العقل الفلسفي والروح الغاضبة

خليل حاوي: مقاربة رموزية
الاثنين 2021/03/01
الشاعر خليل حاوي

لم يكن مصرع الشاعر خليل حاوي بالنسبة إليّ، يوم دخول العدو الإسرائيلي إلى بيروت في الـ9 من حزيران/يونيو 1982، إلا حافزًا مضاعفًا لتعميق التساؤل عن طبيعة المناهج النقدية وقدرتها على سبر أغوار العالم المعنوي والشكلي في شعر حاوي، من دون أن أستخلص رابطًا أكيدًا بين انتحار الشاعر، بالطريقة المعلومة، والاتجاه الفكري الذي شاء الشاعر أن يرسمه لذاته، منذ أواخر أربعينات القرن الماضي. بهذين الذوق الأدبي ومنهج النقد الموضوعي، ربما تتكامل أدوات الباحث الناقد وتنضج رؤيته. لكن الإرادة المحضة لا يسعها، وحدها، أن تجعل النقد أداة كاشفة تضيء أبعاد النص الشعري اللامحدودة، إذ لم تفض قراءتي النصوص النقدية الغربية – من دون الاستعانة بموجه في بداية الأمر – إلى انكشاف منهج يؤدي الغاية المنشودة. بدا مراس الكتابة عندي، في شيء من النقد، عاجزًا هو الآخر عن تلمّس الحدود التي يقف عندها النقد الموضوعي، ثابت الرؤية عميقها، لولا قراءات أخرى أكثر انغماسًا في العملية الأدبية، وأشد نفاذًا إلى طبيعة الشعر العربي الحديث ومؤثراته، إضافة إلى قراءات في النقد الأدبي الأجنبي ذي التوجه اللساني والرموزي. جعلتني هذه القراءات أقتنع أن الدراسة النقدية لا تبلغ ذروة فائدتها وجدواها إلا بعد ضبط مجال النقد الوصفي، وتنظيم شبكة من الأدوات التي تصف النص الشعري، ثم الأدوات التي تحلله. إنها لسيرورة واحدة، محطتها الأولى تعاطف مع الإنسان – الشاعر، والنص – الشاعر من دون تعليل. أما محطاتها المتتابعة فمنهجية تصف عالم المعاني عند الشاعر – الإنسان، بما أمكن من الأمانة. ثم تدل على مواطن أسلوبيته، وتقف عند مكونات لغته الشعرية، لا إعلاء فحسب، بل توكيدًا على أن الفن الشعري لا يبلغ ذرى متلاحقة في التاريخ، إلا إذا أحسن النقد مواكبتها وإضاءة مضامينها وأشكالها التي تكاد تلتبس على القارئ العادي. حسبي من ذلك كله أن أصف حوافزي، وألزمها المنهج قدر المستطاع. فإن هي انطلقت به أدت خطها ورفعت من قدر المعني، وههنا خليل حاوي، الشاعر الملتزم بقضايا مجتمعه، والمنخرط في حركاته الفكرية والاجتماعية والسياسية على السواء وأضَافت نتاجًا نقديًا مثبتًا. وإن حادت عنه ألزمتني تصويب الخطط وتفعيل الأدوات حتى أوفي الرجل والنص حقهما عليّ.

ربما يبدو الكلام على سيرة الشاعر، أول وهلة، نوعًا من اللزوميات الفائضة عن حاجة المنهج المحدودة بالنص، ذلك أن غلاة المنهج الداخلي، أي الذين يبطلون تأثير كل عامل خارج عن النص ذاته، يرون النص، وحده، جديرًا بالوصف والتحليل من دون إسقاط أدنى انطباع عنه، لمزيد من الأَمانة والموضوعية.

إلا أن ذلك الاقتصار القسري على الداخل (استقلالية النص) لم يعد يشكل الرؤية النقدية الأكثر جدارة وغنى في آن: فالأَبعاد المتباينة والمختلفة للنص شعريًا كان أم غير شعري تستدعي من الباحث الإفادة من طرائق ومناهج صُنفت خارجية ومنها الاعتماد، بشكل متقاطع، على السيرة حينًا، وعلى تحليل الأدب من الوجهة النفسية حينًا آخر، ومن الرموزية – الأسلوبية آنًا آخر .

فأنا حين أذكر سيرة الشاعر خليل حاوي – لمحطاتها العامة – في مطلع الدراسة لا أقصد إلا التنبيه إلى خصوصية بعض المراحل الحاسمة في حياته، وتأثيرها المبدئي في صوغ المدونة التي اخترتها لتمثيل نتاجه الشعري برمتها.

ربما تكون السيرة إثباتًا (وإن خارجيًا) إضافيًا على صلاحية الموضوعات التي اعتبرتها أكثر تلاؤمًا من غيرها، لتواتر علاماتها في المدونة بشكل لافت؛ فالاستدلال مثلًا على طبيعة الثقافة الدينية التي تلقاها الشاعر ربما يهب الناقد الموضوعاتي قدرًا من الإثبات للانطلاق إلى دراسة المفاهيم الدينية في نتاج حاوي دراسة داخلية.

التعريف بالشاعر خليل حاوي

أود هنا التعريف بالشاعر كما ذكره أخوه الناقد إيليا حاوي “ولد خليل سليم الحاوي (1) في العام 1919 في قرية الهُوِية بجبل الدروز، وكانت والدته سليمة عطايا تهم بالعودة إلى بلدتها الشوير مع زوجها سليم الحاوي، إلا أن الثُلوج تساقطت في جبل الدروز، وأقفلت الطرق، فغادر سليم الحاوي زوجته في الهوية ورجع إلى بلدته. وفي أثناء غيابه، وضعت زوجته صبيًا سمّي خليلًا “تيمنًا باسم جده لأبيه. رجع الوالد إلى جبل الدروز وبشر بولادة ابنه البكر، وما عتم أن عاد به إلى الشوير مع امرأته، وكان له من العمر نحو ثلاثة أشهر (2 ). سكن والدنا في بيت سعيد عطايا في حي آل عطايا (في الشوير) وهناك درج خليل بين الأقارب، وكان موضع اهتمامهم، يحيطون به ويدلّلونه. والوالدة تزهو وتعنى به والوالد يغيب شهورًا في جبل الدروز أو الجولان حيث يعمل بناءً.. كانت أَحوال العائلة جيدة، استقام أمرها في البلدة، ثم وضعت والدتنا شقيقتنا لوريس”.

وبعد حين أُرسل خليل إلى مدرسة “ملكة ومرتا” وهما معلمتان إِنجيليتان. في هذه المدرسة كان الطلبة يتعلمون القراءة والكتابة كلهم في قاعة واحدة. والإنجيليون يفدون مرارًا في السنة ليتفقدوا الطلاب ومدى حفظهم آيات من التوراة والإنجيل (3)، وعلى ما يقول إيليا حاوي، فإنّ تعمق خليل في قراءة الكتاب المقدس على يد المعلمة “ملكة” أثّر تأثيرًا عميقًا في شعره. وحين شرع خليل بنظم الشعر باللغة الفصحى حوالى العام 1945، كانت أولى قصائده قصيدة “يهوه” (4). في إثر مدرسة المعلمة “ملكة” نُقل إلى مدرسة اليسوعيين في الشوير (5)، وحصّل فيها أصول القراءة الفرنسية. وفي تلك المدرسة، تجلى تفوقه بين السادسة والتاسعة من عمره. وبانت عليه أماراتُ النبوغ والاستقلال بالرأي وربما بالمقاومة… “[1]. ومن المؤكد أن التعاليم الدينية المسيحية تركت أثرها في نفس خليل حتى بات يحسب “خطايا الحواس مخالفة لأوامر الكنيسة” [2]. في إثر ذلك، نقل إلى “المدرسة الوطنية العالية في عين القسيس بين الشوير وضهور الشوير، وفيها مكث حتى مغادرته المدرسة نهائيًا تحت تأثير الضرورات العائلية” [3]. ولا بدّ لنا من التراجع في الزمن قليلًا لنتحدّث عن حياة خليل العائلية في تلك الحقبة. قلنا إن خليلًا كان وحيد أبويه، ثم رزقا ابنة وبعدها رزقا ثلاثة صبيان توفوا جميعًا في عمر الشهر والشهرين بالتهاب الحمراء. اثنان من أشقاء خليل ماتا بهذا الداء، والثالث وشقيقته ماتا بحمّى الامعاء أوليفيا غادرت جرحًا عميقًا في نفس خليل. كانت ابنة عامين وخليل شغوف بها غاية الشغف.

توفيت أوليفيا ودُفنت في المديرج عند قوم من آل الحاوي [4]، وخليل كان يتحرى عن شقيقته تلك أين ذهبت (حتى أنه) كان يقول “إنني قضيتُ العمر كله أنتظر عودتها وإلى الآن ما زلتُ أنتظر”.

نذكر هذه الأمور لأنها كانت مثل التيقظات العجيبة في ذهن خليل سنوات قليلة قبيل موته (5).

إذًا، انقطع خليل عن الدراسة وهو لا يزال في الحادية عشرة، بسبب مرض والده، ورسوّه بالسرير.

تلك كانت أقسى مرحلة مرّ فيها خليل عبر حياته. ألفى نفسه فتى، وعلى كتفيه مسؤولية رجل ورب عائلة، حتى لم يتردد أخوته، وأمه على الأخص، في اعتباره رجل البيت [5] بكل ما للكلمة من معنى. إذًا، اضطر خليل، تحت وطأة الحاجة، إلى العمل مع عمال البلدية في رصف البلوكاج [6]، حتى صرف أغلب مراهقته في العمل الشاق وتحمل المسؤوليات.

وما أَن عاد الوالد إلى العمل ودرّت له الأرباح حتى رفض أن يبقي خليل عاملًا بسيطًا، فأراد أن يكون لابنه مهنة “يعتاش” منها. وبقي خليل يتردد على حوانيت الإسكافية [7] طلبًا للخبرة والأجر الأَفضل [8].

“لكن الفتى خليل لم يكف (في أثنائها) عن تثقيف ذاته” بكتب جبران التي شغف بها حتى أشك أنه راح يحفظها عن ظهر قلب. ثم عزم على تعلم اللغة الفرنسية، فكان له ذلك، ما وفّر له الاطّلاع على “شعر الفرنسيين الرومنسيين” [9] واستمر لا يطيق الإقامة على عمل يدوي زمنًا طويلًا، فيتركه إلى عمل آخر حتى قيّض له العمل مع الجيش البريطاني في ضواحي بيروت، وكان مشرفًا على عمال، وقدّر له أن يجمع بعض المال، ما أتاح له العودة إلى مقاعد الدراسة في كلية الشويفات في العام 1946، فنال منها الشهادة الثانوية “هايسكول” في عام واحد. وانحدر إلى الجامعة الأميركية في بيروت، ونال منها شهادة البكالوريوس في الفلسفة، وبعدها نال شهادة الماجستير بأطروحة في الفلسفة العربية عنوانها “العقل والإيمان بين الغزالي وابن رشد” [10].

وفي أثناء إقامته في بيروت وتوليه التعليم فيها بعد نيله شهادة الماجستير، كان لخليل تجارب كثيرة أمكننا الإلمام ببعض منها، وأولاها تجربته في الحزب السوري القومي الاجتماعي، إذ انتمى إليه مع الأعداد الأولى الذين رأوا فيه خلاصًا لأمتهم. لكنه ما لبث أن غادره على خلاف عقائدي بينه وبين رئيسه جورج عبدالمسيح، وكان مقيمًا آنذاك في الشام، يسافر مرارًا (إليه) بصحبة إنعام رعد أو غسان تويني، ويجريان مناقشات طويلة على العقيدة بلا طائل. وكان انفصال خليل عن الحزب مدويًا في وجدانه، وكان مثار كآبات ووحشة [11]. أُضيف إلى ذلك سبب أساسي في كون شخصية خليل المستقلة تأبى الخضوع لشخصية الحزب المسيطرة، حتى إنه قال عبارته المأثورة “للحزب الأعمارُ كلها، أما أنا فلي عمرٌ واحد” [12]. وحين تعمق حاوي في مأساة الحزب تبين له أن الفشل متولد من زوبعية فئة فيه وأَخذها بالثورة مبدأ عامًا من دون أن يسبقها تمهيد نفسي أَو صيرورةٌ تبدّل الكائن من داخل [13].

“وعام هجم الفرنسيون والإنجليز والإسرائيليون على القناة أي عام 1956، نظم خليل قصيدة انطوت على غضبٍ شديدٍ، وميلٍ إلى القومية العربية وكأنّها سبيلُ الخلاص من الفراغ الذي خلّفه خروجه من الحزب القومي” [14]. “وجعل يصرح بعد ذاك أن قضية القومية العربية كانت بالنسبة إليه قضاءً وقدرًا وليست له حرية أَو اختيار إزاءها، يحيا ويموت بها ومن أجلها”.

بين الجامعة وسفره إلى لندن وكامبردج، كان للشاعر بعض تجارب عشق، منها ما كان “أَصداء لحبه الأول في ضهور الشوير” [15]، ومنها ما كاد ينتهي إلى ارتباط زواج لو كان للشاعر طاقة على التقيد بشروطِه المكبلة لحريته.

ومن هذا القبيل أنَه فسخ خطوبة كان عقدها على الآنسة عبلة أبي عبدالله في العام 1953، وكانت على شيء كثير من التعلم والطيبة والانفتاح [16]. ولا يعني ذلك أن علاقته بالمرأة انحصرت بمن ذكرنا، فقد تنوّعت علاقاته بتنوّع المحيطات التي تعاطى معها، ثقافيًا وفنيًا. ففي لندن وكامبردج وسوهو، حيث عانى التغرب والانسلاخ، كان له من علاقته مع ديزي الأمير ما أَعانه على تخطّي بعض من أَزماته. وأوشك أن يعلن خطوبته عليها في العام 1956، إلا أن أمرًا حال دون ذلك. لست لأقلل من أهمية صداقات التعليم التي كانت موضع افتخاره وأمله في آن. وقد أَذكر عفاف بيضون لما كان لها من أَثر في إحاطة خليل بشيء من الرعاية الفنية، إذ كانت تواكب شعره شرحًا وتصنيفًا فلسفيين.

مهما قيل في هذا الشأن (أو قد يُقال لاحقًا)، بقيت صورة المرأة – الأم على مثاليتها ونقائها عند خليل حاوي، شعرًا وحياة؛ وقد أَقامت “أم خليل” عند ابنها في بيروت، ترافقه أنّى حلّ ورحل، موفرة له شروط الرفاه والحنان في آن [17].

منذ أن نال حاوي شهادة الدكتوراه من جامعة كامبردج عن أُطروحة حول “شخصية جبران وإطاره الحضاري”، بقي يمارس التعليم في الجامعة الأميركية، أَستاذًا لمادة الفلسفة فيها. كما مارس التعليم، تطوعًا ومجانًا، في كلية التربية في الجامعة اللبنانية، أُستاذًا لمادة النقد الأدبي فيها، في بداية السبعينات من القرن الماضي، ونال أعلى شهادة جامعية من الجامعة الأميركية قبيل موته.

انتحر خليل حاوي (أو أريد له الانتحار؟) في أَوائل حزيران/يونيو 1982، بُعَيْدَ أن حاصر الإسرائيليون بيروت – حيث كان – واحتلوها. بيد أن الموقفَ العلمي، بل الموضوعي من حادثة انتحاره، في لحظة تاريخية بينة في صراعيتها، يقتضي مني أن أطرح التساؤلات الآتية:

– هل يعد انتحار الشاعر خليل حاوي دليلًا لا يُردّ على انتمائه السياسي، وبالتالي ينبغي قراءة نتاج الشاعر الشعري في ضوء هذا الانتماء؟

– هل يصح النظر إلى النتاج الشعري عند خليل حاوي، والشعراء جميعًا، باعتباره ترجمة للخطاب السياسي أو انعكاسًا لمجريات سيرته الشخصية؟

– هل ثمة عوامل أخرى من أيّ طبيعة كانت (نفسانية، أسلوبية، جمالية) ساهمت في دفع الشاعر إلى لحظة الانتحار؟

لئن كنتُ غيرَ معني بالإجابة مباشرة عن تساؤلات ذات طبيعة سيرية، ما دامت دراستي تتناول نصوصًا شعرية بعينها، بل مجموعات شعرية ثلاثًا هي مجمل المدونة، وليست دراسة بيوغرافية، فإني أفترض أن تحليل هذا النتاج ربما يكشف عن دلالات وموضوعات وطوايا في نفس منشئه الشاعر خليل حاوي تخالف الانطباع الأيديولوجي الأول، استنادًا إلى معطيات توفرها المدونة، أي الأعمال الشعرية المعنية بالدراسة، فحسب. وأيًا تكن التحديات والصعوبات التي تحول دون تحقيق تلك الغاية، فإن مجرد الخوض في تجربة نقدية ذات منهجية رموزية (سيميولوجية) متداخلة العلوم تتناول تجربة شاعر بقامة خليل حاوي، كفيلٌ بالكشف عن العديد من مظاهر كتابته الشعرية ومستوياتها، والتحولات التي أصابت كتابته وموضوعاته على امتداد أعماله الشعرية، وهي تجليات “لمجموع العلاقات الواعية وغير الواعية، والذاتية، والاجتماعية، وفي وضعية صراعية من التمثل والتدمير والبناء” [18] التي يقيمها الأدب، بحسب جوليا كريستيفا، مع ما عداه من الفاعليات الماثلة في إطاره الحضاري، وفي نصه بشكل خاص.

خليل حاوي
خليل حاوي

أعماله الأدبية والنقدية

شعرًا:

– ديوان خليل حاوي (مجموعات ثلاث: نهر الرماد – نهر الرماد – بيادر الجوع)، دار العودة، بيروت، 1972.

–  الرعد الجريح – دار العودة – بيروت، 1976.

 – جحيم الكوميديا – دار العودة – بيروت، 1979.

نثرًا:

– جبران خليل جبران، شخصيته وإطاره الحضاري – دار العلم للملايين – بيروت، 1982.

– العقل والايمان بين الغزالي وابن رشد – لا يزال مخطوطًا قيد الطبع.

– أحاديث صحفية تتجاوز الخمسين – بمثابة وجهة نظر نقدية خاصة به – كان الأستاذ إيليا حاوي في صدد جمعها وطباعتها.

منهج البحث

“إن الكلام نسق من العلامات، لذا تجتاحه أنظمة رموز تشكل كلها أَنساقًا رموزية: إلى حد أن نعتبر التواصل يمر عبر نسق من الرموز لا من الإشارات” [19].

ربما لا يكون هذا التعريفُ شاهدًا بإطلاقيته على الشعر، وبالأخص شعر خليل حاوي الذي اخترت ديوانه [20] مدونة لدراسة بنيوية رموزية [21]، لكنه يطرح فرضية أن كل كلام، شعرًا ونثرًا، يملك طاقة على التواصل في ما بين النص الشعري والقارئ والتأثير فيه، تتفاوت بين صنف آخر ونوع وآخر.

لئن أضحى الشاعر خليل حاوي أسطورة يثار حولها النقاش وتنشأ المقاربات، كان أدعى بي، أنا المتتبع آثاره، أن أصوغ نظرة إلى نتاجه تكون أكثر موضوعية وإخلاصًا، تدنو قليلًا من إِخلاص الشاعر لأمته وشعره ونفسه على السواء.

إِلا أن ادعاء الموضوعية والعلمية المطلقتين في مقاربة أيّ نص، وبالأَخص إذا كان شعرًا حديثًا، أمر مبالغ فيه، ولا استبعاد بالتالي لذوق القارئ في انتقاء النص الملائم قيمَه الجمالية أو الفكرية – أي حين يكون القارئ هو الباحث ذاته – وهذا شرط أول لإقامة التواصل المقصود بين طرفيه: النص الشعري والقارئ. من هذا المنطلق، سعيت إلى منهج يسمح لي بالنفاذ إلى عمق عالم النص الشعري المعنوي، نص خليل حاوي، لكن من دون أن تفقد وسيلة النفاذ هذه من موضوعيتها وجدتها وجدواها في آن. ذلك أن الاعتراف، أول الأمر، بعمق مدلولات الشعر العربي الحديث، ربما يمهد الطريق لاختبار المناهج النقدية الأدبية، قديمها وحديثها، عربيها وغربيها، لإظهار مدى كفاءتها في إضاءة أبعاد النص الشعري. هذا يعني أن لاعتماد المنهج أثرًا في مسار الدراسة وغايتها العلمية والنظرية في آن. فاختياري المنهج الرموزي بوصفه أداة كاشفة بعض أبعاد النص الشعري ناشئ من قراءاتي المتفاوتة عمقًا في النقد الغربي، وبالأخص ما كان يندرج تحت عنوان الألسنية وما تفرع منها من علم دلالة [22] وعلم رموز [23] وعلم رموزية شعري [24]. ولئن كانت هذه العلوم النقدية لا تزال، في الغرب، موضع مُساءلة وتطبيق على الخطاب النثري والشعري في جميع مجالات استخدامه، فإن حدة النقاش حول صلاحية التراث النقدي العربي وقدرته الكاشفة [25] ارتفعت أخيرًا، إلى أن طاوَل هذا النقاش بعض مناحي التنظير اللساني والتطبيق الألفبائي في آن.

ربما يصح القول إن لعلم الرموزية الشعرية – وهو نتاج حضاري عام – جذورًا في التراث النقدي العربي القديم. وليس صدفة أن يبادر عدد متزايد من علماء اللغة العرب [26] إلى ربط كشوفات الأقدمين بإنجازات الألسنية الحديثة وعلم الرموزية العام والشعري. لكن إدماج هذا الإرث اللغوي العربي بالغربي لن يحول دون استنطاق المناهج النقدية وإِبراز قدرتها على وصف النص الشعري الحديث أو الوقوف عند حدودها المحبطة أحيانًا.

يتخذ المنهج الرموزي الذي اعتمده لنفسه أداة أساسية في مقاربة أيّ نص، وهي شبكة واصفة ذات عناصر لغوية وتركيبية معينة؛ إذ أن مقاربة أيّ نص (شعريًا كان أم غير شعري) بغاية الكشف عن عالمه الدلالي تخضع لسيرورة تامة: تبدأ في مرحلة وصف أشكاله اللغوية لتبلغ مرحلة تأويل مضامينه التي حملتها الأشكال الآنفة، فكيف إذا كان النص شعريًا ومتميزًا بأنظمة رموزه الخاصة، والمقوننة، والفريدة؟ [27].

هذا ناشئ من رؤية النص المتمايزة غاية المقاربة الرموزية، ذلك أن للنص الشعري، بحسب هذه المقاربة، مستويين أساسيين، هما مستوى الشكل والتركيب، ومستوى المضمون. ولا يمكن النفاذ إلى المستوى الأخير (المضمون) إلا من خلال إبراز البنى الشكلية (الشكل) التي تحمل أقدارًا متفاوتة من المضامين [28].

إذًا، تتفرع المقاربة الرموزية – انسجامًا مع هذه الرؤية – إلى مرحلة أولى، أدعوها مرحلة الوصف الشكلي والبنياني، وإلى مرحلة ثانية أدعوها مرحلة التأويل، وأعني بها إِبراز المضامين التي تحملها الأشكال الموصوفة في النص [29].

أفيد، في المرحلة الأولى، من إنجازات الألسنية وعلم الرموزية الحديثين. أما في المرحلة الثانية، فأُعنى بربط الدلالات ضمن هيكلية عامة، مستعينًا لهذه الغاية ببعض المفاهيم النفسانية القادرة على تصنيف الصوَر المتواترة والعلاقات التي يشير إليها النص [30]. وبهذا المعنى، يصير المنهج البحثي الوصفي – التحليلي الذي نزمع تحقيقه في دراسة كتابة خليل حاوي الشعرية متعدد الميادين، وفق ما تقتضيه بنى النصوص الشعرية وأبعادها وأساليبها.

حين أكتفي بإبراز نتائج التأويل، أي المرحلة التالية من المقاربة الرموزية، لا أَنقص من مكانة مرحلة الوصف ودورها (الإحصاء، الجداول.. إلخ)، إنما أُشير إلى فاعلية مرحلة الوصف وجداولها، إذ يُعد الوصف اللغوي والشكلي خادمَ المعنى الأدبي، لا العكس.

لوحة سموقان أسعد
لوحة سموقان أسعد

الشبكة الواصفة

أما الشبكة الواصفة فيمكن ردها إلى عناصر هي كناية عن معايير وصفية مستمدة من علم الرموزية الشعرية، وأهمها الآتية:

– المستويات: باعتبار أن الشعر المدروس يتكون من مستويات عديدة، متضافرة في ما بينها، وهي: المستوى المطبعي [31]؛  المستوى الإيقاعي – العروضي [32]؛ المستوى المعجمي- الدلالي [33]؛ المستوى البياني – الدلالي[34]؛ المستوى التركيبي – الدلالي [35]؛  المستوى الهندسي – الدلالي.

– اللافت من المستويات: ونعني به أن تشكل الظواهر النامية لكل من المستويات المذكورة مجالًا يحسن بالباحث أن يتتبعه، حالما تتكرر مفرداته أو تعابيره وألفاظه وأشكاله في سياقات شعرية دالة.

– اعتماد المصطلحات الواصفة في كل مستوى، فتغطي أغلب المظاهر اللافتة فيه، واستخراج ما تنطوي عليه من دلالات مرتبطة بالموضوع المحوري الذي يفرض ذاته على ما عداه. على سبيل المثال، يمكن اعتبار مصطلحات، من مثل: الحقل المعجمي والكلمة – المفتاح والحقل الدلالي وغيرها مصطلحات واصفة ما دامت قادرة على تعيين جزئيات دلالية في النص ذات اتساق في ما بينها، ما يتيح للقارئ – المحلل أن يربطها ويستخرج مضامينها ويستنبط منها الفكرة أو الموضوع المعالج فيه (النص). ثم إن نسبة “الدلالي” الى كل مستوى من المستويات المذكورة متأتية من تضمنها مقدارَا من الدلالات، إما تكون ماثلة لعيان القارئ وإما تحتاج إلى تأويل من خلال تقصي آثارها في النص، على خفتها أو ضآلتها أحيانًا. لكن الثابت أن الدلالات موجودة حكمًا في هذه المستويات، وإن بمقادير متفاوتة مما ينطوي عليه المستوى المعجمي – الدلالي. والمعلوم أن هذه المصطلحات الواصفة هي من ابتكار علم الألسنية الحديثة وعلم الرموزية وعلم الدلالة وغيرها.

بناء على هذا، يحسن بالباحث اعتماد مفهوم الحقل الدلالي، وأعني به مجموع القيم المعنوية التي تتضمنها مجموعة معينة من سياقات المحور الدلالي “الجسد” في نتاج خليل حاوي، والتي تصب أغلبية أوصاف الجسد فيها في خانة العقم. وهذا ما يدعو الباحث إلى اعتبار الحقل الدلالي “الجسد العقيم” حاملًا دلالات جديرة بالدراسة والتحليل المعمق. هكذا تجتمع للمحور الدلالي أو الجسد حقولٌ دلالية متلائمة: الجسد المشوّه، الجسد الضحية، الجسد المتناثر.. الخ، إلى أن يتم وصف كل المحاور الدلالية في المدونة وتفريع كل منها إلى حقول دلالية ملائمة، مع العلم أن “الكلمات، في الشعر، لا تدل – دلالة قاطعة أو مرجعية – إنما توحي بالدلالات”، بحسب بنفنيست (Benveniste) [36].

إذًا، تشكل هذه المفاهيم المذكورة شبكة تحليلية يعتمدها الناقد السيميولوجي أو الرموزي لوصف الاشكال اللغوية حاملة المضمون.

التأويل

تبدو مرحلة التأويل الأكثر بروزًا في المقاربة إذ تستغل نتائج الوصف (الشكلية) لتحليلها والنفاذ من خلالها إلى أخص محاور النص الدلالية. حسبها أن تكون ممثلة رؤيةَ الشاعر الفكرية والنفسية وتجربته الوجدانية – الغنائية. وتأتي مرحلة التأويل بعد أن يؤدي الوصف الكمي أو التتبع شبه الإحصائي دورًا في الكشف عن فئات من الصفات والحالات والجمل تتواتر فيها قيمٌ معينة متماثلة ومتجانسة، في سياقات عديدة من المدونة، تشكل بمجموعها حقلًا دلاليًا أو حالة أو جانبًا من رؤية الشاعر. ذلك هو شأن حقل العقم الدلالي في تضاده مع حقل الخصوبة، على سبيل المثال.

لكنّ إشكالية ربما تنشأ في تحديد أَيّ المحاور الدلالية قد يكون أَكثر تمثيلًا لهذه الرؤية؛ فمثلًا: ما الدافع لتفضيل موضوع “الخصوبة/العقم في عناصر الجسد” على ما عداه من الموضوعات الممكنة في نتاج حاوي؟ِ

إن اللجوء إلى الإحصاء في هذه الحالة يمكن أن يدل على حجم كل محور دلالي لكنه لن يسعه، وحده، أن يحسم في مسألة ربط المحاور الدلالية (المصنفة إِحصائيًا، وعلى جداول) في ما بينها، إذ يؤدي ذلك إلى نشوء موضوع جدير بالمعالجة.

إذًا، لا بد من الاستعانة، في لحظة الاختيار هذه، بما كتبه الشاعر ونظّر له، أَو بما أشار إِليه في توطئات قصائده (مثلًا) حول مسألة فكرية بالغة الأهمية برأيه، والتي يمكن أن تحفز جزءًا أَساسيًا من نتاجِه الشعري. فإشاراته المتكررة والصريحة إلى الخصوبة مرفقة بضدها العقم، ربما تسمح بمباشرة موضوع “الخصوبة/العقم في أعضاء الجسد” الذي دلت سياقاته الكثيرة على أهميته (العددية) بالمقارنة مع غيره من الموضوعات أو المحاور الدلالية التي سبق الكلام عليها.

لكن، يمكن اعتبار بعض الموضوعات ثوابت في العالم المعنوي الذي يحاول الشاعر صوغه في نتاجه. فدراسة المكان يمكن أن تشير إلى شبه العالم (Quasi-monde) الذي يجعله الشاعر إطارًا مرجعيًا (Referent) لأشيائه [37]، يسقط عليه انطباعاته وتصوّراته. كما أن معالجة موضوع الزمان في المدونة من خلال سياقاته المصنفة ربما تلقي مزيدًا من الضوء على المضامين الفكرية العميقة في جانب من النتاج. وهذا الأمر يستلزم تأويلًا من قبل القارئ – المحلل بعودته إلى المنابع الفكرية التي نهل منها حاوي، فأسقطها على موضوعه الشعري.

المنهج الرموزي الجدلي الداخلي – الخارجي

لئن كان على النقد الموضوعي أن يتبين الحدود التي يبلغها التواصل الانفعالي بين النص الأدبي والقارئ، مستعينًا بأكثر المعايير فعالية والمستمدة من العلوم المختصة بتحليل الشعر (الألسنية، علم الرموز، علم الدلالة، علم التداولية، البلاغة، البلاغة الحديثة، علم البيان والبلاغة والعروض، والصرف والنحو)، فإنه اقتضى على الناقد والباحث أن ينطلق من النص ذاته ليكشف عن العالم الدلالي الكامن في أَعماق البِنى اللغوية الموصوفة.

لولا ثقة هذا المنهج بأولية النص، أي بصلاحيته أن يكون المرجع الأول لتحديد عالم الشاعر المعنوي، لما كانت الشبكة الواصفة المذكورة. أما الجدال في أولية النص على ما قبله وما بعده، وموقع الشعر في موازاة التاريخ والسياسة، ومكانة الشاعر حيال نصه، فأمر يمكن تبيّنه في مسار نقدي طويل، منذ أن خاض طه حسين معركته ضد منهج التأريخ الأدبي [38] في أواخر ثلاثينات القرن الماضي، وثار في وجه التيار النفساني – الشخصاني في الأدب تيار النقد الاشتراكي الواقعي [39]. ومن هذا المنطلق، أعتبر هذا المنهج داخليًا، أَي يلج عالم النص الدلالي من داخله، واستنادًا إلى أَعماق رموزه اللغوية الصغرى والكبرى.

من نافلِ القول إن المناهج النقدية التي نظرت إلى الأدب، والشعر الحديث خصوصًا، نظرة تسجيلية لم تقو على سبر أَعماق الإبداع الشعري، كونها اكتفت بالتوثيق التاريخي لهذا النص المبدع أو ذاك، أَو على الأكثر، حاولت تصنيفه انطلاقًا من الموضوع الأكثر تواترًا على صفحات النتاج.

على أن مناهج نقدية أُخرى سعت إلى تحليل مضمون الشعر والأدب عامة وشرحه، مستعينة بالعلوم الانسانية: تارةً تلقى ضوءًا من التاريخ السياسي على النص، وتارة أُخرى تستدل بالفلسفة الاجتماعية والاقتصادية، وتتكّئ حينًا على علم النفس أَو الفلسفة [40] لتؤكد بشواهد من النص على صحة هذه النظريات.

لا يعني إنكاري بعضَ هذا المنهج (أو المناهج) أَنني أَستبعد العلوم المذكورة، نهائيًا، من مجال مقاربة النص الدلالية، إنما قد يفيد بعض منها (وبالأخص علم النفس) لإضاءة جانب ربما يستعصي على التحليل الموضوعي البحت، من داخل النص المعني.

الأَمثلة على هذه المناهج كثيرة، فهي تسعى إلى إسقاط رؤيتها المسبقة على النص من دون النظر إلى خصوصياته ولا إلى رموزه المتواترة، وكأنه (أي النص) ليس إلا ظلًا هزيلًا للعوالم الإنسانية المتداولة. فالشاعر خليل حاوي ذاته يعي هذه الحقيقة حين تقول: “وقد أَدى اكتشاف الأنموذج الأَصلي في النقد الأدبي الحديث، إلى التركيز على العمل الأدبي نفسه، فأعاد الأَهمية إلى الأدب، بما هو فن ولم تعد الأعمال الأَدبية وثائق اجتماعية أَو سياسية أَو تاريخية ولم يعد النقد دراسة لسيرة الشاعر أَو عصره أو مجتمعه” [41].

ليس من العلمية أو الموضوعية اعتبار النص الأدبي والشعري خاصة، مرجعًا ثانويًا، لبعض القوالب الفكرية الجاهزة. وليس موضوعيًا استبعاد تحليل الشعر لغويًا، واللغة حاملة المضمون ومرجعه، أو من دون الاستناد إلى إِيحاءاتها الدلالية.

في المقابل، ربما ينعدم الفرق الجوهري بين النظر إلى النص من داخل بِنَاهُ المعنوية من دون الاستعانة بأيّ مرجع أَو منهج خارج عنه، حتى ولو كان يمتّ إلى العالم المعنوي للنص المعني بصلة، وبين إِغراق النص الأدبي موضع النقد بسيل من الانطباعات النفسية والاجتماعية والسياسية (المنهج الخارجي) [42]. ذلك أن المنهجين يبطلان، كلا على حدة، الاعتراف بركني الأدب الأَساسيين: الشكل والمضمون. فاستقلالية المستويين وإن لضرورة نقد النص وتحليله، تستدعي أدوات وصف، أي مناهج تتلاءم مع مادة كل مستوى وعناصره.

لهذا، يبدو المنهج الجدلي الداخلي – الخارجي أكثر ملاءمة لوصف شكل المضمون وتحليله، وهذا لا يعني مطلقًا أن خصوصية الأدبي التي يسعى النقد الموضوعي إلى إِبرازها قد يصيبها بعض الإِهمال إن طاول النظر النقدي المستوى الشكليّ حينًا والمستوى المضموني حينًا آخر؛ إذ يقتضي تفريع النظر النقدي للنص إلى زمنين متلاحقين: زمنِ الوصف المتصل بمستوى الشكل وعناصره، وزمن تأويل أَشكال المضمون. وربما يستعين هذا الأَخير ببعض مفاهيم علم النفس كي يسعه كشف الغموض عن بعض الهواجس اللافتة بتكرارها في النص.

اخترت شعر خليل حاوي، وتحديدًا ديوانه، بوصفه مدونة قابلة للتحليل من مستويات عدة، لكونها تمثل جانبًا من الشعر الحديث، برؤياه الفكرية والجمالية، تستحيل مقاربته بنفس الأَدوات النقدية التقليدية.

ربما يؤول اعتماد نهج معين في مقاربة النص إلى رؤية نقدية شاملة تسقط هيكليتها على بنية العمل النقدي العامة؛ فيبدأ الباحث دراسة المستوى الشكلي في المدونة، أولًا، لأمر ينسجم مع مسار العملية النقدية ومع الطبيعة الثنائية، التي تكون عليها اللغة الشعرية (شكل ← مضمون) في آن.

لذلك، يبدو الإيقاع أَحد أَخص مظاهر المستوى الشكلي في المدونة، موضوع الدراسة، إذ ترتبط به مجموعة المظاهر الشكلية والبنائية الأُخرى. ولئن اعتبرتُه المجال الأول (زمنيًا) للمعالجة، فهذا لا ينفي ضرورة اندماجه في عمارة نقدية واحدة، تؤدي مستوياتها المحللة، كُلًا على حدة، أبعاد المدونة الدلالية والجمالية.

من هذا المنطلق، عددتُ المستويين: الموضوعات – الصور، يتبعان بالتتالي مستوى الإيقاع، إذ أن مستوى الموضوعات لا يلبث أن يفرض ذاته على الباحث من خلال تواتر سياقات معينة، تكون دالة على هواجس معنوية تتطلب الإِيضاح، بناءً على مبدأ التواتر العامل على “إظهار تنظيم الخطاب الشعري” [43].

أَما مستوى الصور فيقتضي تصنيفَ عناصرها وتحديد أَنماطها الأُسلوبية، يتخطيان حدود الملاحظة الكمية الدلالية، إلى النظر عميقًا في ارتباطها بنفسية الشاعر أَو في وظائفها الدلالية المتنوعة [44].

تعريف بالمنهجية المعتمدة في الفصلين:

(المستوى الإيقاعي، المستوى الدلالي)

الفصل الأول: المستوى الإيقاعي – الدلالي

ربما يفرض واقع الشعر رؤية كاملة تطال عنصرًا هامًا من العناصر التي تكوّن شعرية أَية قصيدة، عنيت به الإيقاع، و”حسبنا أن بالإيقاع يغوصُ الشعر عميقًا، أبعد من اللغة إلى جذور طبيعتنا العضوية والنفسانية” [45].

يعي الشاعر ذاتُهُ أهمية الإيقاع والنغم الحاسمة، إذ يقول “لا يفترق النغم والغناء في مفهوم الشعر الحديث عن كلمة البدء الإِلهية التي سمت الأَشياء فأَخرجتها من الفوضى الأُولى، بل رحم العدم إلى وجود عدنيْ البراءة والانسجام” [46].

يضيف “يكون اهتمام الشعراء المحدثين بالإيقاع وتمازج الأَصوات وأَلوانها وظلالها في الحروف والمقاطع، وفي وحدةِ البيت التي تتحقّقُ على حساب اللفظة بما هي وحدةٌ لغوية أَولية، محاولةٌ جدّية شاقة لإِلغاء النسبية في اللغة وجعلها قادرة على التعبير عن المطلق” [47].

إذًا، ربما ترفدنا مقاربة الإيقاع بمختلف مظاهره (الأَوزان والقوافي والتركيب والأصوات) بملاحظة موضوعية حول رؤية الشاعر الفنية التي يمكن أن تدلّ على رؤية أَشمل.

أحاول، في بادئ الأَمر، أن أُفيد من الأُصول التراثية لأَستدل من خلالها على مواطن الإبداع الأُسلوبي في المدوّنة المعنيّة، وما كان متعلقًا منها بالإيقاع، كأن أَستنطق قدرات هذه الأُصول على وصف مستويات الإيقاع التي ذكرتها، ومن ثم أعاود قراءتها بحسب الدراسات البلاغية والرموزية الحديثة والمعاصرة.

بعدئذٍ، أَعمد إلى تحديد المدوّنة التي يصار إلى دراسة مظاهر الإيقاع فيها. جزّأت هذه المقاربة إلى ثلاثة: أولًا، البيت الشعري: أَسعى في هذا الجزء إلى أن أُعالج إِشكالية البيت الشعري عند خليل حاوي، واقتضى هذا الأمر توضيح العلاقة بين القوالب العروضية ووظيفة البيت الشعري البنيوية؛ ثانيًا، إيقاع الوزن: في هذا الجزء أَصنف النظام الوزني السائد في المدونة المعنية، وأَتتبع بعدئذٍ العلامات الوزنية اللافتة التي يمكن أن تنتظم في أَنساق ذات إيقاع دال، وأَعمد إلى استنطاق هذه الأنساق الوزنية مستعينًا بالتركيب لإِثبات بنية للبيت الشعري أكثر استخدامًا، في حين لا أَتردد في وصف الأَوزان التي كانت قوالب عروضية لقصائد المدونة كلها؛ وثالثًا، إيقاع الأصوات: أتبين في هذا الجزء العلاقات الممكنة بين الصوت والمعنى، وقد اعتبرت القوافي إِحدى ظواهر هذا الائتلاف المفترض وجوده. واقتضى ذلك إبراز الأنساق التقفوية الأكثر تواترًا وندرة في آن، من دون إنكار دورها البنيوي في توحيد أَجزاء القصيدة الطويلة، والإيحاء بهيكليتها ذات الهندسة المتكاملة. على أن الربط الدلالي (الضروري) بين كل مستوى إيقاعي على حدة وسياقاته، والذي أُحاول  القيام به على امتداد المقاربة، ربما يكشف جانبا فكريا ونفسيا كامنًا في حوافز الاسلوب ذاته.

الفصل الثاني: المستوى الدلالي

انسجامًا مع هذه الانطلاقة، سعيت إلى معالجة الجانب الدلالي في الديوان، وتحديدًا الموضوعات الأكثر تواترًا أو الأكثر استحواذًا على الشاعر، على أن أَصف لاحقًا هذه السيرورة العملية التي اتبعتها كي أَصل إلى شيء من الإِحاطة بهذه الموضوعات. ثمة دافعان إلى ذلك: الأَول، قراءاتُ الديوان الذاتية غير المنهجية في البداية، التي تركت فيَّ انطباعًا بوجود هواجس معنوية وفكرية بل انفعالية تنتابُ النص – المدونة – وتترجم هواجس الشاعر اللاواعية؛ والثاني، ما اطلعتُ عليه من دراسات فكرية وتاريخية حول الهمّ الذي تملّك الشاعر وجعله يقدم شعره، على أنه تجسيم حضاري لذات جماعية.

لكنّ هذين الدافعين لم يحولا دون البحث عن أَدوات نقدية موضوعية تعيد إلى النص الشعري ألقه الخاص. فالنقد الموضوعي “لا يحتفل بما كُتب عن الأدب أكثر من الاحتفال بمباشرة الآثار الأدبية نفسها” [48]. تلك هي مهمة القراءة الموضوعيةِ والجادة، أن تضيء الجوانب الخفية في النتاج الأَدبي والشعري الحديث خصوصًا، من دون انتقائية تبريرية تترك المجال واسعًا أمام التأويلات المسبقة والجزئية. من هنا، كان بديهيًا أن أَلجأ إلى أدوات الرؤية النقدية القادرة على إِبراز عوالم المعنى عند الشاعر.

ليست هذه الادوات إلا بعض المفاهيم الرموزية واللغوية التي يمكن أن تشكل الشبكة النقدية الملائمة لقراءة أَيّ نص شعري وتحليله. وتتلخص في الآتي:

– يملك النص الشعري بذاته بِناه المعنوية التي يمكن تتبعها من خلال قراءات متأنية.

– إدراك مسبق بأن كل موضوع أَو حقل دلالي [49] في النص الشعري يتشكل من رموز لغوية [50].

– يرتكز إِخضاع الرموز اللغوية لتصنيف ما إلى القيمة المزيدة [51] التي تميّز كل رمز لغوي.

– هذا يستتبع بالضرورة التمرس بكيفية التبويب والتصنيف، بدءًا من تسجيل السياقات (الأَبيات) التامة التي تحمل رمزًا لغويًا معينًا، مرورًا بتصنيف الرموز اللغوية هذه تحت عنوان القيمة المزيدة الواحدة، وانتقالًا إلى وضع القيم المزيدة في إِطار حقل دلالي جامع، وانتهاءً بتنظيم هذه الحقول الدلالية في عوالم معنى، يصار في ما بعد إلى مناقشتها وتأويلها، بعد إِجراء هذه التصنيفات كلها على السياقات الدالة فحسب. وغنيّ عن القول إن كل مفهومٍ ذكرته بالتتالي يشكل بذاته مرحلة أَسعى إلى تسجيل عناصرها على لوائح مستقلة. فمثلًا، “عالم الحيوان” في مدونة ديوان خليل حاوي هو موضوعة أَو تيمة [52] متواترة في ثلاثة وتسعين سياقًا. وللعدد – أو الاحصاء – هنا دور في الإفصاح عن مقدار أَهمية التيمة، حينئذ، أي بعد أن يتثبت الناقد من صلاحية هذه التيمة، يستند إلى هذه السياقات الثلاثة والتسعين ليحدد القيم المزيدة التي تتوزّعها، ليستخلص منها جميعها الدلالة الإجمالية المستفادة في المدوّنة المعنيّة .

لكن، هل يكفي مجرّد النظر إلى سياقات تيمة الحيوان في شِعر خليل حاوي ليمكن تصنيف قيمَها المزيدة، أَقله في لوائح مستقلة، لكل قيمة مزيدة لائحتها؟ الواقع أن تصنيف القيم المزيدة ضمن أَيّ موضوعة ربما يفيد من الإمكانيات المعنوية التي يمكن أن تثيرها موضوعة الحيوان في ارتباطها بالموضوعات الأُخرى المتداخلة معها (موضوعا المكان والزمان والشخصيات وغيرها). لربما انتظمت هذه القيم المزيدة في ثنائيات ضدية أو ثنائيات متجاورة، ولربما أثبتت السياقات وجود ثنائيات ضدية أخرى مختلفة عن تلك التي افترضناها في منطلق بحثنا وقراءتنا الأولى السياقات المعنية التي تتألف منها قصائد المجموعات الشعرية الثلاث، فاقتضى إبدال الافتراض بآخر أكثر انسجامًا مع معطيات القصائد الدلالية التي سبقت الاشارة اليها.

لوحة لسموقان أسعد
لوحة لسموقان أسعد

موضوعة الحيوان

– قيم مزيدة.

– حقول دلالية.

– ثنائية ضدية: عدواني/مسالم.

– ثنائية ضدية: زاحف/طائر.

– ثنائية ضدية: مدعاة للتفاؤل/مدعاة للتشاؤم.

– ثنائية متجاورة: حيوي – منطلق.

تبقى الإِشارة إلى الحقل الدلالي في موضوعة الحيوان مثلًا مرهونة إلى حد ما باستكمال تصنيف القيم المزيدة. فالحقل الدلالي “الحيوان الأسطوري” نشأ من تكتل قيم مزيدة تهبنا كل واحدة منها معلومة إِضافية عن طبيعة هذه الأسطورة:

– الحقل الدلالي: الحيوان الأسطوري.

– الحيوان الهائل الحجم.

– الحيوان المتحول سحريًا.

– قيم مزيدة.

– الحيوان المحرر.

– الحيوان المرتبط بالمكان الجديد.

لا يعني التحدث عن حقل دلالي واحد – على صعيد المستوى الدلالي فحسب – كالحيوان الاسطوري مثلًا اقتصار البحث عن الإمكانيات المعنوية التي للمسند “أسطوري”، بل يحسن بالقارئ، اكتشاف الروابط المعنوية بين الحيوان الأسطوري والمكان – الذي تحدد نوعه السياقات المكانية المرتبطة بسياقات “الحيوان الأسطوري” – كما بين هذا الحقل الدلالي وموضوعة الزمان والجسد البشري، إذا أَمكن السياق القريب ذلك، مثلًا ليس للحقل الدلالي معنى واحد، بل دلالات كثيرة تبعًا لارتباط سياقاته بعضها بالبعض الآخر. وهذا يدفعنا إلى الحديث عن تأويل الحقول الدلالية، حالما ينتهي الباحث من تنظيم سياقاتها تبعًا للقيَم المزيدة في كل منها، وبعد أن يستنفد كل الحقول الممكنة في المدونة [53].

إذًا، تتطلب المرحلة الأَخيرة من الكشف الدلالي [54] وعيًا لمجموع العلاقات التي ينشئها كل حقل دلالي على حدة، وكل الحقول الدلالية متخذة في سياق عالم معنوي واحد. يصار في هذه المرحلة إلى صوغ نص تحليلي يحاول أن يبسط الباحث من خلاله الاستنتاجات أو العلاقات الدلالية التي تتضمنها المدونة.

لكن ربّما يوقع هذا الأمر الباحث المحلل في نوع من التكرار البنيوي إذا لم يحسن استخدام بعض الأدوات أَو المفاهيم في علم التحليل الأَدبي – الرموزي الذي يتقاطع مع بعض المصطلحات النفسانية. كأن يستشف من خلال السياقات الدالة على الحيوان وجود علاقة ما، بينها وبين الرموز السياسية أو النفسانية العامة، والمضمرة في النص: ربما يسوّغ هذا الأمر أن الشاعر ذاته أَفاد من مصطلح “الأنموذج الأصلي” مقتبسًا إياه من يونغ إذ يقول “إِن الشاعر حين يستخدم الأنموذج الأَصلي يتحدث بصوت أقوى من صوته ويرتفع بالفكرة التي يعبر عنها فوق مستوى الوقتي والعرضي إلى مستوى الأَزلي والأَبدي” [55].

للباحث أيضًا أن يكتشف المحاور المعنوية العامّة التي تستحوذ على مضامين المدونة، فيرى مثلًا أن ثنائية ضدية تطغى على مجموع الحقول الدلالية، قطباها التشوه والمثال، فيحاول على أَساسها أن يظهر توزّعات العلاقة، وبالتالي توزع الحقول الدلالية بمعانيها واختلافها، بتجاوزها وتناقضها وتكاملها في آن، ومدى ترجّحها بين التشوّه والمثال.

ربما تفرض هذه المهمة (محاولة الكشف عن المحاور المعنوية الاساسية) وجود شبكة نقدية قيد التكوّن عند الناقد، تعينه على تقصّي الغنى الدلالي الكامن في النص الشعري الحديث. من هنا، هذا التردّد أحيانًا في مقاربة بعض الموضوعات التي شكّلت إلى زمن موضع تساؤل لدى النقّاد الذين تناولوا الشاعر خليل حاوي بالدراسة [56].

إِلا أن الأَداة النقدية، والمرجع الأَخير الذي يمكن أن يستند إليه الباحث في تحديد رأيه وإِثباته موضوعيًا هو قدرته على تصنيف عناصر هذا الرأي، انطلاقًا من نصّ المدونة ذاته. وهذا ما أَشار إليه مرارًا الشاعر – الناقد خليل حاوي في بعض كتاباته النقدية [57].

ربما يتزامن ما حاولت أن أَذكره هنا عن أَدوات مقاربة النص الشعري الدلالية، أو عن المنهجية العامة التي يتبعها الناقد الأدبي الرموزي، مع اختيار المجال أو المستوى [58] المعني بالتحليل. فاختياري مثلًا المستوى المضموني يمكن أن يفرض عليّ شكلًا من أَدوات المقاربة تتفاوت اختلافًا. وربما كان وصف اللغة الشعرية، أي وصف صيغها التركيبية وعناصرها المعجمية، يتطلب تصنيفًا آخر، يأخذ بعين الاعتبار خصوصية الوصف اللغوي برموزه وعلاماته، ولأَن للمدونة الشعرية، كما قلت، أبعادًا ومستوياتٍ كثيرةً ومتكاملة في آن.

تبيّن لي، بعد قراءة متأنية وتصنيف السياقات، أن الثنائية الضدية الخصب/العقم، والثنائية الكمال/التشوّه، محوران دلاليان يتجاذبان موضوعات المدونة. ورأيت، قبل إجراء دراسة الموضوعات، أن أُقيم مقارنة بين طبعة المدونة القديمة وبين الطبعة الجديدة لأَكون علي بيّنة من البدائل التي اعتمدها الشاعر في الطبعة الجديدة، ما يعين، لاحقًا، على إدراك الخصوصيات الأُسلوبية والدلالية في آن، والتي أَصابها شيء من التبدل تبعًا للمراحل النفسية والفكرية التي عاشها المنشئ (الشاعر).

اخترت في بدء دراسة الموضوعات كل السياقات الدالة على الجسد، أُعالجها وأَتبين من خلالها العلاقات الدلالية التي تنسجها باتجاه المحاور المذكورة، وبالأخص ثنائية الخصب/العقم. وتركت المجال واسعًا أمام الاحتمالات الدلالية التي تهبني إِياها السياقات.

سعيت بعد ذلك إلى دراسة بعض الشخصيات المستحوذة في المدونة، التي يمكن أن تدل على واقع نفسي وفكري يعيشهما الشاعر (البحار، السندباد، لعازر، الخضر، جنية الشاطئ، البصارة، زوجة لعازر، مريم المجدلية). إلى ذلك، اعتمدت دراسة للمكان من خلال سياقات قصيدة “لعازر عام 1962″، على أن أَقوم بدراسة للزمان في بحوث لاحقة.

إذ أختار تحليل الصورة الشعرية في المدونة المعنية، والتي أولاها الشاعر أَهمية مطلقة في بعض دراساته النقدية، أحاول أن أُقارب الموضوع بأدوات منهجية تصنيفية يمكنها أن تصف واقع الصورة الشعرية، وأَن تؤول في ما بعد توزع أَنواع الصور الشعرية على امتداد النتاج كله (تشبيه، استعارة، رمز، أنموذج أصلي).

بديهي في تقصّي الصور الشعرية تسجيلها كلها في لوائح إِحصائية تبين فيها الصفحة والبيت الشعري حيث الصورة، كما تبرز السياق الواردة ضمنه، وتحدد إلى ذلك عناصر الصورة الأَساسية.

ولقد حاولت الإِفادة من مكتسبات البلاغة العربية المعاصرة في بداية الأمر، عساها تعين على تحليل الصور الشعرية بأنواعها المعيّنة أَعلاه تحليلًا معمقًا، لكن سرعان ما بدت لي قاصرة همها على الناحية الشكلية التزيينية من دون إِدراك غاية هذه الصور من التعبير عن نفس مبدعها.

لكن، حين رجعت إلى عبدالقاهر الجرجاني [59]، أَحد المنابع البلاغية، أدركت المدى الشاسع الذي يفصل رؤيته الدور التعبيري عن رؤية نقاد معاصرين يقصرونها على الشكل التزييني والدور التوصيلي، وحسبهم أَنهم ينتمون إلى مرحلة الانحطاط بكل مميزاتها الفكرية والأسلوبية.

رحت أَستنطق ما يقدمه الجرجاني من أَدوات للتحليل، حتى أَدركت الحدود التي يقف عندها؛ إذ على الرغم من أَهمية ما قدمه الجرجاني، إلا أَنه فاته أن يقيم الإثبات مثلًا على دور الرموز أو النماذج الأصلية (وهي تحديدات للصور الشعرية حديثة تخص الاتجاه الرمزي في الشعر) أَو على العلاقة القائمة بين الاستعارة وعلم النحو، أو على الحقول الدلالية، حيث تنتظم الصور الشعرية. وهذا ما حاول النقد الغربي الحديث التطرق إليه بأدوات كان له أن ينمّيها من خلال كشوفاته المتلاحقة، وخصوصًا علم الرموزية الأدبي، وعلم البلاغة الجديد، والألسنية بكل توجهاتها، وأَخصها التي عُنِيتَ بالنص الأَدبي.

جزأت الفصل، أي بحث الصورة، في أَربعة أَجزاء: الأول، التشبيه: عالجت فيه التشبيهات كلها الواردة في المدونة، وسعيت إلى تصنيفها بحسب القيم المزيدة، بغية تحليلها والكشف عن ارتباطاتها الدلالية بالموضوعات الأَساسية. ولم أَكتف بذلك، بل أَفردت حيزًا لإِعادة تصنيف هذه التشبيهات من وجهة نظر تركيبية (نحوية)، لأدلّ بها على تواتر هذا الشكل التركيبي أَو ذاك، بما يؤكد تفضيل الشاعر إِياه غاية اسلوبية أَو دلالية؛ الثاني، الاستعارة: تتبعت الاستعارات الأَكثر تواترًا في المدونة، والتي يمكن أن تستحوذ على اهتمام الشاعر أَو تشكل هاجسًا معنويا ما. بعدئذ، عمدت إلى تحليل سياقاتها مستفيدًا من بعض مصطلحات علم النفس، ومحاولًا الكشف عن مدلولات غامضة فيها. كما أَفردت مجالًا آخر لبحث الأَشكال التركيبية المتواترة التي اتخذتها هذه الاستعارات، ظنا أَنها تشير إلى ظاهرة أُسلوبية ومعنوية تميزانها؛ الثالث، الرموز: حاولت تتبع الرموز [60] التي أَولاها خليل حاوي أهمية بارزة على امتداد المدونة، مصنفًا إِياها بين رموز طبيعية ودينية ومادية لأَبحث في دلالات كل منها، من خلال سياقاتها، حتى تبينت السيرورة التي تنخرط فيها من بداية المدونة حتى خاتمتها؛ والرابع، النماذج الأصلية: قاربت النماذج الأَصلية [61] كما حددها الشاعر متأثرًا بيونغ [62]، وصنفتها وعمدت إلى تحليل مدلولاتها المتباينة بتباين سياقاتها. واعتبرت أَنها تتداخل والرموز الأسطورية – الدينية معبرة عن لاوعي فردي وجماعي في آن. حددت النماذج الأصلية على أنها “شكلٌ من التمثيل معطى مسبقًا، ينطوي على موضوع كوني تتمثل فيه بنية النفس البشرية، وتشترك فيه الثقافات كلها، لكن بأشكال رمزية متفاوتة”.

انتهيتُ إلى أن الصور الشعرية تمثل أَدوات بالغة الأهمية في التعبير المكثف عن انفعال الشخص (الشاعر). كما تبدو الأَشكال الجمالية الأَقدر على إِضفاء شعرية التعبير على السياق الشعري المعني. لكنها، على الرغم من أَهميتها، تبدو عنصرًا شعريًا ينبغي دمجه في وحدة عضوية متكاملة مع عناصر أُخرى، ليس آخرها الإيقاع.

أَصالة المنهج الرموزي

لوحة لسموقان أسعد
لوحة لسموقان أسعد

ربما يفترض أحد النقاد أن المنهج النقدي المذكور يولي الطرائق الغربية (الرموزية والألسنية وغيرهما) اهتمامه كله، ولا تذكر آراء القدامى إلا من قبيل الاشارة إلى شمولية العملية النقدية. والواقع أن اختيار المنهج الرموزي (ذي التسمية الغربية) لمقاربة النص الشعري لا يتنافى وإعادة النظر بالموروث النقدي واستطلاع قدراته الكاشفة. فحين أَعتبر الصورة الشعرية حاملة بعض هواجس الشاعر وارتكاساته لا أَستند إلى اكتشافات الأَلسنية – النفسانية الغربية فحسب، بل أيضًا إلى نظرة عبدالقاهر الجرجاني، أَحد أَئمة علم المعاني والبلاغة العربية، القائل مثلًا بارتباط الصورة الاستعارية بمحمول نفسي عند المبدع:

“فأنت كالليل الذي هو مدركي…”.

“فأنت إذًا مع الشاعر إِذا وقع المعنى في نفسك غير ممثَّل، ثم مثّله كمنْ يخبرُ عن شيءٍ من وراء حجاب، ثمّ يكشفُ عنهُ الحجابُ ويقولُ ها هوذا، فابصرْهُ تجدْهُ على ما وصفتَ” [63].

يبدو قولًا كثير الادعاء اعتبار أن العرب مبدعو هذا العلم الأول (السيمياء الأدبية)، على أن إِسهامهم الهام في مجال المعاني هو ما يدفع مؤسسي هذا الاتجاه الرموزي الغربيين إلى أن يطرحوا ضرورة الإِفادة من الميراث النقدي في الحضارات كلها، وأَخصها الحضارة العربية. فأنا لن اتحدث هنا عما أَضافه الناقد ابن جنّي، بثاقب نظرته الجمالية، كما لن أُفرد بابًا للآراء الأُسلوبية لجماعة المحدثين، من أَمثال الجاحظ [64] وقدامة بن جعفر وعبدالقاهر الجرجاني وأَبي الهلال العسكري الذين أَقاموا المعادلة بين جمال اللفظ ومحموله المعنوي، ومدى أَثره في القارئ، حسبي أن ذلك يخرج عن نطاق المقدمة. وما يعنيني هو أن أُسجّل للنقّاد العرب الأُصوليين جميعًا هذا الوعي الحاد بضرورة المعنى في النص الأَدبي، والاهتمام (الشكلي) بضرورة تواصله مع القارئ “يفخم المعنى بالتّمثيل، وينبل ويشرُف ويكمل، فأول ذلك وأَظهره أن أَنسَ النفوس موقوفٌ على أن تخرجَها من خفيّ إلى جَليّ، وتأتيها بصريحٍ بعدَ مكنيّ”.

لم يشكّ النقدُ الأدبيّ العربيّ يومًا، منذ نشأته ورسوخ مكانته على يد علماء البيان والمعنى، بأن مهمّته الجوهرية تكمن في تقصّي المعنى والمضمون في النص الأدبي. “فالمعنى، إذًا، أَشْيَعُ وأسيَرُ حكمًا من اللفظ، لأَنَك في اللفظي متصوّرٌ لحال المعنويّ، ولستَ في المعنويّ محتاجًا إلى تصور حكم اللفظي” [65].

في هذا تكمن غاية المنهج الرموزي، أَي في الكشف عن المعنى المختبئ وراء الأشكال اللغوي والجمالية للشعر.

إذًا، ربما تشكل هذه الدراسة السيميولوجية أَو الرموزية إِسهامًا في تعيين لا يحفل بما كُتب عن الأدب أكثر من الاحتفال بمباشرة الآثار الأدبية نفسها [66]. وهذا المنهج، بلغة الأَلسنيين اليوم منهج داخلي في الأساس، يحاول وصف واقع الأثر الشعري اللغوي والفني، وينفذ قدر المستطاع إلى العالم الدلاليُ مستعينًا بالمنهج الخارجي، وكاشفًا أَنساقه ورموزه بأكبر قدر ممكن مما تتيحه مصطلحات الرموزية الواصفة.

خاتمة

في هذه المقاربة التي سمّيتها “كتابة خليل حاوي الشعرية”، حاولت أن أبرز مستويات هذه الكتابة المختلفة انطلاقًا من مدونة معينة.

لم تكن المقاربة لتستقيم لولا وضعها في سياق حياة الشاعر ومعاناته. فكان التعريف به في مقدمة الدراسة، مستندًا في ذلك إلى أقرب الناس إليه، إلى أخيه الأستاذ إيليا حاوي، وبعض من لازموه. كان بديهيًا أن أصف المنهج الرموزي الذي نسبت إليه المقاربة: فعددت عناصره وأدواته معتبرًا إياه شبكة واصفة للنص الشعري ومحللة إياه، ذلك أن النص الشعري برموزه اللغوية وصوره الشعرية المتفاوتة الأشكال والمضامين، هو محور المقاربة ومآلها (منهج داخلي).

على أن المضامين المغلقة، بعض الشيء، التي تثيرها الأشكال اللغوية المتفاوتة، ربما تتطلب تأويلًا يُستعان له ببعض مفاهيم علم النفس الأدبي (منهج خارجي).

بدأت المقاربة بدراسة المستوى الإيقاعي في ديوان خليل حاوي، لأنني اعتبرته أكثر المستويات بروزًا (وسطحية) بالنسبة إلى القارئ – الناقد. وتبدت لي إشكالية البيت الشعري في نتاج حاوي من أبرز مظاهر الجمالية اللغوية (الأسلوب) التي اعتمدها الشاعر ونظر إلها. دلت البنى الإيقاعية المختلفة (التسطير الشعري، القوافي، اللازمات، الأصوات.. إلخ.) على وجود أنماط شكلية تنسجم مع رؤيا حاوي الشعرية العامة، كما تنسجم مع معاناته الشخصية.

لقد كشف وصف الأنماط الشكلية البنياني اندغام هذه الأخيرة في وحدة عضوية، غدت معها قصيدة حاوي عمارة فنية، متكاملة الأجزاء والعناصر. لكن من دون أن تكف هذه الأنماط عن الدلالة على جانب فكري أو نفسي لافت عند الشاعر.

بعدئذ، مهّدت لدراسة أكثر الموضوعات تواترًا في المدونة: في أن وصفت المنهج الذي خولني انتقاء موضوع “الخصب/العقم في عناصر الجسد”. وجعلت أصنف عناصر المضمون تبعًا لارتباطها بسياقها: فالقيمة المزيدة داخل السياق المفرد، والحقل الدلالي لمجموعة من السياقات، والمحور الدلالي لمجموعة من الحقول الدلالية.

حين باشرت بالتأويل، تبيّن لي أن أغلبية رموز الجسد (الدم، اللحم، الجسد) قد ثبت فيها الشاعر حالتي الخصب والعقم، ليدل بهما على صراع قيمي خارجه حينًا، وعلى صراع نفسي حاد، بين نوازع التسامي والخصب لديه، ونوازع التسفل الغريزي أو العقم، حينًا آخر.

عكست دراسة الشخصيات هذه الظاهرة الصراعية؛ إذ كانت تمثلات نفسية وفكرية تنوعت دلالاتها بحسب مراحل النتاج: ففي حين تبدو مثالية الحافز (الخضر – الفارس.. إلخ.) في بداية المدونة (نهر الرماد) تظهر واثقة الإحباط والتسفل، ومتحولة إلى نقيضها (الخضر – لعازر – التنين) في خاتمة المدونة (بيادر الجوع).

في المقابل، جسدت الشخصيات الأنثوية (الجنية، البصارة، مريم المجدلية، زوجة لعازر) النزعة النفسية العميقة عند الشخص (الشاعر) والكفيلة بتحقيق التوازن بين إشباع الغريزة وتحقيق التسامي الانساني.

إلا أن الحالة العدمية التي أصابتها (الشخصيات) والتي تسربت – حكمًا – من خيبة الشخص (الشاعر) في إنجاز توازنه المرتجى، كما من خيبته إزاء عجز الإنسان العربي عامة، عن تحقيق نهوضه وتساميه الحيويين، هي التي عمت وبسطت سلطانها على خلفية الشخصيات وأدوارها ودلالاتها.

كان للصورة الشعرية الفصل الأخير من الدراسة، لأنها أكثر المستويات تطلبًا للوصف والتأويل في آن.

افدت تباعًا من المناهج البلاغية القديمة، ومن الدراسات الشعرية الحديثة الأكثر فاعلية، لتكوين شبكة واصفة ملائمة لهذا المستوى. رأيت تصنيف أنواع الصورة الشعرية، بعد تعريفها، بما يتوافق ورؤية الشاعر – الناقد خليل حاوي (تشبيه، استعارة، رمز، أنموذج أصلي).

لكن النفاذ إلى عالم الشخص (الشاعر) المعنوي – النفسي من خلال هذه الأنواع – وهو غاية الفصل – اقتضى مني أن أوظف بعض مكتسبات علم الدلالة وعلم النفس لأنجز تأويل كل نوع على حدة.

وانتهيت إلى أن الشاعر استخدم الصور الشعرية المتفاوتة الأشكال والترميز، ليدل بها على معان وتجارب متفاوتة العمق، كما أشار هو في بعض مقالاته النقدية.

وإذ بدت لي – من خلال الملاحظة الإحصائية – الصورُ الشعرية الموصوفة، هاجسية، حين تتكرر بشكل ملفت في النص، باشرتُ في تأويلها وربط نتائجها الدلالية بجميع سياقاتها المصنفة. تبين لي أن الشاعر يحمل كل نوع من أنواع الصور الشعرية جزءًا من معاناته الصراعية بين نوازع الارتكاس والغريزة والتسفّل، وبين نوازع الانفتاح والتكامل الإنساني والتسامي. كان للاستعارة، خلافًا للسلم الصوري الذي نظر له الشاعر المكانة الأبرز، في جماليته التعبيرية (الانفعالية).

أما غلبة الرموز (المفردة) الطبيعية والدينية والميثية على ما عداها من الرموز، وتمثيلها سيرورة النفس – من ذروة المثالية إلى أقصى التشوه – فيسعهما إثبات انتماء الشاعر إلى تيار الرمزية ذات السمات الخاصة به.

حسبي في دراسة هذه المستويات المتفرقة، في فصول ثلاثة، أن أدل على أمر واحد: تضامن مستوى الإيقاع وتكامله مع مستوى الموضوعات، ومستوى الصورة الشعرية، لتشكيل كتابة خليل حاوي الشعرية.

[1] – حاوي ،إيليا (1984) ، خليل حاوي في سطور من سيرته وشعره ،بيروت :دار الثقافة،ص:64.

[2]- المرجع نفسه، ص:65.

[3]- المرجع نفسه ،ص:67.

[4]- المرجع نفسه ،ص:68.

[5]- حاوي ، إيليا (1984) ،خليل حاوي في سطور من سيرته وشعره، مذكور سابقا ،ص:83.

[6]- مقابلة مع إيليا حاوي ، الخميس 7 تموز 1987.

[7]- المرجع السابق ،ص:83-84.

[8]- المرجع السابق ،ص:85.

[9]- المرجع نفسه ،ص:87.

[10]- المرجع نفسه ،ص:98.

[11]- حاوي ، إيليا ، المذكور سابقا ،ص:134.

[12]- مقابلة د.ربى سابا حبيب ، المذكورة سابقا.

[13]- المرجع السابق (إيليا حاوي) ،ص:135.

[14]- المرجع نفسه ،ص:137.

[15]- المرجع نفسه المذكور سابقا ،ص:88.

[16]- مقابلة د.إيليا حاوي ،9 آب 1986.

[17]- مقابلة مع د.ربى سابا حبيب ،3 آب 1986.

KRISTEVA,J.(1972),La révolution du [18] langage poétique,Paris:Seuil,Tel quel,p.14.

[19]- TODOROV,T(1979),Sémantique de la poésie,Paris,Seuil,p.22

[20]- حاوي، خليل (1972)، ديوان خليل حاوي، بيروت ،دار العودة.

[21]- أو سيميولوجية ، نسبة لعلم الرموزية ، أو السيميائية لدى البعض الآخر.

[22]-Sémantique

[23]- Sémiologie

[24]- Sémiologie poétique

[25]- مثلا: المسدّي، عبدالسّلام (1981) ،التفكير اللساني في الحضارة العربية ، تونس ، الدار العربية للكتاب.

[26]- حسن، عبدالكريم (1983)، الموضوعية البنيوية ، دراسة في شعر السيّاب ،بيروت ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.

 [27]-A.J.Greimas et Autres (1972) essais de sémiotique poétique,Paris ,Larousse ,pp:10-20

BARTHES,R.(1970),S/Z,Paris ,Seuil ,p.11 -[28]

MAURON,C.(1995)Des metaphores obsédantes au mythe personnel ,Paris, J.corti.-[29]

Op .cit.. -[30]

[31]-  Laufer ,R.(1989) , le texte et son inscription  Paris,ed.CNRS

[32]- نعني به دراسة المظهر العروضي الذي تتبدّى فيه القصائد لدى حاوي ، الى جانب تتبّعنا الأنساق الإيقاعية المؤتلفة والمختلفة فيها وارتباطها بالسياق.

[33]- KRISTEVA.J(1974),La révolution du langage poétique,Paris,ed.Seuil

[34]- TODOROV.T,et Autres,(1979),Sémantique de la poésie,Paris,Seuil

[35]- MOLINO,j.GARDES-TAMINE,J(1992),3 ed.cor.,Introduction à l analyse de la poésie,Paris,PUF

[36]- SEMEN.revues.org/9486(9-11-2015)

[37]- GREIMAS.A.j,Courtès(1972),Dictionnaire raisonné de la théorie du langage.Paris ,Hachette,p.311

[38]- حسين، طه (1962)،حديث الأربعاء ،القاهرة ، دار المعارف .

[39]- العجيمي، محمد الناصر (1998)،النقد العربي ومدارس النقد الغربي ،دار محمد علي الحامي للنشر والتوزيع.

[40]- كرم ،أنطون غطّاس (2004)، في الأدب العربي الحديث والمعاصر ، بيروت ، دار النهار للنشر ، ص ص:40-48.

[41]- عوض، ريتا (1983) ، خليل حاوي ، بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ،ص:16.

[42]- سويدان ، سامي (1989)،في النص الشعري العربي، مقاربات منهجية ، بيروت ، دار الاداب ،ص ص:17-28.

[43]- GREIMAS,op.cit.p.308-309.

[44]- GREIMAS,op.cit.p.151

[45]- MOLINO.j.TAMINE.j(1992),op.cit.107

[46]- حاوي، خليل (1984)،خليل حاوي في مختارات من شعره ونثره ، بيروت ،دار الثقافة ، ص:124.

[47]- المرجع نفسه ،ص:125.

[48]- حاوي، إيليا، المذكور سابقا،ص.166.

[49]- الحقل الدلالي ، سبق التعريف به على أنه مجموع السمات التي تخصّ كائنا واحدا وتكون مستخرجة من سياقات عديدة ، في العمل الأدبي ذاته.

[50]- الرموز اللغوية هي كلّ وحدات اللغة الصغرى (حروف المعاني ، أسماء ، أفعال ، ظروف..) والكبرى  (جمل ، فقرات ) التي تحمل معاني في ذاتها وفي سياقاتها.

[51]- القيمة المزيدة :هي المعنى الإضافي والمستجدّ على معنى

الكلمة أو المفردة الأصيل ، بفضل صورة أو تحوير أو غيرهما.

[52]- تيمة : تعني الموضوع المتلازم مع فكرة أو طرح أوّلي وتوسعة له في النص من خلال معانٍ مرتبطة بها ومبثوثة في طواياه .

[53]- “محاولة الإمساك بالعلاقات المعنوية (بين مختلف الحقول الدلالية) “GREIMAS,op.cit.p.414

[54]- عوَض ، ريتا ، المذكور سابقا.

[55]- المرجع نفسه،ص:16.

[56]- أبوغالي ، مختار علي (1990)، المدينة في الشعر العربي المعاصر ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، عالم المعرفة، ع 196.

[57]- حاوي، إيليا، المذكور سابقا، ص:166.

[58]- المستوى هو كلّ “مخطط أفقي يفترض مسبقا وجود مخطط آخر موازٍ له ،…المستوى المضموني مثلا الذي يوازيه المستوى الشكلي ” (غريماس،المذكور سابقا ، ص:172).

[59]- الجرجاني ،عبد القاهر (ط.1982)، أسرار البلاغة في علم البيان، بيروت ، دار المعرفة.

[60]- الرمز هو الكلمة التي “تمثّل وتحدد (احتماليا ) ، بحسب تودوروف في كتابه “نظريات الرمز.

[61]- TODOROV,T.(1977),Théories du symbole,Paris,Seuil, p.238.

[62]- GEOPSY.com.Psychologieinterculturelle et Psychotherapie(psychanalyse jungienne).

[63]- الجرجاني ، عبد القاهر ،(ط 1959)، أسرار البلاغة ، القاهرة ، مطبعة الأزهر ،ص:94.

[64]- الجاحظ (ط.1981) ، الحيوان، بيروت، مؤسسة نوفل، ص:167.

[65]- بن جنّي، أبوالفتح عثمان (ط1952)، الخصائص، الجزء الأول، بيروت، دار الكتاب العربي، ص:111.

[66]- حاوي، ايليا، (1984)، خليل حاوي في مختارات من شعره ونثره المرجع المذكور سابقا، ص: 166.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.