تعرية‭ ‬النخب

ما‭ ‬المثقف؟‭ ‬كيف‭ ‬نُعرّفه؟‭ ‬ما‭ ‬يفرّقه‭ ‬عن‭ ‬المتعلم؟‭ ‬وهل‭ ‬حقًّا‭ ‬كل‭ ‬حامل‭ ‬شهادة‭ ‬أو‭ ‬مَن‭ ‬يمارس‭ ‬الكتابة‭ ‬والفنون‭ ‬هو‭ ‬مثقف؟‭ ‬كيف‭ ‬نفرّق‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬الكاتب‭ ‬والشاعر‭ ‬والمؤرخ‭ ‬والباحث‭ ‬والناقد‭ ‬والصحفي‭ ‬والفنان؟‭ ‬ومتى‭ ‬يستحق‭ ‬هؤلاء‭ ‬هذه‭ ‬التسمية؟‭ ‬ولماذا؟‭ ‬هذه‭ ‬أسئلة‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬راودتني،‭ ‬في‭ ‬البدء‭ ‬ظننت‭ ‬أن‭ ‬القراءة‭ ‬الموسوعية‭ ‬خير‭ ‬طريق‭ ‬لتكون‭ ‬مثقفًا،‭ ‬اتّجهتُ‭ ‬ألتهم‭ ‬الكتب،‭ ‬ولكن‭ ‬الزمن‭ ‬كان‭ ‬كفيلاً‭ ‬بغربلة‭ ‬هذا‭ ‬الرأي،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الكتب‭ ‬نفسها،‭ ‬جعلتني‭ ‬أفهم‭ ‬الأمر‭ ‬بشكل‭ ‬آخر،‭ ‬ورحت‭ ‬أجتهد‭ ‬بوضع‭ ‬تعريفات،‭ ‬بعضها‭ ‬من‭ ‬وحي‭ ‬قراءاتها‭ ‬وتراكماتها،‭ ‬وغالبيتها‭ ‬اكتشفتُ‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬أنها‭ ‬قيلت‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬آخرين،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬التلاحق‭ ‬رَسَّخَ‭ ‬عندي‭ ‬آراء‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬المثقف‭.‬

الجديد  باسم فرات [نُشر في 01/03/2016، العدد: 14، ص(78)]

لوحة: فيصل لعيبي
المصطلحات ‭ ‬بطبيعتها‭ ‬مطاطية،‭ ‬قابلة‭ ‬للتأويل،‭ ‬كل‭ ‬بحسب‭ ‬وعيه‭ ‬ونوازعه‭ ‬يُعرّفها،‭ ‬وبعضها‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للانتهاك‭ ‬إن‭ ‬صحّ‭ ‬التعبير،‭ ‬لقلة‭ ‬الدراسات‭ ‬والبحوث‭ ‬العلمية‭ ‬القارّة‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي،‭ ‬ومصطلح‭ ‬المثقف،‭ ‬إحداها،‭ ‬ولهذا‭ ‬نجد‭ ‬تضاربًا‭ ‬في‭ ‬الآراء،‭ ‬من‭ ‬أقصى‭ ‬اليمين‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬اليسار،‭ ‬ولكن‭ ‬الغالبية‭ ‬أدرجوا‭ ‬الشعراء‭ ‬والأدباء‭ ‬وأصحاب‭ ‬الشهادات‭ ‬العليا،‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح،‭ ‬وأن‭ ‬ثقافة‭ ‬تأسست‭ ‬على‭ ‬الشعر،‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭ ‬إخراج‭ ‬الشعراء‭ ‬وطردهم‭ ‬من‭ ‬جمهورية‭ ‬المثقف،‭ ‬مثلما‭ ‬تجرأ‭ ‬أفلاطون‭ ‬وأخرجهم‭ ‬من‭ ‬جمهوريته‭.‬

إن‭ ‬ضمان‭ ‬الشاعر‭ ‬مكانته‭ ‬ومقعده‭ ‬في‭ ‬جمهورية‭ ‬المثقف،‭ ‬وعمق‭ ‬المخيال‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬أفرد‭ ‬للشاعر‭ ‬مساحة‭ ‬كبيرة،‭ ‬ثم‭ ‬توجّه‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬المهمّين‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬الرواية،‭ ‬أصاب‭ ‬غالبية‭ ‬الشعراء‭ ‬في‭ ‬مقتل،‭ ‬فهم‭ ‬استأنسوا‭ ‬الأمر‭ ‬بعدّهم‭ ‬من‭ ‬المثقفين،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يجهد‭ ‬غالبيتهم‭ ‬نفسه‭ ‬بالبحث‭ ‬والقراءة‭ ‬والمتابعة‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬الإبداع‭ ‬ونقده،‭ ‬ونظرياته‭ ‬في‭ ‬أحسن‭ ‬الحالات،‭ ‬وتواطأوا‭ ‬مع‭ ‬المخيال‭ ‬العربي،‭ ‬أعني‭ ‬أنهم‭ ‬يصرون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬ينافسهم‭ ‬في‭ ‬مكانتهم‭ ‬أحد،‭ ‬مما‭ ‬غَذّى‭ ‬الأنا‭ ‬لعدد‭ ‬كبير‭ ‬منهم‭.‬

لو‭ ‬تَأمّلنا‭ ‬الشعراء‭ ‬والأدباء‭ ‬العراقيين‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬اللجوء‭ ‬والهجرة،‭ ‬للاحظنا‭ ‬أمرين،‭ ‬عددهم‭ ‬الكبير‭ ‬والذي‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الآلاف،‭ ‬والأمر‭ ‬الثاني،‭ ‬وكأنهم‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬جادة‭ ‬تربطهم‭ ‬بالمجتمعات‭ ‬الجديدة،‭ ‬فهم‭ ‬لم‭ ‬ينقلوا‭ ‬إلى‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬الشعر‭ ‬ثانويّ،‭ ‬وأن‭ ‬قارئ‭ ‬الإبداع‭ ‬ليس‭ ‬مثقفًا،‭ ‬لأن‭ ‬المثقف‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬شروطه‭ ‬قراءة‭ ‬الفكر‭ ‬وحفريات‭ ‬المعرفة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬وأن‭ ‬غالبية‭ ‬الناس‭ ‬تقرأ‭ ‬الروايات،‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬أهو‭ ‬تواطؤ،‭ ‬أم‭ ‬خديعة‭ ‬أم‭ ‬مثلما‭ ‬ذكرت،‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬علاقة‭ ‬جادة‭ ‬مع‭ ‬المجتمعات‭ ‬الجديدة‭ ‬ومثقفيها؟

هل‭ ‬المثقف‭ ‬لديه‭ ‬موقعه‭ ‬المتقدم‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬المجتمع‭ ‬والتغيرات‭ ‬السياسية؟‭ ‬أم‭ ‬محض‭ ‬أوهام؟

قرأت‭ ‬مرة‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬محمد‭ ‬مهدي‭ ‬الجواهري،‭ ‬حينما‭ ‬كان‭ ‬يلقي‭ ‬شعره‭ ‬في‭ ‬التظاهرات،‭ ‬فيحمل‭ ‬على‭ ‬الأكتاف،‭ ‬لا‭ ‬يتجرأ‭ ‬الشرطيّ‭ ‬بضربه،‭ ‬لأنه‭ ‬شاعر،‭ ‬إنما‭ ‬يقوم‭ ‬بضرب‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬يحمله‭ ‬على‭ ‬كتفيه،‭ ‬وهذه‭ ‬المعلومة‭ ‬لو‭ ‬صَحّت،‭ ‬فهي‭ ‬ذات‭ ‬مغزى‭ ‬كبير،‭ ‬تُوَضّح‭ ‬مكانة‭ ‬الشاعر‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتصديه‭ ‬للعمل‭ ‬الثوريّ،‭ ‬ولا‭ ‬أقول‭ ‬السياسيّ،‭ ‬لأن‭ ‬الشاعر‭ ‬بل‭ ‬المثقف‭ ‬عمومًا‭ ‬مهموم‭ ‬بمجتمعه‭ ‬ووطنه،‭ ‬ومنظر‭ ‬المثقف‭ ‬العراقي‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬التظاهرات،‭ ‬كان‭ ‬مألوفًا،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬المثقف‭ ‬رائدًا‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬المجتمع،‭ ‬وبفضله‭ ‬خطا‭ ‬العراق‭ ‬خطوات‭ ‬كبيرة‭ ‬وواسعة‭ ‬في‭ ‬التمدّن‭ ‬والحداثة،‭ ‬ولا‭ ‬أظن‭ ‬العراق‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬البلدان‭ ‬العربية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬المتوسطية،‭ ‬مثل‭ ‬مصر‭ ‬ولبنان‭ ‬وسوريا‭ ‬وتونس‭ ‬والجزائر‭ ‬والمغرب‭.‬

لكن‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬عبر‭ ‬السنوات‭ ‬الخمس‭ ‬الأخيرة،‭ ‬أن‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬عصفت‭ ‬بمنطقتنا‭ ‬العربية،‭ ‬ليس‭ ‬للمثقف‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬فيها،‭ ‬إن‭ ‬توخّينا‭ ‬الدقة،‭ ‬هي‭ ‬صرخة‭ ‬الفقراء‭ ‬والمعدمين‭ ‬والضحايا،‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬وقودًا‭ ‬لحماقات‭ ‬أنظمة‭ ‬زعمت‭ ‬باطلاً‭ ‬أنها ثورية،‭ ‬وجاءت‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬رفاهية‭ ‬العمال‭ ‬والفلاحين‭ ‬والفقراء‭ ‬عمومًا،‭ ‬والحقيقة‭ ‬أنهم‭ ‬هم‭ ‬الفقراء‭ ‬جاؤوا‭ ‬ليجعلوا‭ ‬خزائن‭ ‬الدولة‭ ‬ملكًا‭ ‬شخصيًّا‭ ‬لهم‭ ‬ولأقاربهم،‭ ‬بعضهم‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬كانوا‭ ‬حفاة‭ ‬في‭ ‬طفولتهم،‭ ‬فأثروا‭ ‬ثراءً‭ ‬فاحشًا،‭ ‬وهم‭ ‬يتبخترون‭ ‬أمام‭ ‬جياع‭ ‬الشعب،‭ ‬أن‭ ‬“الثورة‭ ‬المجيدة”‭ ‬ألبستهم‭ ‬أحذية‭ ‬وملابس‭ ‬داخلية‭.‬

صرخة‭ ‬ابتدأت‭ ‬بضحية‭ ‬معدم‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬سلاحًا‭ ‬ليشهره‭ ‬على‭ ‬الحكومة،‭ ‬سوى‭ ‬إشعال‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬جسده،‭ ‬فحركت‭ ‬تلك‭ ‬النار‭ ‬شعوبًا‭ ‬تذوقت‭ ‬الذل‭ ‬والمرارات‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬“مجلس‭ ‬قيادة‭ ‬الثورة”‭ ‬و”اللجان‭ ‬الشعبية”‭ ‬و”قيادة‭ ‬الحزب‭ ‬الخالد”،‭ ‬نار‭ ‬أكلت‭ ‬الأخضر‭ ‬واليابس‭ ‬معها،‭ ‬لأن‭ ‬الخراب‭ ‬الذي‭ ‬تسبب‭ ‬به‭ ‬“العقداء‭ ‬الجهلة”‭ ‬ممن‭ ‬حملوا‭ ‬المتخلف‭ ‬من‭ ‬بيئاتهم‭ ‬الأولى،‭ ‬وغبار‭ ‬الثكنات،‭ ‬ليشوّهوا‭ ‬مَدَنية‭ ‬المنطقة،‭ ‬وخير‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬هذا‭ ‬التشوّه‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬ولا‭ ‬تحتاج‭ ‬لمعرفة‭ ‬هذا‭ ‬الأمر،‭ ‬إلاّ‭ ‬لوضع‭ ‬صورتين‭ ‬الأولى‭ ‬التقطت‭ ‬في‭ ‬أربعينات‭ ‬وخمسينات‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬ستينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وأخرى‭ ‬التقطت‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬التسعينات‭ ‬أو‭ ‬بداية‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القرن‭.‬

الشارع‭ ‬العربي،‭ ‬سبق‭ ‬المثقف‭ ‬العربي،‭ ‬مما‭ ‬حدا‭ ‬بالأخير‭ ‬إما‭ ‬أن‭ ‬يلهث‭ ‬خلفه،‭ ‬وبعضهم‭ ‬كان‭ ‬مصدومًا،‭ ‬ولكنه‭ ‬جعل‭ ‬الصدمة‭ ‬عاملاً‭ ‬محفزًا‭ ‬ليراجع‭ ‬نفسه‭ ‬ووعيه‭ ‬وتصوراته،‭ ‬فكان‭ ‬إيجابيًّا‭ ‬في‭ ‬الاعتراف‭ ‬بفضل‭ ‬الشارع‭ ‬العربي‭ ‬وسبقه،‭ ‬وبعضهم‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يركب‭ ‬الموجة،‭ ‬مثل‭ ‬كل‭ ‬انتهازيّ،‭ ‬وقسم‭ ‬كفر‭ ‬بالشارع،‭ ‬ووقف‭ ‬ضده‭ ‬وشكّك‭ ‬به،‭ ‬وراحت‭ ‬التنظيرات‭ ‬المغلفة‭ ‬برؤية‭ ‬فكرية،‭ ‬غير‭ ‬ناسين‭ ‬مقارنتها‭ ‬بالثورات‭ ‬الكبرى‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الفرنسية،‭ ‬لكنّ‭ ‬هؤلاء‭ ‬تناسوا‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬ظهور‭ ‬مفكرين‭ ‬ومنظرين‭ ‬تقود‭ ‬الثورة،‭ ‬يرجع‭ ‬لخلل‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬المعرفية‭ ‬والأنساق‭ ‬الثقافية‭ ‬لمجتمعنا‭.‬

الشارع‭ ‬انتفض‭ ‬بعفوية،‭ ‬هذه‭ ‬حقيقة،‭ ‬وخلفها‭ ‬ليست‭ ‬مؤامرات،‭ ‬إنما‭ ‬استبداد‭ ‬الأنظمة‭ ‬الجمهورية‭ ‬الثورية،‭ ‬حتى‭ ‬وصلت‭ ‬الحالة‭ ‬بأن‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يخسره‭ ‬المنتفضون‭ ‬سوى‭ ‬قيودهم،‭ ‬وأما‭ ‬المؤامرة،‭ ‬فحقيقة‭ ‬أخرى‭ ‬ولكنها‭ ‬جاءت‭ ‬تالية‭ ‬على‭ ‬عفوية‭ ‬الشارع،‭ ‬وسببها‭ ‬نوم‭ ‬المثقف‭ ‬في‭ ‬العسل،‭ ‬وطبيعة‭ ‬الأنظمة‭ ‬التي‭ ‬ربطت‭ ‬الأوطان‭ ‬والقومية‭ ‬بأشخاص،‭ ‬وهذا‭ ‬جعل‭ ‬طريق‭ ‬المؤامرة‭ ‬مُعبّدًا،‭ ‬وفارغًا،‭ ‬لتندفع‭ ‬القوى‭ ‬الأخرى‭ ‬وتشغله،‭ ‬قوى‭ ‬تريد‭ ‬تفتيت‭ ‬عالمنا‭ ‬العربيّ،‭ ‬وطبقة‭ ‬الانتهازيين‭ ‬تحت‭ ‬الطلب‭ ‬وعشّاق‭ ‬السلطة‭ ‬جاهزون‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تفتت‭ ‬الوطن‭ ‬وفرغت‭ ‬موارده‭ ‬تمامًا‭.‬

الشارع‭ ‬العربي،‭ ‬قام‭ ‬بتعرية‭ ‬النخب‭ ‬الثقافية،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬انتفض‭ ‬على‭ ‬النخب‭ ‬السياسية‭ ‬الحاكمة،‭ ‬واتضح‭ ‬أن‭ ‬كليهما‭ ‬بحاجة‭ ‬لثورة‭ ‬وإزاحة

لا‭ ‬شكّ‭ ‬أن‭ ‬انتفاضات‭ ‬الشارع‭ ‬العربي،‭ ‬قد‭ ‬هزّت‭ ‬أسئلة‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬وحركت‭ ‬الركود‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬النخب‭ ‬الثقافية،‭ ‬وما‭ ‬سيل‭ ‬المقالات‭ ‬التي‭ ‬انهمرت‭ ‬علينا،‭ ‬إلاّ‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬أثر‭ ‬الشارع‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬مثقفيه‭ ‬ونخبهم،‭ ‬لكن‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬عمومًا،‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬مراكز‭ ‬البحوث‭ ‬الرصينة،‭ ‬التي‭ ‬ترصد‭ ‬الأسباب‭ ‬وتقترح‭ ‬الإجابات‭ ‬على‭ ‬أسئلة‭ ‬كثيرة،‭ ‬بلا‭ ‬عواطف‭ ‬جياشة،‭ ‬مراكز‭ ‬لم‭ ‬تلتفت‭ ‬يومًا‭ ‬لتنوعنا‭ ‬اللغوي‭ ‬والقومي‭ ‬والإثني‭ ‬والديني‭ ‬والمذهبي‭ ‬والعقائدي‭ ‬عمومًا،‭ ‬فبقيت‭ ‬نخبها‭ ‬تتلقى‭ ‬تاريخنا‭ ‬وجغرافيتنا‭ ‬عبر‭ ‬مؤلفات‭ ‬المستشرقين‭ ‬والرحالة‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬إمكانياتهم‭ ‬التاريخية‭ ‬والجغرافية‭ ‬والإناسية‭ ‬(الأنثروبولوجية)‭ ‬متواضعة،‭ ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الكتب،‭ ‬تحوي‭ ‬مغالطات‭ ‬فادحة،‭ ‬وبعضها‭ ‬وكأنها‭ ‬كتبت‭ ‬لخلط‭ ‬الأوراق‭ ‬أو‭ ‬تقارير‭ ‬للسيطرة‭.‬

المحاولات‭ ‬بقيت‭ ‬فردية،‭ ‬تؤرق‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المثقفين،‭ ‬لا‭ ‬يشكلون‭ ‬ثقلاً‭ ‬كبيرًا،‭ ‬وبعض‭ ‬هؤلاء،‭ ‬مثلما‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬يصرّون‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬التظاهر‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬جمعة،‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير‭ ‬وسط‭ ‬بغداد،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الساحات‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى،‭ ‬مثلما‭ ‬عليه‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬ثورة‭ ‬العشرين‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬النجف،‭ ‬وهذه‭ ‬الساحة‭ ‬لها‭ ‬رمزيتها‭ ‬الكبيرة‭ ‬مثلما‭ ‬لساحة‭ ‬التحرير‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬رمزيتها‭. ‬مثقفون‭ ‬يُعبّرون‭ ‬عن‭ ‬موقف‭ ‬أخلاقيّ‭ ‬كبير،‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬يقومون‭ ‬به‭ ‬قد‭ ‬تمّ‭ ‬قبل‭ ‬ثورة‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬التي‭ ‬منحت‭ ‬فرصًا‭ ‬متساوية‭ ‬للجميع‭ ‬ليظهروا،‭ ‬فكان‭ ‬نصيب‭ ‬المثقفين‭ ‬درجة‭ ‬ثالثة‭ ‬ورابعة‭ ‬وعاشرة‭ ‬أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬النخب‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬منجزًا‭ ‬وهمًّا‭ ‬ثقافيًّا‭ ‬واضحًا‭ ‬ومهمًّا‭.‬

لستُ‭ ‬يائسًا،‭ ‬لكنني‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الوضع‭ ‬العربي‭ ‬عمومًا‭ ‬والعراقي‭ ‬خصوصًا،‭ ‬لا‭ ‬تنقذه‭ ‬التظاهرات‭ ‬الأسبوعية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬هوس‭ ‬يصاب‭ ‬به‭ ‬كل‭ ‬مثقف،‭ ‬وهذا‭ ‬الهوس‭ ‬يتمثل‭ ‬بقراءة‭ ‬إناسية‭ ‬–‭ ‬تاريخية‭ ‬–‭ ‬أخلاقية‭ ‬للمجتمع‭ ‬العربي‭ ‬وتنوعه‭ ‬اللغوي‭ ‬والعرقي‭ ‬والعقائدي،‭ ‬وترك‭ ‬الشعارات‭ ‬القديمة‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬أشرفها‭ ‬وهي‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الأقليات،‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الدفاع‮»‬‭ ‬أولاً‭: ‬كان‭ ‬سلبيًّا‭ ‬فلم‭ ‬تتم‭ ‬دراسة‭ ‬هذه‭ ‬المجموعات‭ ‬السكانية‭ ‬التي‭ ‬أثرت‭ ‬مجتمعنا‭ ‬العربي‭ ‬وثقافتنا،‭ ‬فبقينا‭ ‬نجهلها‭ ‬حتى‭ ‬برز‭ ‬منها‭ ‬متطرفون‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬طبيعي،‭ ‬وثانيًّا‭: ‬تحول‭ ‬نقد‭ ‬تطرفها‭ ‬بل‭ ‬الحديث‭ ‬عنها‭ ‬بعلمية‭ ‬تختلف‭ ‬عمّا‭ ‬هو‭ ‬سائد،‭ ‬يُعدّ‭ ‬من‭ ‬المحرمات،‭ ‬فالقول‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭: ‬إن‭ ‬أغلب‭ ‬اليهود‭ ‬والمسيحيين‭ ‬دخلوا‭ ‬العراق‭ ‬بعد‭ ‬بناء‭ ‬الكوفة‭ ‬والبصرة‭ ‬وواسط‭ ‬وبغداد،‭ ‬وإن‭ ‬بعضهم‭ ‬دخل‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬المسيحيين‭ ‬السريان،‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬إساءة‭ ‬تصدر‭ ‬من‭ ‬“قومجي”‭ ‬“إسلاموي”‭ ‬متطرف‭.‬

إن‭ ‬الشارع‭ ‬العربي‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬أسبق‭ ‬وأسرع‭ ‬من‭ ‬النخب‭ ‬الثقافية،‭ ‬في‭ ‬حراكه‭ ‬ومطالباته،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬مئات‭ ‬المثقفين‭ ‬شاركوا‭ ‬ويشاركون‭ ‬في‭ ‬الحراك‭ ‬العربي،‭ ‬فإن‭ ‬المؤسسات‭ ‬الثقافية‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬حضورها،‭ ‬ولم‭ ‬تنتج‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬بحوثًا‭ ‬تحفر‭ ‬في‭ ‬أسباب‭ ‬الحراك،‭ ‬وطرق‭ ‬الاستفادة‭ ‬منه‭ ‬لمصلحة‭ ‬المجتمع‭ ‬عمومًا،‭ ‬وكانت‭ ‬الإشاعات‭ ‬عن‭ ‬تخفيض‭ ‬رواتب‭ ‬أساتذة‭ ‬الجامعات،‭ ‬قد‭ ‬عَرّت‭ ‬المؤسسة‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬فشهدت‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬في‭ ‬تظاهراتها‭ ‬الأسبوعية،‭ ‬ولأول‭ ‬مرة‭ ‬حضورًا‭ ‬كثيفًا‭ ‬للأساتذة‭ ‬الجامعيين،‭ ‬في‭ ‬بادرة‭ ‬سيتذكرها‭ ‬الناس‭ ‬بمرارة،‭ ‬وكأن‭ ‬سلوك‭ ‬الأساتذة‭ ‬الانتهازيّ‭ ‬عَبّر‭ ‬عن‭ ‬أزَمة‭ ‬المثقف‭ ‬المؤسساتي،‭ ‬الذي‭ ‬يتنعم‭ ‬برواتب‭ ‬وامتيازات‭ ‬جيدة،‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬طفت‭ ‬على‭ ‬السطح‭ ‬إشاعة‭ ‬حرمانها‭ ‬من‭ ‬جزء‭ ‬منها،‭ ‬حتى‭ ‬تظاهر‭ ‬معربًا‭ ‬عن‭ ‬سخطه،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬الحراك‭ ‬الشعبي‭ ‬حضورًا‭ ‬وندوات،‭ ‬وبحوثًا‭ ‬وحفريات‭ ‬معرفية‭.‬

الحديث‭ ‬عن‭ ‬المؤسسة‭ ‬الأكاديمية‭ ‬العراقية،‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬حقيقة‭ ‬نشاط‭ ‬مثقفين‭ ‬أكاديميين،‭ ‬لكنّ‭ ‬معظم‭ ‬هؤلاء،‭ ‬لهم‭ ‬دورهم‭ ‬الثقافي‭ ‬قبل‭ ‬حصولهم‭ ‬على‭ ‬الشهادات‭ ‬العليا‭ ‬التي‭ ‬منحتهم‭ ‬مقاعد‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬العراقية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬الغالبية‭ ‬كأن‭ ‬انتفاضات‭ ‬الشارع‭ ‬العربي‭ ‬وأسئلته،‭ ‬لم‭ ‬تجدد‭ ‬أسئلتهم‭ ‬وسؤال‭ ‬الثقافة‭ ‬الأخلاقيّ‭ ‬لديهم،‭ ‬ولم‭ ‬تهزّ‭ ‬شجرة‭ ‬الوعي‭ ‬ولم‭ ‬تولّد‭ ‬جديدًا‭ ‬في‭ ‬السؤال‭ ‬الوجودي‭. ‬وشارع‭ ‬المتنبي‭ ‬شاهد‭ ‬بعناوين‭ ‬الكتب‭ ‬المطروحة،‭ ‬فليس‭ ‬بينها‭ ‬كتب،‭ ‬تتضمن‭ ‬أوراقًا‭ ‬لندوات‭ ‬ومؤتمرات‭ ‬عقدتها‭ ‬الجامعات،‭ ‬تناقش‭ ‬الهمّ‭ ‬العراقي،‭ ‬وسؤال‭ ‬الهويّة‭.‬

إن‭ ‬خطورة‭ ‬البقاء‭ ‬أسرى‭ ‬لأسئلة‭ ‬قديمة،‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الستينات‭ ‬والسبعينات‭ ‬صالحة،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬كذلك،‭ ‬بعد‭ ‬الهزات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬ضربت‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬من‭ ‬بركان‭ ‬اجتياح‭ ‬الكويت‭ ‬ومرورًا‭ ‬بالحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001‭ ‬والتاسع‭ ‬من‭ ‬أبريل‭ ‬2003‭ ‬وليس‭ ‬انتهاءً‭ ‬بالحراك‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬ندور‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬تسحبنا‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬وتخرجنا‭ ‬من‭ ‬المستقبل‭. ‬ما‭ ‬نحتاجه‭ ‬حقًّا‭ ‬هو‭ ‬إيمان‭ ‬حقيقي‭ ‬بأن‭ ‬سؤال‭ ‬الهوية‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬الرغيف،‭ ‬وسؤال‭ ‬الحرية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بموازاة‭ ‬الكرامة‭ ‬والعيش‭ ‬اللائق‭ ‬والمتّفق‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬العصر،‭ ‬وأن‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالآخر‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬تمجيده‭ ‬وتركه‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬تاريخه‭ ‬ويملي‭ ‬شروطه‭ ‬عبر‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ،‭ ‬وأننا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬نكتفي‭ ‬بالإيمان‭ ‬أن‭ ‬الدين‭ ‬لله‭ ‬والوطن‭ ‬للجميع،‭ ‬بل‭ ‬بحاجة‭ ‬لتوضيح‭ ‬أن‭ ‬المذاهب‭ ‬صناعة‭ ‬بشرية،‭ ‬قابلة‭ ‬للنقد‭ ‬والتفكيك‭ ‬مثلها‭ ‬مثل‭ ‬القوميات‭ ‬والهويات‭ ‬والعادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬والثقافات‭ ‬عمومًا‭.‬

الشارع‭ ‬العربي،‭ ‬قام‭ ‬بتعرية‭ ‬النخب‭ ‬الثقافية،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬انتفض‭ ‬على‭ ‬النخب‭ ‬السياسية‭ ‬الحاكمة،‭ ‬واتضح‭ ‬أن‭ ‬كليهما‭ ‬بحاجة‭ ‬لثورة‭ ‬وإزاحة،‭ ‬الأنظمة‭ ‬في‭ ‬تبادل‭ ‬سلمي‭ ‬للسلطة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تتوارى‭ ‬النخب‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬حكمتنا‭ ‬بالنار‭ ‬والحديد‭ ‬ومَن‭ ‬تعاون‭ ‬وتواطأ‭ ‬معها،‭ ‬والثقافية‭ ‬عبر‭ ‬تجديد‭ ‬السؤال‭ ‬المعرفي،‭ ‬والحفر‭ ‬عميقًا‭ ‬في‭ ‬البنى‭ ‬المعرفية‭ ‬والحوامل‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وفي‭ ‬تفكيك‭ ‬الخطاب‭ ‬الديني‭ ‬والسياسي‭ ‬والثوري‭.‬


شاعر‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬الخرطوم