشل أيّ مشروع للنهوض بهذه الأمة الغريبة في عالم غريب. أنا في الواقع لا أمتلك فهما عميقا للمسألة، وإن كنت أحشر نفسي في ما لا يعنيني فأرجو أن تتفهموا كوني أنطلق من غيرة عميقة على ما يحدث لنا من نكبات. من يقوم بالحرب؟ إنهم الجنود، أليس كذلك؟ أنا جندي. ها ها ها. صحيح أنني لا أجيد إطلاق الرصاص، ولكنني جندي في معركة فكرية، في حزبنا. الفكرة واضحة.

أنا في الواقع نذرت روحي للحزب. حتى إنني لم أعد أفكر في الحب. لم أعد أشغل بالي به. أقول دائما إن الحب والسياسة لا يجتمعان. أن تحب لتقترن بامرأة فقد آن الأوان للابتعاد عن السياسة. وأن تكون سياسيا فقد آن الأوان للابتعاد عن الحب. أستطيع القول دون خجل إن كل الصلات التي جمعت بين الاثنين انتهت إلى الإفلاس. لا أرغب في الزواج. يعيش الزعيم. يعيش الزعيم. يعيش الزعيم. نذرت حبي للحزب. لا يسرني أن أرى حزبنا يتكبد الخسارات. صحيح أنه انقسم نصفين. الكلاب. أعداء الطبقة العاملة. الأوغاد. اسمحوا لي إن كنت أتجرأ على النطق بكلمات نابية. سمعنا كلاما يدور في الخفاء عن كون حزبنا سيشق نصفين. قلنا هذا كلام أعدائنا الطبقيين. لم ندر أننا كنا سذجا بالنسخة القديمة. أن يطعن صديقك أو رفيقك ظهرك فهذا يؤلم النفس أمدا طويلا. يعيش الزعيم. نتلقى الضربات والطعنات، ولكننا صامدون في وجه العواصف والرياح والأمطار والنكبات. فليعلم أعداؤنا أننا لن نيأس، ولن نركع. يعيش الزعيم . يعيش الزعيم. ألف مرة. مليون مرة. الأعداء. الكلاب. الأوغاد. أنا أكاد أختنق عندما أتذكر الخيانات. أسأل نفسي دوما: لم لا يكون الساسة رجالا نبلاء كالأطفال؟

(يمسح العرق عن جبينه).

مؤلم ألا تتزوج حبيبتك التي صادقتها أربع سنوات.

يكون الفراق مؤلما كالطعن في الظهر. ولكنه شر لا بد منه. لا يجتمع الحب والسياسة أبدا. اذكروا أنها فكرتي أنا. لم أسرقها من كتاب أو رجل فكر. هي من بنات أفكاري كما يقال.

نذرت روحي فداء للحزب الصامد في وجه العواصف والرياح. يعيش الزعيم. يعيش الزعيم.

لا أنكر أنني أحيانا أكفر بالسياسة وألعنها قائلا: يا ابنة الكلب، مخربة البشرية. أنتم تعرفون أن المرء عندما يكون وحيدا في المقهى يحتاج إلى جليس لتمضية الوقت. وفي البيت كذلك. ينام المرء وحيدا، وبدل أن يضع يده على يد بضّة تشع جمالا يضعها على وسادة لا تملك أيّ أحاسيس إنسانية. يكون الوضع مؤلما أيها السادة والسيدات. أنتن ولا شك تضحكن على غبائي. لا زلت يافعا والوقت لم يمر بعد لكي ألتفت إلى نفسي. ولكن ما باليد حيلة. أقول لكم أنا نذرت حياتي للحزب. أريد أن أبعث الأمل في المجتمع. صحيح أن الأمر يحتاج إلى قرون ولكن لا بد للمرء أن يخطو خطوة إلى الأمام، على ألا يخطو أي خطوة. قد أغير رأيي في يوم ما، ولكن بعد أن أرى بلدي ينعم بالحرية التي تجعل منا آدميين. لست راضيا عن هذا الوضع الذي ينذر بالكوارث. عندما يصير الوضع أفضل قد أغير رأيي. الفكرة واضحة، أيها السادة والسيدات. هل أوضح أكثر؟ ربما يكون السكوت أحسن.

(يشرب الماء).

لا ننكر أن الزعماء كلهم الذين نذروا حيواتهم لأجل الإنسان.. لأجل الكرامة والحرية ولدوا في ضواحي المدن. صحيح أن بعضهم ولد قسرا في المدن ولكنهم عاشوا ردحا من الزمن في الضواحي. السينمائيون ورجال الفن والمسرح والغناء كلهم نزحوا من القرى أو من الهوامش. ربما هذا يحتاج إلى وقفة تأمل كتلك التي نقوم بها بإزاء تماثيل أو نصب تذكارية تمثل ربابنة فتحوا آفاقا جديدة في أعالي البحار أو في أراض بعيدة أو في التصدي للأسياد. يحتاج الأمر فعلا إلى وقفة تأمل عميقة، إلى دراسة يقرؤها اللاحقون. يأتي رجال فقراء من الضواحي ليسكنوا المدن، وعندما يشتد عودهم يبدأون في التفكير والتنظير. لا بأس أن يدخلوا السجون. ألم تُبنى لأجل الرجال؟ قد يتساءل أحدكم: ولكننا لا نرى ساسة في السجون؟ أنا أوافقكم الرأي. لا أحد من الساسة يدخل السجون. في الواقع أنا لم أنتبه إلى هذه الفكرة من قبل. لم يعد الساسة يدخلون السجون. ومع هذا أنا أصيح بفخر: يعيش الزعيم. يعيش الزعيم.

(يشرب الماء).

أتذكر الآن كلمة قالها أحد العمال وهو يضرب في الأرض الضربة الأولى لحفر أخدود: إن هذه الضربة لا يمكن لها أن تكون قوية إلا بالضربة الثانية والثالثة فالرابعة ثم الخامسة. كان عاملا مناضلا في الأممية العالمية. قدم الشيء الكثير للعمال والطبقة الكادحة في دول العالم الثالث بخاصة. قد أكون مجحفا لو قلت إنه كان ملحدا على غرار الدرجة السياسية التي طبعت أواخر القرن التاسع عشر، ولكنه كان صادقا. على الأقل هذا يشفع له خطأه. ولكن لم نشغل بالنا بتلك الأشياء الخاصة؟ فليكن ملحدا أو كافرا أو زنديقا أو كلبيا.. الأهم ألا يكون منافقا وخائنا يخون الثورات. يبكي في الاجتماعات السرية تأثرا بما وقع للعمال في معمل النسيج وقد تعرضوا للضرب المبرح، ولكنه يجتمع بالكبار ليلا. يعد هذا العمل المخزي إسهاما منه في المجهود الوطني للحفاظ على الأمن العام. هذه الطينة تريد القضاء على الثورة وهي شرارة. تظن أنها تقدم خدمات وطنية للوطن. نحن العمال، أبناء الثورات المجهضة الذين يحمون الوطن.

يعيش الزعيم. يعيش الزعيم.

هل نحافظ على الأمن العام بحشر الناس في سجون لمجرد أنهم قالوا: لا؟ ولم خلقت هذه اللاّ؟ الجواب بسيط للغاية. لأن نعم خلقت ساعة خلقت لا. لا لم تعد تقال إلا إذا أريد لها أن تقال. لا تقال عفوا في أي وقت، وفي أيّ مكان. لا كائن غير شرعي أيها السادة والسيدات. لا بد أن يوضع في ملجأ للأيتام. لا لم تعد تناسب الوضع.

(يمسح العرق عن جبينه).

ليس سهلا أيها السادة والسيدات أن يتحدث المناضل عن سنوات العمل الجاد، عن القراءة المتأنية للإرث السياسي العالمي، وسير الزعماء الأتقياء، والأدبيات التي تسجل الأعمال الخالدة. ليس سهلا أن يعود إلى المجد والحياة المظلمة، والسير في الأحراش فرارا من الأوغاد، والسباحة ليلا في مياه عكرة، وطرق أبواب تَسوُّلاً للأكل بما يسد به المناضل رمقه حتى يكتسب قوة جديدة تؤهله لخوض غمار رحلات إلى المجهول.

(يمسح عرق جبينه بإصبعه).

لم نستسلم وهتفنا جماعة: يعيش الزعيم. يعيش الزعيم. يعيش الزعيم. ثلاث مرات.

يكون التذكر سُمًّا يتجرعه المناضل وهو في العراء.

يرغب في أن يسلم نفسه ثم يتراجع، لأنه قرأ في كتاب النضال المقدس ما يلي: التراجع معناه الاندحار. يفضل المناضل الانتحار على التراجع. لو كان اندحارا فهو إهانة، ولو كان انتحارا فهو عار. نتربى على نكران الذات. لا نهتم ببناء المستقبل بالزواج والأولاد والمال. مستقبلنا هو البشرية كما يقول الزعيم. هو السعادة العمالية.

هو السعادة الأفلاطونية.

هو أن تترك حذاءك في الشارع فلا يقربه أحد، لأن لا أحد يشكو الحاجة أو العوز.

هو أن تدعو شرطيا إلى طاولة في مقهى أو مطعم ليشاركك الطعام. تتبادلان الدعابات السياسية والاجتماعية دون حرج أو خوف. لن يخاف من أن تشي به، ولن تخاف من أن يشي بك.

هو أن تقول لا أو نعم بالطريقة التي ترى أنها صائبة.

هو أن تحدّث من بالخارج كما تحدث نفسك.

هو ألا تخاف على نفسك.

(يمسح العرق عن جبينه بإصبعه).

لا أحد يختار قدره كما يقول الزعيم.

ربما هو اقتبسه من مكان آخر، ولكنه يفي بالغرض.

وأنا أستطيع القول دون خجل:

إن قدري أحمق الخطى ولكنه يصيب الهدف.

أظن أنني اقتبست الكلمة من شخص آخر، فاعذروني إن أخطأت.

لا علينا.

(يصدح غناء وتطبيل جماعي في الخارج).

لن يكون إلا احتفالا بمقدم الزعيم.

(يذرع المكان طولا وعرضا).

يعيش الزعيم. يعيش الزعيم. يعيش الزعيم.

(يتجه إلى المدخل).

تفضلوا سيدي الزعيم.

إلى الأمام كما عهدناك دوما. إلى الأمام زعيمنا الأوحد.

ادخل سيدي الزعيم . حضورك يبارك مجلسنا الموقر. يضفي عليه سمات الثورة المنشودة. فلتسقط الدكتاتورية.

(لا أحد يدخل، ويخفت الغناء والتطبيل).

هل أخطأت التصويب. ألم يكن احتفالا بمقدم زعيمنا؟ ربما هو احتفال بزفاف في منزل مجاور لمقر حزبنا. أنتم تعرفون أن اختيارنا هذا المقر تم بتقرير كتبته بقلمي. قلت فيه ما معناه: إن كانت أدبياتنا تلحّ على ضرورة الاختلاط بعامة الشعب، فليكن مَقرُّنا اسما على مسمى. وهكذا اخترنا هذه الشقة في هذا الشارع العام ليكون عبرة لمن لا يعتبر. أنتم ولا شك قد سمعتم من الأحزاب الأخرى أننا حزب بورجوازي. يقولون: حزب بورجوازي. يا لسخافة هذه الأحزاب الشبيهة بالصخور. لا ننكر أن من مناضلينا بورجوازيون ولكنهم منفتحون على الطبقة الكادحة. منا المحامون الذين يدافعون عنا ساعة الضيق، ومنَّا الأطباء الذين يرتقون الجروح ساعة المواجهة، ومنا الشعب الذي نحتمي به إذا تعرضنا للطعن من خلف أو من أمام.

الحزب الذي أنتمي إليه يدافع عن حقوق الفقراء. أنا دخلت بيته لأن ابن خالتي عضو فيه برتبة لا بأس بها. قال لي: يا ابن خالتي، بما أنني ذكي فقد حشرت نفسي في هذا الحزب. أنا ابن فقير ورئيس حزبنا لا يزال يصارع القوى العاتية التي تريد إيذاء مجتمعنا. صحيح أنه يسكن الآن منزلا مبنيا بالإسمنت والآجر ولكنه قطن من قبل حيًّا شعبيا تشرَّب فيه الأزمات الاجتماعية. في مقر حزبنا صورة لرجل بلباس عامل مصنع يمسك منجلا باليد اليمنى ومطرقة باليد اليسرى. أحببت المنجل لأن أبي يمتلك واحدا منه، وهو يلازمه أيام الصيف، لأنه يحصد به حقول الأغنياء. هم لا يشبهون في الواقع أغنياء الطبقة الأرستقراطية الذين زرعوا الرعب في أوربا. أنا أحبهم لأنهم طيبون ولا يماطلون أبي عندما يطالبهم بأجرته. صادقت أبناءهم. لم يكونوا أغوالا يخيفوننا. كانوا طيبين كأغصان شجر التوت. يقول أبي إنهم يشكون العمال قلة اليد وبخل الحكومة التي تثقل كاهلهم بالضرائب ولا تشفق عليهم. لا علينا، رئيس حزبنا حدثنا عن الأحزاب الأخرى التي تسعى إلى الاستئثار بالحكم في الانتخابات القادمة. حثنا على ضرورة التصدي للحكم الجائر. أشفقت عليه لأنه أرغى وأزبد وتطاير نثار لعابه فأصاب ذوي الرتب الأولى في الحزب. كانوا يكتفون بمداراة الخجل بوضع الأيدي على الأفواه. فهمت في ما بعد أنه علينا أن نحذر لعاب الآخرين. في النهاية رَبَّت الرئيس أكتافنا واحدا واحدا، وقد نمنا ليلتها حالمين بحدائق غناء تحلق في سمائها الطيور المغردة. أنا أحب حزبي وأحب رئيسي وأحب الانتخابات. ابن خالتي قال لي إنه فخور بي أيما افتخار، لأنني رمز التضحية، أضحّي بوقتي وعملي الذي طردت منه شر طردة. قال كذلك إنه سينكب على وضع برنامج لحشر أفراد العائلة كلهم في الحزب. بدا لي معتوها. كيف لخالتي ولزوجها مثلا أن يقطعا عشرات الكيلومترات لحضور اجتماعاتنا. قلت له: يا ابن خالتي، أنا أخالفك الرأي فهما لن يفقها شيئا مما يدور في هذه الحجرة الضيقة . سرت في خديه حمرة الخجل البدوي . قال: لا تعارض أفكاري، إن تماديت في مخالفتي جعلتك من أعداء الحزب. لا يمكن لهذا البلد أن يتقدم إلى الأمام إذا لم نضحّي بالدم والحياة. يا ابن خالتي: أنت لا تخدم القضية الحزبية بهذا العمل، لأنك تسيء إليها بحشر أبويك في ما لا يعنيهما وهما لا يعرفان القراءة والكتابة. أعرف ما يدور في رأس ابن خالتي. يريد أن يربح حزبنا الرهان؛ رهان التقدم والديموقراطية. آلمني حقا أننا لا نصنع الشاي في مقر حزبنا. أقول هذا الكلام لأنني مدخن شره. أحب الأفكار والتدخين والتفكير في البلد الذي يسير نحو الهاوية اللعينة. لا بأس من أن يحشروا الناس كلهم في حزبنا إذا عثروا على مكان يسعهم.

صاحب الحجرة الضيقة يطالبنا باسترجاع ملكه.

يقول رئيسنا: هذا من فعل فاعل معروف. يريد النيل من صبرنا، ولكننا عازمون على المضي قدما نحو الأمام. لن نركع. لن نركع.

أنتم تعرفون ما يقوم به الأوغاد الكبار. الملاك والأرستقراطيون الجدد. الحثالة التي أنتجتها الأمراض الاجتماعية. يبنون معامل وعمارات لاستعباد الطبقات. لا يعرفون أن الثورات جاءت بها البورجوازية التي امتلكت ثقافة فلسفية وأدبية. كانت تنهب صفحات الروايات والقصص نهبا. كانت الشخصيات وهي كما يقال من ورق تناضل لأجل غد مشرق. وهؤلاء، ماذا يملكون؟ في رؤوسهم بِرَك آسنة. ماء كدر فإذا جف نطت منه الضفادع المقززة.

(يشرب الماء).

عندما تتحدث عن الحثالة الاجتماعية لا بد أن تهرق في بطنك خمسة لترات ماء. تشعر بالعطش رغم أنك شربت قبل لحظات لترا. الحثالة التي تنط الآن هنا وهناك سعيدة بإنجازاتها، وكأنها حققت السعادة للبشرية. تتحدث عن الديموقراطية والحرية فتصاب بالدوار والغبن. هل يجوز لأرستقراطي متنطع أن يتفوه بهذه الحماقات دون أن تفكر في حمل مدية وبقر بطنه؟ كان ابن خالتي مناضلا متهورا. كان يحمل في سترته دوما مدية يهدد بها أعداء حزبنا. جرح يوما مناضلا في حزب منافس فأوقف عن العمل. تحلقنا حوله على سبيل إضفاء القداسة على منظمتنا العتيدة الصامدة في وجه العواصف والرياح، وأمطرناه بالشتائم والسباب من قبيل:

نحن لا نحمل مديات ولا سواطير.

كلماتنا المقدسة هي من تجرح لحم الأعداء اليوم أو غدا.

سيكتب عنا الأوغاد أننا حزب يتبنى العنف للوصول إلى الحكم.

وقد يتجرأ بعضنا على البصق في وجهه.

صحيح أن خسارة مناضل على الطريقة الكلبية يعد اندحارا تاريخيا، ولكن لكل مرحلة رجالاتها.

لابن خالتي أدين بهذه المكانة التي أشغلها اليوم، وإن حز في قلبي أنه فهم المرحلة بالمقلوب. لا علينا. في النهاية كلنا عمال. في البلدية أو في المحافظة أو في الشارع نكنس القمامة، أو في الشركات. نعمل بجد لأجل أن نعيش في سلام. ابن خالتي اليوم يجمع المتلاشيات من الشوارع والأزقة. لا أدري كيف يمكن لي أن أشرح لكم أن وضعه المالي تحسن كثيرا. اقترن بامرأة وأنجب ولدين. تخلى عن هذه الهرطقة السياسية ولم يعد يهتم بمن صعد أو نزل من السلم. أنا لم أتزوج بعد. قال لي رفيق دربي ساخرا: أنت تأكل أبناءك. لم يشرح لي هذا الوغد كيف أنني آكل أبنائي. أنت لكي تلد ينبغي لك أن تقترن بامرأة. أنا آكل أبنائي. أيها الوغد. ابن الكلب الذي يبيع صوته بعشرة دراهم. (يضرب جبهته بقبضة يده). أوه، لا يجوز أن أشتم رفيق دربي. (وكأنه يوجه كلامه إلى أعضاء): أيها الرفاق. أنا أعتذر لرفيقي في الدرب. إن هي إلا زلة لسان. لا علينا. قلت لكم إن ابن خالتي يفكر في أن يشتري مَرأَبا ليبيع فيه المتلاشيات. ابن الكلب. يريد أن يحرق طبقته ليتسلم مشعلا من طبقة أخرى. قلت له: يا ابن خالتي. (في وضع المتوسل الباكي). لم تفعل هذا؟ أنت كنت عاملا من الدرجة العاشرة. كنت سياسيا بالفطرة. وكأنك رضعت الأفكار الكبيرة من لبؤة متوحشة. كنت تستطيع أن تفحم حتى المثقف العضوي الذي نفاخر به الآخرين. كنت تقول كلمة فنفغر أفواهنا مستغربين. من أين تأتي بهذه الأفكار أيها الوغد؟ صحيح أن رأسك صغير في حجم بطيخة، ولكن أفكارك كبيرة في حجم جبال الهملايا. كنت سعيدا معنا. كنت تقتات من السعادة معنا. ها أنت صرت تملك مرأبا واسعا. صرت بورجوازيا من تلك الحثالة التي تمتص الدماء كالناموس البري، فهل تظن أنك ستشعر بالسعادة التي نشعر بها نحن؟ أستطيع أن أرد عليك بقولي: كلا. عد إلينا أيها الوغد.


لوحة: بهرام حاجو

(يشرب قليلا من الماء. ويمسح جبينه بإصبعه).

أريد أن أقول لك ابن خالتي الرفيق القديم الذي بنى صرحنا بالمدية والساطور. كيف أشرح لك ما أفكر فيه بدقة. أريد أن اقول لك.. بعبارة أخرى.. أوه.. إن الكلمات حبيسة أدراجها لا تريد الخروج.. ها هي أخيرا.. واسمح لي إن أنا لم أراع مقدار المعاناة التي قاسيتها حتى صرت من حثالة البورجوازية التي تمتص الدماء كما لو كانت ناموسا بريا متوحشا.. ها هي أخيرا.. نطلب منك نحن أعضاء الحزب، رفاقك القدامى الذين نذروا حيواتهم للحزب المقدس.. للنضال ضد الإمبريالية والاستعمار والتجارة الحرة ، والعولمة.. أن تضع مرأبك رهن إشارتنا في الساعة والحين.

(في وضع المتوسل الباكي).

هل يطيب لك رفيقَنَا القديم الذي صار عضوا في حثالة البورجوازية المتعفنة أن ترى رفاقك القدامى يُطردون من هذه الشقة الوضيعة، لأننا لم نعد بالكثرة التي باستطاعتها أن تضمن ثمن الكراء نهاية كل شهر.

تذكر أنك كنت تمسك بالمدية وتجرح سواعد أعدائنا.

تذكر أنك كنت تمنحنا ما تملك من مال حصلت عليه بعرق الجبين. نضعه نحن في صندوق لا يفتح إلا بأوامر القيادة العليا.

صحيح أن المال سرق بفعل فاعل، ولكن هل تظن أن السارق مناضل حقيقي يستطيع مجابهة الرياح والعواصف العاتية؟ أقول لك: كلا.

هل تود لو ترى أوراقنا وأفكارنا وكتبنا التي علمتنا الثورة على حب الذات ترمى إلى الشارع على مرأى من الأعداء؟

كلا. كلا. كلا. ثلاث مرات.

(يُسمع غناء وتطبيل قوي. فيلتفت هو فجأة إلى المدخل ويصرخ عاليا).

يعيش الزعيم .يعيش الزعيم. يعيش الزعيم.

قلت لكم إن الزعيم لا ينسى رفاق دربه الطويل.

قلت لكم أيها السادة والسيادات إنه سيأتي. سيبشرنا بالقرارات التي اتخذت في القيادة العليا. ستكون قرارات تحدد مصيرنا بإزاء ما يحدث لنا من ويلات ونكبات.

(وكأنه يحدث الزعيم. الغناء والتطبيل يتواصل ولكن بخفوت حتى لا يغمر صوت الممثل).

أهلا وسهلا أيها الزعيم.

أهلا بكم وبرفاقنا الأعزاء. لا. هذا غير مناسب. الكرام. لا. هذه كلمة تقال عادة للمحافظين. برفاقنا الأوفياء. هذه كلمة مناسبة جدا.

أهلا بزعيمنا الأوحد.

أهلا بكم وبرفاقنا الأوفياء.

تشرفتم. نلت من الأعداء الإيديولوجيين. من الحثالة. (يخاطب نفسه). ربما هذا الكلام لا يناسب هذا المقام. أعتذر لكم أيها الرفاق. لا شك أنهم يعضون على النواجذ. بل إنهم يعضون على الأصابع. وربما سيأكلون لحمهم.

أهلا بكم أيها الزعيم.

يعيش الزعيم. يعيش الزعيم. يعيش الزعيم. ثلاث مرات.

(الغناء والتطبيل يقوى).

أهلا بكم جميعا.

تفضلوا. أدخلوا آمنين مطمئنين.

(يخفت الغناء شيئا فشيئا، وكأنه يأتي من بعيد، ثم يسود صمت رهيب مخز).

ت.. ف.. ض.. لوا..

( يوجه خطابه إلى الجمهور الذي يبدو عليه الذهول لوقع الكلمات، وهو حتما سينفجر ضحكا. أنا متيقن من هذا).

تفضلوا أيها السادة والسيدات.

لم يكن إلا غناء زفاف، أو احتفالا بنجاح تلميذ.

سامحوني إن أخطأت التصويب. فليس كل الضربات تجدي نفعا كما يقال.

أيها السادة والسيدات.

كيف أستطيع أن أشرح لكم ما يحدث؟ إن هي إلا مؤامرة صهيونية أميركية. أنتم تعرفون أن الأيمركان مخربون. انتهازيون. جبناء. أولاد أوغاد. لا يرون أي فائدة في أن ينجز حزب انتصارات في بلده. يريدون أن يرونا متأمركين. سلبيين بلا روح. بلا أحلام. تبا لكم أعداء الوطن.

(إظلام).

(بعد لحظات نرى الديكور عينه، ولكن الممثل الذي رأيناه شابا يافعا، نعاينه الآن شيخا أبيض شعر رأسه، يمسك بعصا، منحني الظهر قليلا. نعاين شيخا يتكبد هزائم أوقعتها به الأمراض).

(الغناء والتطبيل يقوى في الخارج. الممثل يمشي بتؤدة ويضرب بين الفينة والأخرى الأرض بالعصا. دغ. دغ. دغ. ثلاث مرات).

صحيح أن الأعداء اليوم يقولون أشياء من قبيل إن الزعيم مريض أو هو مشرف على الموت، ومن يخلفه؟ وأن الحزب يتعرض للتمزق العاطفي بين إخوة الأمس. هذا كلام جرائد يكون الغرض منه نشر الكراهية بين العمال والقادة. يقولون كذلك إنه يفكر في أن يخلفه ابنه. كلام جرائد غير مأمون الجانب. مدسوس. صحيح أنه عمر طويلا في حزبنا، وقيل كلام يندى له الجبين عرقا من قبيل: أين هي الديمقراطية إن كنتم تطمحون إلى نشرها بين أفراد الشعب ؟. هم لا يدرون أن المرحلة كانت حرجة في تاريخ السياسة. مؤامرات وانقلابات ومعارك وتصفيات جسدية ونفسية. كانت المرحلة باختصار مرحلة تأسيس مبادئ. لم تفهموا قصدي. ربما لأنني لم أستطع أن أوصل الفكرة بوضوح. هذا يرجع إلى عامل السن، والكبر، والمرض. أعتذر لكم إن حصل سوء فهم أو توضيح..

(يمكن التدليل على هذا بأن يعمد بين فترة وأخرى في أثناء الكلام إلى أن يشد على خصره أو قلبه أو كبده ليبث أنينا أو شعورا بنوبة طارئة، وتكون هذه الأمور مغلفة بنكهة السخرية والدعابة) .

آه، أشعر بنوبة حادة في قلبي، ولكن لا بأس من أن يتعلق المرء بالحياة إلى آخر نفس. المسألة ترتبط بمقدرته على تحمل الأعباء كما تحمَّلها الزعيم والأعضاء، والرفاق الأحياء والأموات. السياسة لم تكن في يوم ما طريقا معبدا مضاء بأعمدة كهرباء ساطعة. السياسة.. واسمحوا لي أن أتفوه بالكلمات التالية: كانت طريقا متربا عبدناه بعرق الجبين. كانت ركام قمامة يتوسط الطريق. كانت رأسا صلعاء.

(يضحك).

الشَّعَر هم نحن.

نبت الشعر بعد صبر طويل.

ولا بد أن تتخلله شعيرات بيض تبدو مشاكسة. تحدث انتكاسات وانقلابات، ومؤامرات عشوائية تسعى إلى بث الفرقة بين الرفاق. كانت مرحلة تنظيف البيت من الوسخ. صحيح أن المرحلة كانت في حاجة إلى تصفية الإرث القديم. ولكنها أثمرت عصرا جديدا من الأفكار.

آه، بكبدي وجع لا يطاق. (يشد على منطقة الكبد).

الأوجاع كثيرة، وإذا أضفنا إليها أوجاع العواطف الجياشة التي حرمنا منها نكون قد حققنا سبقا في أن نظل دوما الإنسان الذي يريد التحقق من أنه كان على صواب. لم يكن يرى إلا الجانب المضيء في الطريق.

كانت مرحلة حرجة أيها السادة والسيدات. واسمحوا لي إن استعملت الكلمات التالية: لم ينل مني الحب مناله، لأنني نذرت حياتي للشعب.

أنتم أنجبتم أبناء.

أنا أنجبت أفكارا.

أنتم انشغلتم بالحياة، تفرون إلى السينما أو المطاعم أو الحدائق ساعة الشعور بالضيق.

أنا كنت أبني عالما تكونون فيه أنتم سادة العالم.

كنت أنزع وسخ الحب عن قلبي.

كنت أقول: لن نكون أهلا للحب حتى نتمكن أولا من أن نكون إنسانا يقدر معنى الحب.

كان الزعيم يقول (الحب مخيب للآمال عندما يقترن بالسياسة. نتزوج النساء لنمتص رحيقهن أمدا طويلا، فننجب أولادا يصيرون عبيدا، مع أن الواقع يفرض علينا أن ننجب الأفكار التي تغير العالم).

آه، معدتي تحتاج إلى الدواء.

(يستل علبة دواء من سترته ويتناول حبة مع الماء).

ربما كنا مخطئين، ولكن المرحلة كانت حرجة. كانت تتطلب تضحيات عظيمة.

لم تكن مرحلة التغني بأناشيد الحب والنساء.

كانت مرحلة خريف جمعنا فيها الأوراق المتساقطة من الأشجار.

كان يعاب على المرء أنه لا يكترث لموقعه في هذا الواقع .

كان عليه أن يفعل شيئا لأجله.

واسمحوا لي أن أقتطف كلاما للزعيم (المرحلة اقتضت أن نجابه رومانسية الحياة بواقعية التخلي عن اللذة. أن ندع الحب جانبا حتى نبني دورنا بعرق الجبين، وبعدها يحق لنا أن نُسَوِّد الأمة).

يبدو هذا الكلام مضحكا. كانت المرحلة مسرحية مضحكة مثّلنا فيها أدوارا صبيانية.

لا تبنى المجتمعات إلا بالإنصات إلى رنين القلب.

ربما كنا على صواب، وربما كنا على خطأ.

ما يهمنا الآن هو أن نضحك قليلا على أوهام عِشْنا فيها ردحا من الزمن.

صحيح أن المرحلة كانت حرجة، كانت مصابة بالجرب، وقد وجب علينا أن نقتلعه بأظافرنا، إنما.. واسمحوا لي أن أصرح قائلا: بعد أن اقتلعنا الجرب ونظفنا البيت من الحشرات.. افهموا قصدي أيها السادة، أمَا كان يحق لنا أن نثمل لحظات حتى نرى الوجه المقلوب للحياة؟ افهموا قصدي أيها السادة.

كانت مرحلة مسلية جدا.

يقولون: ولم أنجب الزعيم أبناء؟

نقول لأعدائنا: هو خلاصنا الذي فدانا بزواجه.

صحيح أننا اليوم عالة على الآخرين، ولكن المرحلة..

افهموا قصدي أيها السادة..

يكون عليّ دوما أن أجد مبررات للفشل الذي أصبنا به جميعا.

ولا بأس إن أنا علقت هذا الهم بمشجب المرحلة..

كانت مرحلة.. (يضحك)

تبا لها ولنا ولكم جميعا.

افهموا قصدي..

المرحلة..

أوه، يا لهذه الأفكار الصبيانية التي تسلّينا بها في ما مضى من الزمان..

افهموا قصدي أيها السيدات..

لم نترككن لأنكن لم تكنّ جميلات..

كانت المرحلة حرجة.. كنا ننشد أناشيد الخريف أيها السادة.

(يتوارى عن الأنظار والضحك يتعالى في الفضاء، ثم يسود صمت مريب. التصفيق في هذه الحال ضرورة لا بد منها فقد جرت العادة أن تنتهي المسرحيات بهذه اللازمة دوما).

المحمدية: من ماي إلى سبتمبر 2014.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.