الرّواية، قدّس الله سرّها

(فصل من رواية جديدة قيد الطبع)
الجمعة 2022/07/01
لوحة: حسين جمعان

أفاق على صدى حديث دينيّ في بيته، صوت صادر عن التّلفزيون. أرهف السّمع مأخوذًا فتناهت إليه عظة خطيب، أو داعية، أو مفتٍ يتحدّث عن الكبائر الصّغرى والكبرى. رجل دين في بيته، وهو الذي حرّم على زوجته وولديه مشاهدة مثل تلك البرامج! هو يؤمن بالله واليوم الآخر، ولكنّه لا يثق فيما يروّجه أولئك الدّجّالون، الذين يفسّرون أحكام الشّريعة على مزاجهم، يحرّمون ما لم يحرّمه الله في كتابه المبين، أو يتأوّلونها حسب مزاج الحاكم، إن كوّر الأرض كوّروها وإن سطّحها سطّحوها. وهو يبحث عن جهاز التّحكّم كي يطفئ التّلفزيون، ويخرس صوت ذلك الدّعيّ، سمعه يقول:

“… فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى كبير النقّاد في هذه البلاد، وما اختلفتم فيه فحُكمه إلى الله”.

وفيما هو مبهوت ذاهل يكاد يظنّ بعقله الظّنون، شاهد على الشّاشة الخطيب المعمّم الملتحي الحليق الشّارب يختم عظته بقوله: “العهد الذي بيننا وبينهم الرّواية، فمن تركها فقد كفر. رواه عبد الله بن بريدة بن الحصيب”، قبل أن يطلّ مذيع يعلن عن البرنامج الموالي. لم يمهله فخرالدّين حتّى يتمّ كلامه. ضغط على جهاز التحكّم وغادر البيت وهو لا يصدّق ما رأى. إن كانت مزحة فهي من النّوع الرّديء الذي استشرى هذه الأيّام بعد تناسل قنوات تتنافس في إفساد الذّوق العامّ.

سار في نهج أبي زكريا الحفصيّ، وما كاد يبلغ مشارف جامع الأمان حتّى سمع إمامه يردّد عبر مكبرّات الصّوت:

“بين الإنسان، وبين الكفر والمعصية تركُ الرّواية، فإن أطاعوا عصموا منّا دماءهم وأموالهم، وإن عصَوا سلكوا طريق سَقَر وبئس المأوى”.

 لم يصدّق أذنيه. نقّل طرفه حوله علّه يجد أحدًا يُشهِده على هذه الغرائب. إمام جامع يَعِد النّاس بالويل والثّبور وعظائم الأمور إن لم يؤلّفوا رواية! لمح شابًّا مقبلا، له لحية مرسلة ولباس أفغانٍ. أسرع إليه يسأله:

“أسمعت؟”.

وقبل أن تندّ عن الشّابّ كلمة أو يجد الوقت لفهم السّؤال، لاحظ فخرالدّين أن بيده رواية “ملحمة الحرافيش”.

سأله الشّابّ: “ماذا قلت؟”.

 ردّ عليه فخرالدّين في اضطراب:

“لا… لا شيء. أنا… أنا آسف”.

 تركه وواصل طريقه في خطو متعثّر شارد اللّبّ والنّظرة، لا يفهم ما يجري. قادته قدماه إلى ساحة باب الجزيرة، فشاهد ما لم يشاهده من قبل: الرّصيف العريض أمام السّوق البلديّة مفروش بالكتب المستعملة، على طريقة نهج الدّبّاغين، والنّاس يقلّبونها ويتصفّحونها باهتمام ويساومون باعتها في أثمانها. أنعم النّظر فإذا هي روايات عربيّة وأجنبيّة مترجمة. حتّى الكشك القريب كان يبثّ عبر بوقه أغنية تشيد بالرّواية:

“هلّ زمانُ السّردِ فَبشِّرْ   فالكونُ بالرّوايةِ نَوّرْ”.

كان الزّحام في السّاحة والأنهج التي تنتهي إليها على أشدّه، وزعيق الباعة وأزيز السيّارات وصفيرها تزيد الجوّ القائظ غليانًا. نقّل البصر حوله وهو مروّع مذهول لا يفهم ماذا جرى للدّنيا والنّاس، فإذا يافطات غريبة تتصدّر واجهات المحلّات والدّكاكين والحوانيت على جانبي نهج الجزائر: خمّارة القطّ الأسود، مطعم الفرسان الثّلاثة، مجزرة محمّد النّحيل، دقلة حفّة في عراجينها، مقهى الزّمن الضّائع، فساتين نجمة، جبائب الدّار الكبيرة، عطور نانا، تمباك الدّون الهادئ، مخبزة بارامو، زوربا الحوّات، حمّاص السّاعة الخامسة والعشرين، 19.84 للإلكترونات… وهو مدهوش مأخوذ لا يدري هل أصاب النّاس مسّ أم أنّه هو الممسوس.

على مشارف جامع الغفران، شاهد المصلّين أمام بابه يؤدّون الفرض على بسط مفروشة على الرّصيف، وشاهد أيضًا باعة قناني العطور الرّخيصة والمسك والعنبر والحبّة السّوداء والسُّبُحات والعرّاقيّات والسّجاجيد والكتب، فضلا عن التّمائم التي تبطل السّحر وتردّ الكيد وتهدي الضّالّ إلى الصّراط المستقيم، وعلى يمينهم بعض المتسوّلين يمدّون أيديهم ويستجدون العابرين بمذلّة كاذبة؛ ولكنّه بُهت حين لاحظ أنّ الكتب المعروضة ليست الكتب الصّفراء المعهودة، مثل اللّؤلؤ والمرجان في تسخير ملوك الجان، والإصابة في منع النّساء من الكتابة، والانشراح في آداب النّكاح، بل روايات يوسف السّباعي وإحسان عبدالقدّوس ومحمّد عبدالحليم عبدالله ونجيب محفوظ وحنّا مينة وكاواباتا وفوكنر وغوركي وإيميلي برونتي… ذهل رأسه لحظة بدوار مباغت، والتبس عليه أمره، ولم يشعر إلا وهو يلج المسجد. كان يودّ أن يعرف من الإمام مباشرة تفسيرًا لهذه الظّاهرة، فليس من رأى كمن سمع. قال لمن اعترض سبيله إنّه سيكتفي بالوضوء ثمّ ينضمّ إلى المصلّين في الشّارع، غير أنّه خلع نعليه، وتسلّح بكتفيه ليؤمّن لنفسه موقعًا في الصّفّ الخلفيّ. ظلّ يحيد يمنة ويسرة حتّى حاز زاوية أنفذ منها نظره إلى المحراب، الذي اعتلاه رجل متوسّط الطّول، يقف خلف المصدح في لباس تقليدّيّ أصيل، جبّة وفرملة وقميص، كلّها ذات لون لبنيّ، وشاشيّة تطوّقها عمامة من نفس اللّون، والنّاس مشدودون إليه بأنظارهم، ينصتون إليه في صمت خاشع كأنّما يخشون أن تشرد عن سمعهم كلمة من كلماته.

تردّد في أرجاء المسجد حديثه المرسل بلسان متقعّر يبالغ في التّجويد والتّفخيم:

لوحة: حسين جمعان
لوحة: حسين جمعان

“إنّ تركها من أقبح القبائح وأكبر الكبائر. وقد اختلف العلماء، رحمة الله عليهم جميعا، في حكم تاركها؛ هل يكون كافراً كفراً أكبر، أو يكون حكمُه حكمَ ذوي الكبائر؟ فمِن أهل العلم مَن قال: إنّه يكون كافرًا كفرًا أصغر على رأي الشّافعيّة والمالكيّة والحنفيّة وبعض الحنابلة، وإنّ ما ورد في تكفيره يُحمل على أنّه كفر دون كفر، وتعلّقوا بالأحاديث الدّالّة على أنّ من مات على التّوحيد وترَكها فله الجنّة. أمّا إذا جحد وجوبَها فقد أشهر كفره. وقد أجمع علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم أنّه كافر كفراً أكبر، كما جاء عن عبدالله بن شقيق العقيلي التّابعي الجليل”.

مال فخر الدّين على رجل بجانبه يسأله في همس:

“يتحدّث عن الصّلاة طبعًا؟

– لا، بل عن الرّواية.

– تقصد رواية ابن شقيق العقيلي؟

– كلّا، الرّواية الأدبيّة”.

كان يمكن أن يفسّر ذلك بأنّ الرّجل أساء الفهم، لولا الكتب المعروضة واللّافتات المرفوعة وقول إمام جامع الأمان قبل قليل. جحظت عيناه دهشة وإنكارًا لما سمع، وأزمع أمره على الانسحاب قبل أن تصيب عقله لوثة، كالتي أصابت كلّ من صادفهم حتّى الآن. كان يهمّ بالخروج حين تناهى إلى سمعه قول الخطيب:

” وتاركُ الرّواية ما له في الآخرة مِنْ خَلاق. رواه التّرمذي والنّسائيّ وابن ماجة”.

فلم يَعتِم أن صاح صيحة سكت لها الحاضرون لحظة واجمين:

“هذا افتراء يا شيخ!”.

استدار نحوه المصلّون بغتة. شخصت إليه أبصارهم، وقد زادها الكحل توهّجًا، وعلا وجوههم فزع ممّا سمعوا، فأضاف بصوت عال يكاد يتحوّل إلى نحيب نادبات لشدّة ما يحمل من غضب:

“حرام عليك يا شيخ! أنت تحرّف كلام الله وحديث نبيّه! اعتليتَ المنبر لهداية النّاس لا لتضليلهم!”.

سرت في الحاضرين همهمة واسعة، ثمّ تحوّلت إلى لغط هادر قطعه الإمام بصيحة تردّد صداها داخل المسجد وخارجه:

“أمسكوه!”.

كان قد احمرّ وجهه وتقبّضت ملامحه. نظر ناحية فخرالدّين بعينين تتوقّدان بالغضب، وقال بصوت حانق وسبّابته ترتعش بالتّهديد والوعيد:

“هذا مثال ناكر الرّواية الذي حذّرتكم منه! لا تأخذنّكم به رحمة!”.

وهاش إليه المصلّون يعنّفونه ويركلونه ويخنقونه ويصيحون:

“جاءك الموت يا تاركَ الرّواية! جاءك الموت يا تاركَ الرّواية!”.

وبينما هو تحت أرجلهم يصرخ صراخ خنيق يلفظ أنفاسه، يستغيث بصوت غلبت عليه الحشرجة ولا من مغيث، رأى يدًا تمتدّ نحوه لتخلّصه. رفع عينين يغشاهما ضباب كثيف، فإذا رجاء، زوجته، ترجوه ألا يفارقها، وتهمس إليه بصوتها الممتلئ عذوبة ونعومة:

“أبا مروان! أبا مروان! قل لهم إنّك آمنت بأنّ الرّواية حقّ. قلها لهم كي يُخلوا سبيلك. أرجوك. لا تتركني”.

كان في حال من الضّعف لا يقوى معها على دفع الجاثمين على صدره، وحين أشفى على الغشية، وربّما الموت الوشيك، أمسكته رجاء من يده وجذبته إليها بقوّة.

“أبا مروان! أبا مروان! اصْحُ!”.

فتح عينيه بغتة، فإذا هو في فراشه، والعرق ينزّ من جبينه وينحدر إلى رقبته. ظلّ لحظات يجيل في الغرفة نظرات وجلة، شاردة، لا يدري أين هو. أخيرا تمتم من بين أسنانه، وهو يقوّم جذعه، ويستند إلى الوسادة:

“كابوس”.

ناولته رجاء كوبًا من الماء يرطّب به حلقه، وقالت في نبرة آسية كأنّها ترثي لحاله:

– “جدّك مرّة أخرى؟”.

– بل أفظع”.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.