صلاح عناني.. هنا القاهرة

صلاح عناني.. هنا القاهرة

بجناحي “الخصوصية” و”الثورية” يحلق التشكيلي المصري صلاح عناني، الذي تدل رسومه عليه بوضوح دون الحاجة إلى توقيعه، بما يعني أنه لا يشبه أحدا، وتنتقل الطاقة الإيجابية دائما من أعماله إلى داخل المتلقي، فتهز استقراره، وتخلخل ثوابته، بما يؤكد أن الفن لديه حالة تفجير خلاقة، بل ثورة متحققة، مكتملة بحد ذاتها.
الأربعاء 2018/08/01
صلاح عناني صاحب الروح الساخرة

هو ليس على خلاف ولا نزاع مع أحد؛ بقدر ما هو على توافق وتصالح مع نفسه، يرى أن آفة الآفات في الفن والإدارة والسياسة والتعليم، وفي كل شيء، تتمثل في الوقوع في فخ التنميط، حيث تتشرنق الأفكار وتنعزل، ويعلو الضجيج بلا طحن، وتتصدر الشعارات الجوفاء المشهد من دون إنجاز فعلي: الفن العولمي، الديمقراطية الليبرالية، نظرية الناصرية، وغيرها، فيما يعيش الحقيقيون من مبدعين ومثقفين وأناس عاديين بلا مساحيق، في شوارع أخرى تماما غير هذه المنابر والخنادق، التي لا تصلح إلا للتمثيل الرديء المتكلف، أو للخطابة الزاعقة المكرورة.

صلاح عناني، ابن يناير بامتياز، من جهة هو من مواليد 11 يناير عام 1955، ومن جهة أخرى هو من طليعة المحتشدين في الميدان في ثورة 25 يناير 2011، فالمثقف العضوي الفاعل من وجهة نظره لا يكتفي بالجهد الإبداعي والعمل التخصصي الأكاديمي، فهناك أدوار أخرى لا تتحقق إلا بالتلاحم المباشر مع طبقات الشعب، وليس هناك من رافد معرفي وتخييلي وتخليقي وفني أنبل وأصدق من الوعي المتعمق بالوجدان الجمعي للشعب.

يؤمن صلاح عناني بـ”عودة الروح” (عنوان أحد معارضه)، وبأن مصر قادرة على استعادة مكانتها الحضارية والثقافية، وبث إشعاعات قوتها الناعمة داخليا وخارجيا، خصوصا أن السنوات السبع التي أعقبت ثورة يناير 2011 خلخلت كثيرا من الرجعيات الدينية والمقدسات السياسية والبوليسية والأيديولوجية، ويعقد عناني الأمل على الطبقات الشعبية البسيطة في النسيج المجتمعي، وعلى المهمشين والمنفيين، وليس على الطبقة الوسطى التي يراها انتفاعية انتهازية، وليس أيضا على النخب الثقافية والسياسية والحزبية من المعارضين والحقوقيين و”المشبوهين والمصطادين في الماء العكر”، كما يصفهم.

يعرف صلاح عناني جيدا أن المبدعين والمثقفين أقدار: هناك المبدع الطليعي الذي يقود أمة، وهناك “المؤدّي” الذي قد يأتي بجميل، لكنه لا يصل إلى مرتبة الفرادة. يدرك كذلك أنهم طبقات: فهناك الرجعي، وهناك المحافظ، وهناك المتصالح، وهناك الثوري.

• الفن عملية معرفية كبرى والمكونات البصرية المحيطة مواد أولية وخامات للاشتغال

• من مكاسب ثورة يناير 2011 زعزعتها الرجعيات الدينية والمقدسات السياسية والبوليسية والأيديولوجية

ويرى عناني أن المبدع الثوري عليه أن يعاني كثيرا، ويدفع الثمن، إذ يتعرض لكافة أشكال التهميش والتجاهل والإلغاء، ليس فقط من السلطة والإعلام، وإنما أيضا من كثير من فئات المجتمع، التي تبدو في حالة انسحابية انسحاقية بسبب فقدان بوصلة الهوية وتقليص مساحة الحريات وضعف الثقة بالذات، لكنه يعود فيقول “جدعنة المصريين ستنتصر، وتفرض قيمها وإرادتها”.

 حصل صلاح عناني على بكالوريوس التربية الفنية من جامعة حلوان في العام 1977، وعمل كرسام صحافي في مجلة “صباح الخير” بمؤسسة “روز اليوسف”، وكمعيد ومدرس بقسم التصوير بكلية التربية الفنية، ثم شغل منصب مدير قصر الغوري للتراث.

عُرف صلاح عناني بأنه “فنان البداية القوية”، حيث اختير ضمن أربعين فنانا لتمثيل مصر والشرق الأوسط بمؤسسة عالم واحد، وذلك بلوحة “هنا القاهرة” التي عرضت في ألمانيا في العام 1992، كما حصل على جائزة التصوير في بينالي القاهرة الدولي السابع في العام 1998، واقترن اسمه في شبابه بعمل ذائع الصيت، هو لوحة بمناسبة حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الآداب في العام 1988، وقد نُشرت في صدر واحدة من كبريات صحف السويد، كما قام بعمل لوحة تذكارية لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في 1989، وأخرى تذكارية لأبرز الكتاب والمفكرين والفنانين خلال قرن بمناسبة احتفالية وزارة الثقافة المصرية بمئة عام من التنوير، ولوحة “100 سنة سينما”.

وقد لقيت هذه الأعمال صدى جماهيريا ونقديا طيبا، الأمر الذي شجعه على إطلاق معارضه الفردية واحدا بعد الآخر، محققا نجاحا مستحقا، فضلا عن رسومه الصحافية، وتصميماته لعدد كبير من أغلفة الكتب، ورسوم بعض الأفلام التسجيلية، والجداريات، والملصقات، والبوسترات، ليصبح فنانا متنوعا شاملا، ويذيب الحواجز الوهمية بين الإبداع الجاد والمتلقي العادي، وتتنفس الحارة المصرية والشخصيات الشعبية البسيطة في لوحاته حريتها وانطلاقها، وتتحرك في إطار درامي لتصير حقيقية من لحم ودم.

صلاح عناني، صاحب الروح الساخرة، والطبيعة الناقدة، والريشة الكاريكاتيرية أيضا، يسجل ملاحظاته واعتراضاته ليس بدافع الهدم أو طلب الشهرة، إنما بهدف الإصلاح وإعادة البناء على أساس سليم. التقت “الجديد” الفنان التشكيلي صلاح عناني، الزاهد في الأضواء، لتكون معه هذه الفضفضة الحميمة في الفن والثقافة وأمور الحياة.

قلم التحرير

الجديد: اقترنت أعمالك الأولى بعالم نجيب محفوظ، ورموز الفكر، كما في لوحة “مئة عام من التنوير” التي ضمت خمسين علما من أعلام النهضة بمصر؛ منهم: محمد عبده ورفاعة الطهطاوي، ولوحة “مئة سنة سينما” التي تجمع فيها نوابغ الفن السابع عبر تاريخ السينما المصرية. صاحبتْ جدارياتكَ وملصقاتكَ ولوحاتكَ كذلك قيام ثورة يناير 2011 والاحتشاد في الميدان، وتفاعلتْ رسوماتك الصحفية مع الأحداث الكبرى، بما يجعلك فنان التعبير عن مفاهيم، وأفكار، إذ تحمّل أعمالك أمانة ثقيلة، هي القيام بإضاءات فكرية إلى جانب التعبير الجمالي. هل ترى الفن مشغولا بالتثقيف الذهني بالدرجة نفسها التي ينشغل بها بالإمتاع الجمالي الروحاني؟

غراف

صلاح عناني: الفن في تصوري عملية معرفية كبرى، فالمكونات البصرية التي يلتقطها الفنان من البيئة التي يعيش فيها هي مجرد مواد أولية، وخامات للاشتغال، وبدرجة معرفية الفنان وحساسيته تتجسد قدرته على التأليف والإبداع وفق معادلات ومحطات تسلسلية بالغة التعقيد. الانتقاء شرط جوهري، إذ يختار الفنان الأصيل ما يخص المجموعة البشرية المحيطة، بقدر ما يعنيه كإنسان، والمعرفية العالية هنا هي التي تحمي الفنان من أن يكون مرآة ذاتية سطحية تعكس الصور وفق منظور شخصي فردي. وحتى على مستوى الأداء الفني نفسه، لا بد من هذه المعرفية التي تضمن الإتيان بجديد، وإلا سقط الفنان في شرك التكرار.

في هذه الأعمال المشار إليها في السؤال، عن رموز التنوير والسينما، راهنتُ على المختلف، المغاير، وهو جمع هؤلاء الرموز معا في لوحة واحدة، وإكسابهم سمات الأشخاص العاديين، ولم يكن هذا الأمر سائدا وقتها، واتجه آخرون إلى تقليده لاحقا. وهنا أتذكر ما قاله الفنان الراحل بهجت عثمان من أنني أرسم الكاريكاتير بالزيت، والحقيقة أنه كان يقصد المبالغة، وليس الكاريكاتير.

هناك أفكار في الفن بالتأكيد، ومعارف، وذهنيات، لكن الجمال في الرهافة، والانتقاء، وطريقة الاشتغال، وأن تستدعي اللوحة المتلقي إلى داخلها، فيتحد بها، وتتحد به.

الجديد: تلتحم تجربتك الخصبة بالروح المصرية الشعبية ونبض المهمشين، وفي أعمالك يتحرك الشخوص بدينامية عجيبة في المقاهي والحوانيت وفي حلقات الذكر، ويتجسد صغار الحرفيين والموظفين وأصحاب المهن البسيطة والمشايخ والأفندية والعشّاق في الحدائق وعازفو الآلات النحاسية والمجاذيب وسكان الشوارع وغيرهم، بما يمثل انحيازا واضحا للبراءة والطزاجة والخصوصية المحلية. لديك أيضا نزعة سردية في التشخيص التصويري تحيل إلى دراما بصرية وقصص وحكايات من المخيلة ومن التراث ومن نبض الجماهير. كيف ترى التيارات الفنية المنخرطة في التغريب، التي تهمل خصوصية البيئة المحلية والمدرسة المصرية في التصوير، باعتبار أن الإنسان الكوني العولمي هو المتلقي الفعلي للفنون والآداب اليوم؟ وألا تخشى أن يؤدي التصاق الفن بظرفية مكانية وزمانية محددة إلى تقليص دائرة انتشاره خارج الحدود؟

• في كل عصر هناك المثقف الرجعي والمحافظ والمتصالح والمهادن والثوري

• المساحة المشتركة التي تجمع العرب واسعة ثرية وتسمح بتلاقي تجاربهم الفنية

صلاح عناني: القولبة، والتيمات الجاهزة، والموديلات المستوردة حرفيّا من الغرب، هي آفة الآفات، وأكبر عدو ليس فقط للإبداع والفن، إنما أيضا للإدارة والسياسة والتعليم، وسائر المجالات، فالوقوع في فخ التنميط يعني أن تتشرنق الأفكار وتنعزل، ويعلو الضجيج بلا طحن، وتتصدر الشعارات الجوفاء المشهد من دون إنجاز فعلي.

التغريب وهم كبير، والفن العولمي لا وجود له، مثله مثل العولمة ذاتها، فالخصوصيات المحلية لا يقدر أحد على إهدارها وتذويبها. كذلك أتشكك في مصطلحات وتعبيرات وكليشيهات من قبيل: الديمقراطية الليبرالية، العلمانية، نظرية الناصرية، وأراها خدعا وأكاذيب، تستخدمها السلطة للسيطرة على الجماهير، أو يتاجر بها المعارضون والحقوقيون والمتحزبون فوق المنابر، وهي ليست سوى مساحيق، لا تصلح إلا للتمثيل الرديء المتكلف، أو للخطابة الزاعقة المكرورة، التي لم تعد تلائم مجتمعاتنا.

الفنان الكبير لديه طموح كبير دائما إلى أن يكون طليعيا، رائدا، مكتشفا تفاصيل العمليات الدقيقة التي تخص أمته، والمصريون لديهم ميزات لا تُحصى، منها ذلك الميل غير العادي للتجانس والتآلف والاتفاق، والنظام، والعدالة الاجتماعية خصوصا في توزيع الثروات، ونبذ التناحر والفوضى، ومثل هذه المنظومة القيمية الموجودة بالفطرة يمكن أن تقود إلى عقد اجتماعي بين الناس، وبين الحاكم والمحكومين، وهكذا تسفر مفاتيح الشخصية المصرية عن حلول ألطف وأخصب وأفضل من التمسح الشكلي بالديمقراطية، ومن الشعارات التي حولتها الطبقة الوسطى إلى مكتسبات تخصها وحدها، وتنفي الشعب خارج مظلة الاهتمام والرعاية، بل خارج الحياة عموما.

الخصوصية لازمة من لوازم الفن الأصيل، بمعنى القدرة على التذوق والهضم أولا، قبل الإقدام على الطهو، وبديهي أن الطعام الصيني قد لا يستسيغه الأوروبي للوهلة الأولى، وليس عيبا أن يبدو “الفسيخ المصري” مأكلا غير ملائم للمواطن الروسي.

هكذا في الفن، فعندما أقدم على رسم إنسان مصري، أستوعب ذرات روحه كاملة، وأخاطب وجدانه الممتد منذ عشرة آلاف عام إلى لحظتنا الراهنة، فليس هناك من رافد معرفي وتخييلي وتخليقي وفني أنبل وأصدق من الوعي المتعمق بالوجدان الجمعي للشعب.

وحتى التيمات الشعبية في الفن، فإن منها تيارات أغواها التنميط للأسف الشديد، إذ صارت رسوم من قبيل بائع “العرقسوس″ وحاملة “الزلعة” فوق رأسها والفلاحة التي تخبز أمام الفرن، وغيرها، كليشيهات بلاستيكية متكررة، وهنا ينسى الفنانون المقلدون أن جوهر الفن في روحه، في نكهته، في مذاقه ورائحته الشهية.

إن غاية التحدي تتجلى في صياغة مشهد واحد، يبدو للوهلة الأولى لحظيا ثابتا، بينما هو متحرك، ممتد عبر الأزمنة والأمكنة، مستوعب لدراما الحياة وتاريخ البشر منذ آلاف السنين، وهنا لا أقصر اهتمامي على المجتمع المصري، بل على الشعوب العربية كلها، من المحيط الأطلنطي غربا إلى الخليج العربي شرقا، فلا تزال المساحة المشتركة التي تجمع العرب واسعة، ثرية، تسمح بأن تتلاقى وتتلاقح تجاربنا الفنية، وهذا يفسر أن الفنان المصري المتميز له حضور كبير ملموس في سائر الدول العربية، وهذا شأن المبدع الطليعي الذي يقود أمة، وليس الفنان العادي “المؤدّي”، الذي قد يأتي بجميل فعلا، لكنه لا يصل إلى مرتبة الفرادة التي لا يبلغها إلا النادرون، بل الاستثنائيون.

أما الخوف من ضيق دائرة التلقي في حالة الإفراط في الخصوصية والرهان على ظرف زمكاني بعينه، فإنه غير مبرر، فالفنان الأصيل الجاد لا يتعاطى مع الواقع ميكانيكيا لنقله كما هو، فجوهر الفن هو تلك القدرة الفائقة على التقاط الجوهري من المشاع المجتمعي، وإعادة صياغته، وإدماج كائنات ثقافية جديدة في قلب النسق الفني المشغول، وهكذا تبقى الجداريات الفرعونية مثلا مجالا لاهتمام البشر ومتذوقي الجمال في كل مكان إلى يومنا هذا، ويبقى تمثال “أبوالهول” أيقونة تخص الإنسانية كلها على مدار السنين.

الجديد: تحدثت عن “الخصوصية” كجناح لازم لتحليق الفنان خارج حدود القولبة والتنميط. ماذا عن “الثورية”، الجناح الآخر في تجربتك الخصبة المتمردة، وهل ترى أن الدور المجتمعي للفنان من الممكن أن يكون منحصرا في دائرة الإبداع الفني، والتثوير الجمالي داخل تلك الدائرة، أم أن المثقف الفاعل العضوي ينجرف بالضرورة إلى نشاطات ميدانية مباشرة لاستكمال دوره؟ وهل الثورية على الأرض هنا شرط لذلك التفجير الفني؟

صلاح عناني: أحب أن أسجل في هذا الصدد أنني لستُ على خلاف ولا نزاع شخصي مع أحد، من السلطة أو الشعب، بقدر ما أسعى إلى التوافق والتصالح مع ذاتي، فمن سمات الفنان الحقيقي في رأيي أن يكون ذا طبيعة ناقدة، وهل فن الكاريكاتير مثلا يحقق شيئا إيجابيا دون تلك النزعة الساخرة؟

المهم، أن يكون الفنان، والإنسان عموما، هادفا إلى الإصلاح وإعادة البناء على أساس سليم، وألا يكون مغرضا أو منتفعا في ملاحظاته واعتراضاته، كأن تكون هذه الانتقادات بدافع الهدم مثلا أو نشر الإحباط أو طلب الشهرة أو الظهور على منابر النخب الثقافية والسياسية والحزبية من المعارضين والحقوقيين والمشبوهين والمصطادين في الماء العكر، فهنا تتحول الثورية بدورها إلى شعار أجوف، شأنها شأن الشعارات التي تختلف معها.

عملت مع المؤسسة الرسمية في أثناء إدارتي “قصر الغوري للتراث”، وقدمت في هذا الإطار منجزات ثقافية أشرف بها، مثل تعميم تجربة “التنورة” ومد نشاط هذه الفرقة إلى سائر أرجاء العالم، وشرفت بعد ذلك بأن أكون من طليعة المحتشدين في ميدان التحرير في ثورة 25 يناير 2011، الناقمين على أوضاع سيئة تضر بالعباد والبلاد.

هناك أحوال ولحظات فارقة يكون فيها المثقف العضوي الفاعل ملتزما بالتلاحم المباشر مع طبقات الشعب، حيث لا يكفي هنا الجهد الإبداعي والعمل التخصصي الأكاديمي، على أن ثورية الفن، أي تشكُّل العملية الإبداعية وفق رؤى تجديدية، هي ضرورة أبدية بالتأكيد لضمان فاعلية الفن، وإكسابه صلاحية ومقاومة ضد الصدأ والتلف، فلا فن بلا ثورية وفق هذا المنطلق.

في كل عصر، هناك أنماط من المبدعين والمثقفين، فهناك الرجعي، وهناك المحافظ، وهناك المتصالح، وهناك المهادن، وهناك الثوري. نجيب محفوظ، على سبيل المثال، مبدع عظيم، لكنه من فئة المحافظين. يوسف إدريس، سيد درويش، أمل دنقل، مبدعون ثوريون.

تجربتي، باختصار، هي حصيلة التفاعل المباشر مع تجارب هؤلاء العباقرة في فنهم وثوريتهم في آن. أعني هنا بوضوح طبيعة العلاقة مع الدولة، فهي الفيصل لتحديد ما أعنيه من ثورية. مقالات نجيب محفوظ مثلا في “الأهرام” كانت تعبر عن توجه الدولة في أغلبية الأحوال، في حين كانت مقالات يوسف إدريس مرعبة ومزعجة للحكومة وللسلطة.

نعم، على الفنان أن يؤدي دوره في مضمار الفن، في المقام الأول، لكنْ تبقى هناك أدوار أخرى قد ينخرط فيها كمثقف، وكإنسان. قد يكتب المبدع مقالا، وقد ينشر آراءه وتدويناته على الإنترنت وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وقد يلقي محاضرة في الجامعة أو في مؤتمر، وقد ينزل في لحظة ما إلى الميدان، فهي كلها أدوار متكاملة، وإن تصالح المرء مع ذاته هو الذي يجعله هو هو، في هذه النشاطات كلها.

• الوجدان الجمعي للشعب نقطة انطلاق الفن الأصيل والمبدع الطليعيّ هو ذلك القادر على اكتشاف التفاصيل الدقيقة التي تخص أمته

• مصر قادرة على استعادة مكانتها الحضارية والثقافية وبث إشعاعات قوتها الناعمة داخليا وخارجيا

الجديد: هل ترى المبدع الثوري يدفع ثمنا لهذه المعارضة التي تتجسد في مواقفه وفنه، وإن كان هدفه منها هو الإصلاح وإعادة البناء على أساس سليم؟

صلاح عناني: للأسف الشديد، يظل المبدع الثوري على موعد دائم مع المعاناة ودفع الثمن، إذ يتعرض لكافة أشكال التهميش والتجاهل والإلغاء، ليس فقط من السلطة والإعلام وأبواق النفاق والمهادنة والانبطاح، وإنما أيضا من كثير من فئات المجتمع، التي تبدو في حالة انسحابية انسحاقية بسبب فقدان بوصلة الهوية وتقليص مساحة الحريات وضعف الثقة بالذات.

منذ عامين، قدمت معرضا بعنوان “عودة الروح”، وفوجئت بما يشبه حملة ممنهجة لمحاولة إلغائي ومحوي من الوجود، وفرض سياج من حديد بيني وبين البشر، أولئك الذين لا هدف لي إلا محاولة استثمارهم، من خلال معاونتهم على استعادة وعيهم، وربطهم بحاضرهم، من أجل صياغة أجمل لمستقبلهم.

الجديد: “عودة الروح”، معنى مثالي يحيل إلى البعث وإمكانية التشكل والحياة من جديد رغم فترات السكون والخمول الكائنة. هل ترى أن الفرصة لا تزال سانحة لاستعادة وجه مصر الحضاري وعودة قوتها الناعمة إلى المشهد الإنساني المتوهج؟ ما آليات تحقيق ذلك؟ وما الدور المعقود على المثقف؟

صلاح عناني: كنت قد توقفت قرابة 16 عاما عن إقامة معارض فردية، إلى أن جاءت تجربة “عودة الروح” بأعمالها التصويرية وبعض الأعمال النحتية. فكرة البعث لها طابع ديني، كما أنها تعود إلى الفراعنة، والمصريون بحاجة إليها على كل المستويات، ليتحققوا من جديد، كما يليق بهم.

مصر قادرة بلا شك على استعادة مكانتها الحضارية والثقافية، وبث إشعاعات قوتها الناعمة داخليّا وخارجيّا، والسنوات السبع التي أعقبت ثورة يناير 2011 قد أثبتت خلخلة كثير من الرجعيات الدينية والمقدسات السياسية والبوليسية والأيديولوجية، بما يفتح باب الأمل واسعا أمام رياح التغير، حيث تنتصر “جدعنة” المصريين، وتفرض قيمها وإرادتها، فمصر هي قلب الأمة العربية، والمجتمعات العربية هي بقية الجسد، ولا غنى لأحدهما عن الآخر.

الأمل معقود على الفئات الشعبية البسيطة في النسيج المجتمعي، على المهمشين والمنفيين، على الطبقات الأدنى من “الطبقة المتوسطة”، تلك الطبقة الفاسدة التي تتقلد كل المناصب، وتشغل كافة القطاعات والإدارات، وتمارس انتفاعيات وانتهازيات لا محدودة. إن التعويل على الطبقة المتوسطة، وعلى النخب الثقافية و”الشلل المشبوهة”، هو اتكاء على الوهم، فهؤلاء معزولون، مغيبون، فلا هم غربيون بتقليدهم الغرب، ولا هم مشرقيون بتمسكهم بجذورهم، هم لاعبون على الحبال، “راقصون على السلالم”، وفق التعبير الدارج.

• الطبقة المتوسطة منعزلة وفاسدة وانتهازية والأمل في التغيير معقود على المهمّشين والبسطاء

• نحتاج إلى نظرية شاملة و”عقد اجتماعي” لتنظيم العلاقة بين الشعب والسلطة

غراف

من السمات السلبية أيضا لهذه الطبقة المتوسطة، انغلاقها المتعالي، وتعاليها المنغلق، وتعاملها بعنجهية مع إفرازات الطبقات الأدنى، على كل المستويات. في الموسيقى والغناء مثلا، ظهرت تيمات شعبية جديدة، كتلك الأعمال التي يقدمها “أوكا” و”أورتيجا”، ويراها المتحذلقون مجرد “كلام فارغ”، وخزعبلات إسفافية، لكنها في حقيقة الأمر تيار حقيقي ذو جذور، أتى من أعماق بعيدة في التربة المصرية، وحظي بجماهيرية واسعة لبساطته وصدقه وأصالته. إن تكلس الطبقة المتوسطة، وتقوقعها، أدى إلى تكلس المؤسسات كلها، وتعطل ملامح الحياة في البلاد.

المهمّشون والعشوائيون، أولاد البلد، هم الأصدق، وهم الأقرب لجوهر التجربة المصرية الأصيلة، الغنية، الثرية، وهم القادرون على إيجاد حلول مبتكرة للمشكلات القومية والأزمات المستعصية، وهم لديهم خبرات إنسانية عميقة، بالفطرة السليمة وحُسن الاستبصار.

إن ما نحتاجه هو نظرية شاملة، عميقة الرؤية، واضحة الأهداف، تنبني على الوعي بخصائص الذات، وإيجاد آليات على الأرض للتعاملات، بين البشر، وبين السلطة والشعب، وفق “عقد اجتماعي” أو دستور فريد من نوع آخر، يراعي خصوصية الشخصية المصرية الذكية، ومقومات المجتمع الحضارية التي تفوق الحضارات الغربية الهشة بكثير، تلك الكيانات الهيكلية التي يقتصر منجزها على الذكاء الاصطناعي وتطبيقات الحاسب الآلي، لكنها لا تبدع ولا تبتكر، وعلى الرغم من ذلك يقلدها ويحذو حذوها البلهاء و”الأراجوزات”.

السلطة أيضا سيكون لها دور في هذا العقد الجديد، فما لم تنجزه الثورة يمكن أن تنهض به المؤسسات، لكن بشرط أن تتفهم دورها الحقيقي، وتنزل إلى مستوى الناس، وتستعين بـ”جدعنة” المصريين، لتذليل الصعاب، ومواجهة التحديات. على المؤسسات أن تغير تفكيرها هي الأخرى، شأنها شأن الشعب، هكذا يكون التوحد الحقيقي، وأيضا الاختلاف المثمر تحت مظلة المصلحة العامة، لا كما يحدث الآن بين القوى السياسية والأحزاب المتناحرة.

للفن أيضا دور كبير في هذه المنظومة الخلاقة، وللإعلام الحر، وللحراك الثقافي الأهلي الثري بالأفكار الجديدة من خارج الصندوق، وللأزهر كذلك والقوى الدينية المتسامحة حضور وتأثير، بلا إقصاء لأحد قادر على القيام بفعل إيجابي.

نحتاج إلى المزيد من الحريات، وإزالة الاحتقان السياسي، والاستعاضة عن الحلول الأمنية بأخرى تحاورية شاملة بين طوائف المجتمع كلها، وإعادة توزيع الثروات بعدالة أكبر. استمرار الضغوط على هذا النحو سيقود حتما إلى انفجار. إن البلاد تمر بأزمة، بل هي ورطة، لكن الظرف التاريخي يقول إنه في صالحنا، إذا ما حدثت المكاشفة وتم الاستثمار البشري على النحو الصحيح.

الناس دائما على صواب وحق، وهم ثروة البلاد الحقيقية، والطبقات الدنيا هم الحل لضخ فيوضات الثقافة، لكن تبقى آليات استثمار هذه القوة البشرية هي التي تحتاج مزيدا من الجهود والجرأة، سواء من المثقفين، أو من السلطة.

• كبت الحريات والاحتقان السياسي والحلول الأمنية وسوء توزيع الثروات ضغوط مجتمعية يقود تجاهلها إلى حدوث انفجار

• البشر أكثر نضجا من المؤسسات ويجب الاستعانة بهم لإحداث نهضة حقيقية

تبدو السلطة خائفة من الإخفاق، ومن انفلات الأمور عند الخطأ، كما أنها قد تكون محاصرة بمؤامرات الأعداء والطامعين والقوى الاستعمارية الجديدة، لكنها يجب أن تأخذ بالمعطيات، وتتحرر، وتنطلق. كذلك المثقف، فليس دوره أن يعطي الناس مهضما أو مسكنا أو مخدرا، بل عليه دائما أن يكون “عين حورس″ الكاشفة، التي ترى بعيدا، وتحرس، وتفضح المؤامرات.

الجديد: عندما يعيش الواقع الراهن أحداثا هزلية تصل إلى حد الكوميديا، هل يجد الفنان نفسه على أعتاب المبالغات الكاريكاتيرية لطرح انعكاس هذا الواقع غير المعقول؟ كيف ترى ملابسات المشهد المصري بعينيك كإنسان، وريشتك كفنان؟

صلاح عناني: أرى المشهد ليس فقط بعين الكاريكاتير، لكن بكل العيون المتاحة للتعبير الفني، والإنساني على وجه العموم. ببساطة، أرى أن نضج البشر أعلى من نضج المؤسسات، لذلك يجب الاستعانة بالبشر الحقيقيين، لإعادة التفاعل بينهم وبين المؤسسات، وبينهم وبين السلطة، وإعادة تفعيل هذه المؤسسات لتنفض غبار الكسل والاجترار، وتقوم بأدوار مختلفة تحقق مصلحة الوطن دون الإضرار بالناس.

تاريخ المجتمع يجب أن يدعونا إلى التفاؤل، بشرط نسيان موضات التغريب، وتذكر أن الحضارة المصرية استوعبت وهضمت الآخرين، حتى أصحاب القوى الاستعمارية، فلتكن الثقة بالذات، والرغبة في اكتشافها، نقطة الانطلاق.

الغرب أمة عدمية، استهلاكية، اكتئابية الثقافة، ضد الحياة، ونحن أمة الحياة، والابتكار، والمنجز الإبداعي، والعمق الروحي، فلنكن “نحن” إذا أردنا أن نكون.

تصوير: محمـد حسنين

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.