أين تكمن قوة الفن

الجديد  فاروق يوسف [نُشر في 01/11/2017، العدد: 34، ص(1)]

1 ــ الفن يعيد تعريف الأشياء من حولنا.

2 ــ الفن لا يجمل بل يعيد اكتشاف الجمال.

3 ــ الفن يعيد الإنسان إلى التاريخ بعد أن تم طرده أو تهميشه.

4 ــ الفن يهذب الأخلاق ويسمو بالنفس البشرية.

يوم حطم بيكون كرسي فيلاسكز

حين رسم فنسنت فان غوخ كرسيه في غرفته بآرل الفرنسية لم يكن يفكر بكرسي جوزيف كوست. مَن خدع الآخر، فنسنت أم كوخ؟ ولكن كيف يمكن أن يكون الكرسي وهو مادة استعمال يومي ملكا لفرد دون سواه، بغض النظر عن قوة ذلك الفرد السحرية؟ كرسي فنسنت هو ما رُسم على قماشة اللوحة التي أعدها الرسام بنفسه. لن تكون للكرسي الواقعي أيّ قيمة تذكر بعد الرسم. صار ذلك الكرسي كائنا متخيلا وهو جزء من عدة الرسام وهو يواجه مشكلة البعث يوم القيامة مصحوبا بكائناته التي اخترعها. سيكون على الرسام أن يجعل كرسيه وهو من خشب وقش أن يتكلم كما لو أنه يدلي باعترافه الأخير. لقد دأب فنسنت على الزج بكائناته في الأيام الحرجة من حياة الكائن القلق والحائر الذي هو فنسنت نفسه. أما كرسي كوست فإنه لا يزال يرتاح إلى أنسنته التي لا تضطر إلى العودة إلى الفن بعد أن غادرته. إنه يعيش معنا. لا يفرق مفهومه عن العيش بيننا وبينه. حيرته تنفعنا في تفسير وجودنا وصمته يكشف عن الكثير من هذياننا. هل كان ذلك الهذيان ممكنا لولا العمل الفني الذي اخترعه كوست عام 1965؟ هناك محاولة للتفسير يقدمها كوست بنفسه. كرسي محايد وآخر في صورته وأخيرا كما لو أنه يفسر وجوده من خلال الكلمات. لقد رسم الإسباني دييغو فيلاسكز عام (1650) أثناء زيارته لروما هو الآخر كرسيا يقعد عليه البابا أنوشينت الخامس، وهو الكرسي نفسه الذي حطمه الأيرلندي فرانسيس بيكون عام (1953) حين أعاد رسم لوحة فيلاسكز، لكن بطريقته. لن نرى في العملين الشيء نفسه. أنا على يقين من أن فيلاسكز سيعجب بكرسيه الذي حطمه بيكون. لقد نفخ الرسام الأيرلندي في الكرسي نوعا من الحياة لم يتخيلها فيلاسكز نفسه ناهيك عن البابا الذي صار موضع اختبار شكلي جرؤ الرسام على القيام به باعتباره مادة حياة. لقد حضر الكرسي هنا بمحض الصدفة، كونه الشيء الذي يمكن إعادة تعريفه من خلال الرسم، ولكن الإنسان نفسه كانت قد جرت إعادة تعريفه من خلال الرسم. فنساء غويا هن لسن فتيات أفنيون اللواتي رسمهن بيكاسو ولسن نساء لويزا بورجوا ولسن نساء مودلياني ولسن نساء إيغون شيلا. هل سيكون علينا مضطرين أن نبحث عما يجمع ويفرق بين نساء لن يكون علينا سوى الاعتراف بأنهن ينتمين إلى عالم الرسم من جهة كونه محاولة لخلق عالم مجاور؟ مَن يملك الحق في أن يقول إن تفاحة سيزان لم تكن تفاحة، عليه أن يثبت أن بيكاسو لم ير فتياته الخمس في جادة أفنيون ببرشلونة. كان رامبرانت مولعا في رسم تحولاته الجسدية، من الشباب إلى الشيخوخة وكان من خلال ذلك الولع النضر يعيد تعريف نفسه.

حين يستيقظ الجمال من نومه

“أزيح الغبار عنها، فتخرج كما لو أنها كانت في انتظاري” مَن قال ذلك، مايكل أنجيلو أم جياكومتي أم رودان؟ ابن عصر النهضة كان يعرف إلى أين تمضي يداه من غير أن يكون قلقا، أما الفرنسي العاشق فقد سحره عصر البرونز فصار يتلمس طريقه أعمى بلمعان الذهب وهو الذي ألبس بلزاك في تمثاله عباءة عربية. يبقى جياكومتي الجالس على الرصيف وهو يبكي، كما وصفته سيمون دو بوفوار. هو وحده لم يكن جماله جاهزا. ليس لديه ما يؤكد أنه يبحث عن شيء بعينه. لا يعد جياكومتي نفسه بشيء من الأمل، لذلك جلس في السان جرمان يائسا يبكي. لم يكن بحكم خبرة عذابه يصدق حكاية الغبار الذي يشف عن كائنات جميلة. كانت كائناته تقيم في مكان آخر، مكان لا ينعس فيه جمالها، فهو جمال لا يرضى بالنوم حلا. كائنات جياكومتي لا تنام. هي في حالة مشي دائم. وهي لذلك تهبنا فرصة النظر إلى جمال لم يروض من قبل. وهنا تكمن واحدة من أعظم حقائق الفن. الألماني أنسليم كيفر (1954) يسعى في كل عمل من أعماله إلى أن يصدمنا بتلك الحقيقة. هناك جمال يقيم في الكآبة مثلما يقيم في سعادة هنري ماتيس وهو يلصق قصاصات أوراقه الملونة، بعضها إلى جانب بعض أو فوق البعض الآخر. سيكون علينا أن نتأمل ألغاز الجمال الإنساني في كارثة وجودية تقترح علينا الكثير من الأسئلة. الفن في هذه الحالة يقوينا، يسلحنا بقوة جمال غير متوقعة. فن جياكومتي، كما هو فن كيفر يهيئنا لمواجهة جمال مختلف، جمال لم تصنعه اليد بل خيالها. أهذا ما كان يفكر به الروماني برانكوزي؟ أعتقد أن هناك الكثير من الجمال المحذوف. في ذاكرة كل عمل فني هناك الملايين من الصور التي لم تخرج إلى العلن. سيكون علينا دائما ونحن ننظر إلى العمل الفني أن نفكر باحتمالاته الكثيرة التي دسها الفنان تحت وسادته ليحلم بها. لا بأس. لن يتمكن الفنانون من إخفاء تلك البدائل إلى الأبد. لقد أغرى الجمال خبراءه في البحث عن سر اللون البشري لدى رامبرانت فاكتشفوا بعد عقود من البحث أن الرسام الهولندي كان يؤسس للبشرة بالصبغة الخضراء. ما كان لجمال البشرة أن تكتمل لدى رامبرانت من غير الأخضر الذي كان سره، لم يستعمله أحد من قبله ولا من بعده. أخضره كان بمثابة إعادة لاكتشاف الكائن البشري.

يشبهني كما لو أني أراه

يوم اخترع الفن (متى حدث ذلك؟) كان الإنسان يقف خارج معادلته. على جدران الكهوف رسم الإنسان القديم ثيرانا، حيوانات كان يستعيرها من الواقع ليحتويها سحريا، ليسيطر عليها من خلال ذاكرة يده ولم يفكر بنفسه إلا باعتباره كائنا خائفا. بعد آلاف السنين (كم عددها؟) سيكتشف الإنسان من خلال الفن أنه يستحق أن تكون الآلهة شبيهة به، كما لو أنه ينحت أو يرسم صورته الشخصية من خلالها. وهنا تكمن المفارقة. لم يتشبه الإنسان بالآلهة وهي التي لا تُرى بل جعلها شبيهة به فصار في إمكانه أن يراها. في مرحلة لاحقة ستكون مريم، أم المسيح امرأة أوروبية بكل المقاييس بالرغم من أنها حسب المرويات المسيحية كانت فلسطينية الأصل. أما كان موسى مصريا؟ ماذا عن صورة الملائكة في منحوتات ورسوم عصر النهضة؟ لقد تخلت الملائكة عن سيرة خفائها باعتبارها كائنات سماوية لتتخذ هيأة أطفال أرضيين، لكن بهوية أوروبية، بسبب مايكل أنجيلو ورافائيل ودافنشي وروبنز. الفن صنع كل هذا. لقد وهبنا الفن مريم الجميلة حسب مقاييس عصر لن يقوى أحد على الاعتراض عليه وجعلنا نتخيل شكلا لملاك لن يكون بالضرورة صينيا أو هنديا. غير أن الفن بالرغم من كل تلك الأخطاء كان قد مهد لطريقة استثنائية في النظر إلى الإنسان. صار الإنسان بسبب الفن مركز الحياة ومحور التفكير بما يجري من حوله. لقد ظهر حمورابي في مسلته الشهيرة وهو يستلهم قوانينه من الآلهة الشمس. الكائن البشري وهو ملك الجهات الأربع سجل حضوره في التاريخ لا باعتباره نصف إله بل باعتباره إنسانا علا برقيه الجمالي إلى الدرجة التي أهلته أن يكون قريبا من الآلهة. سيكون علينا أن نتوقع حدوث حالة من الصمت التاريخي التي ستمتد لقرون، يكون الإنسان فيها ملهما بقوة الإله، من غير أن يكون قادرا على استحضار كلماته مثلما فعل حمورابي. كما أرى فإن الفن هو الذي اخترق ذلك الصمت بثرثرته، حين نحت الآشوريون ثيرانهم المجنحة كان لكل ثور رأس إنسان.

الفن وهو يهذب الحواس

كيف يمكن للفن أن يكون أخلاقيا وقد نحتت سارة لوكاس قضبانا ذكورية لتعرضها كما لو أنها فاكهة ناضجة؟ المسألة بكل بساطة أنه سيكون علينا أن نفكر في الفن لا في ذلك القضيب. سيتم فصل علاقة القضيب غير المهذبة بالأخلاق. في منحوتات عصر النهضة هناك الكثير من القضبان التي لم تكن تستدعي الشهوة. ولم يكن ظهور تلك القضبان ذا صلة بالأخلاق. في جزء منه فإن الفن لا ينطوي على رسالة أخلاقية، وفق التعريف الاجتماعي للأخلاق. ولكن ذلك لا يعني أن الصنيع الفني هو كائن لا أخلاقي، يدعو إلى الفاحشة على سبيل المثال. الفن الحقيقي يحرّض على العصيان والتمرد والاختلاف وينتسب إلى الحرية المطلقة ولا يقبل بالتسويات الوسطية التي تضعه في ميزان المشاركة في صنع الواقع والقبول به حفاظا على مسيرة التاريخ. الصنيع الفني كائن لاتاريخي، تذهب به لانفعيته إلى الحدود القصوى من هدم المسلمات الثقافية. ما يسكت عنه الكثيرون أن كل عمل فني إنما يشكل ظهوره خدشا لحياء الثقافة. وهنا بالضبط يظهر المعنى الأخلاقي الملتبس. كانت لوحة (غداء على العشب) للفرنسي إدوارد مانيه التي عرضت منتصف القرن التاسع عشر قد شكلت صدمة أخلاقية للكثيرين، ولكنها بعد ذلك شكلت نظاما أخلاقيا صار الفنانون يتعلمون مفرداته كما لو أنها صارت جزءا من النظام الثقافي السائد. لا يحتاج المرء إلى العودة إلى قضيب سارة لوكاس ليتأكد من أن الفن لن يكون واجهة في مخزن لبيع البضائع الجنسية. فالفن وإن كان لا يعلّم الأخلاق، غير أنه من خلال رقيه وتساميه يهذب النفس البشرية، يصقل حواسها، ينظفها ويعيد لها قوتها الأصلية لتكون عونا للإنسان في مواجهة الشر والقبح والظلم والاستبداد.

نبي الكائنات المتحولة

سيكون على النحات الأميركي ريتشارد سيرا أن يضحك الآن من نفسه. فهو بعد أن نصب منحوتته “شرق غرب” في صحراء قطر، بعيدا عن الدوحة وهي أقرب منطقة مأهولة بستين كيلومترا صار على يقين من أن أحدا لن يرى تلك المنحوتة. ألا يعبر ذلك الفعل العبثي عن تفكير بعلاقة الفن بـ”المطلق”؟ سينظر البدو الرحل إلى تلك المنحوتة من جهة ما تنطوي عليه من قيم سحرية. تلك هي بقايا أمم اندثرت. سينضم سيرا، من حيث لا يدري إلى قافلة الأمم الغابرة. سيكون عمله سببا للإيمان أو للكفر بالقوة نفسها. الأصعب على سيرا أن تفسر أعماله عقائديا، لكن ذلك التفسير إن حصل سيكون نوعا من الإطراء على قوة الفن. لا يضحك سيرا لأنه لا يرى مستقبلا نفعيا لعمله في الصحراء، فعمله في كل الأحوال لن يكون نافعا (أتذكر هنا عمله الرائع في حديقة المتاحف بأمستردام)، غير أنه يضحك لسبب مختلف. قد يتخيل البدو أن تلك الأنصاب هي من بقايا دين اندثر، كان سيرا نفسه نبيّه. ألم يدرّب سيرا نفسه على النسيان؟ نسيان المعنى بشكل خاص، وهو ما أربكه حين سأله الصحافيون في الدوحة عن معنى ذلك العمل. لم يقل لهم إن الفن بلا معنى، غير أنه استجار بغضبه فقرر أن يصمت.


شاعر من العراق مقيم في لندن