نزار‭ ‬قباني الكلام‭ ‬الأخير

نزار‭ ‬قباني الكلام‭ ‬الأخير

الثلاثاء 2018/05/01
نزار قباني من على جسر لندني: لن اساوم على بيع مئذنة الجامع الأموي

في‭ ‬مقهى‭ ‬مجاور‭ ‬لمسرح‭ ‬وممثلين‭ ‬أخذوا‭ ‬يتدربون‭ ‬على‭ ‬مرأى‭ ‬من‭ ‬رواده،‭ ‬جلسنا،‭ ‬وكان‭ ‬ثالثنا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الجلسة‭ ‬صديق‭ ‬أرمني‭ ‬يتميز‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬الظرف‭ ‬يدعى‭ ‬همبار‭ ‬نركيزيان،‭ ‬وهمبار‭ ‬هذا‭ ‬كان‭ ‬مصور‭ ‬‮«‬النّهار‮»‬‭ ‬المشهور‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبتليه‭ ‬الله‭ ‬بمدينة‭ ‬الآلام‭ ‬لندن‭ ‬ويصبح‭ ‬من‭ ‬سكانها‭ ‬الكادحين‭. ‬كان‭ ‬نزار‭ ‬مبتهجا‭ ‬بصورة‭ ‬استثنائية‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬أيّ‭ ‬منا‭ ‬يتخيل‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الجلسة‭ ‬ستكون‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬سيقوله‭ ‬نزار‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الجلسة‭ ‬سيكون‭ ‬كلامه‭ ‬الأخير‭.‬

لن‭ ‬أصف‭ ‬هذا‭ ‬الكلام،‭ ‬سأتركه‭ ‬في‭ ‬عهدة‭ ‬القراء،‭ ‬لكن‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬قال‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬الكثير‭ ‬مما‭ ‬أراد‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬شهادة‭ ‬أخيرة‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬الشعر‭ ‬والحرية‭ ‬والمنافي‭ ‬والأوطان‭.‬

‭*‬نشر‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬أولا‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬المشاهد‭ ‬السياسي‮»‬‭ ‬أواخر‭ ‬مايو‭/‬أيار‭ ‬1997‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬العدد‭ ‬اليتيم‭ ‬من‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬القصيدة‮»‬‭ ‬المنشور‭ ‬في‭ ‬صيف‭ ‬1999‭. ‬واستعادته‭ ‬هنا‭ ‬هي‭ ‬استعادة‭ ‬للكلام‭ ‬الأخير‭ ‬لشاعر‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭.‬

‭‬قبل‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬قلت‭ ‬لي‭ ‬إن‭ ‬الشعراء‭ ‬فاتحو‭ ‬طرق،‭ ‬وإنهم‭ ‬الأجدر‭ ‬بقيادة‭ ‬الثورات‭. ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬طرأ‭ ‬على‭ ‬تصورك‭ ‬لصورة‭ ‬الشاعر‭ ‬بفعل‭ ‬التطورات‭ ‬والأحداث‭ ‬والوقائع‭ ‬المختلفة‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الشاعر‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬أطلقت‭ ‬هذا‭ ‬الوصف؟

نزار:‬‭ ‬اقبل‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬كانت‭ ‬أحلامي‭ ‬الطفولية‭ ‬أكبر‭ ‬مني‭. ‬وكنت‭ ‬أتصور‭ ‬أن‭ ‬الشعر‭ ‬سلطة‭ ‬لا‭ ‬تقهر،‭ ‬وأنه‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬ينفخ‭ ‬على‭ ‬الأشياء‭ ‬فيحولها‭ ‬إلى‭ ‬جبال‭ ‬من‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬والياقوت‭.‬

بعد‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الإحباطات،‭ ‬والتراجعات‭ ‬والهزائم،‭ ‬تكسّر‭ ‬الحلم‭ ‬إلى‭ ‬مليون‭ ‬قطعة. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬الشاعر‭ ‬يجلس‭ ‬إلى‭ ‬يمين‭ ‬الخليفة،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬العصرين‭ ‬الأموي‭ ‬والعباسي،‭ ‬وإنما‭ ‬صار‭ ‬يجلس‭ ‬تحت‭ ‬نعل‭ ‬الخليفة‭.‬

في‭ ‬الماضي‭ ‬الجميل،‭ ‬كان‭ ‬الشاعر‭ ‬وزيرا‭ ‬للثقافة،‭ ‬ووزيرا‭ ‬للتربية‭ ‬والتعليم،‭ ‬ووزيرا‭ ‬للدفاع،‭ ‬ووزيرا‭ ‬للإعلام‭ ‬ينطق‭ ‬بلسان‭ ‬القبيلة‭ ‬شعرا‭.‬

أما‭ ‬شاعر‭ ‬اليوم‭ ‬فهو‭ ‬عاطل‭ ‬عن‭ ‬العمل،‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬مقهى‭ ‬إلى‭ ‬مقهى. ‬ومن‭ ‬خمارة‭ ‬إلى‭ ‬خمارة. ‬ومن‭ ‬منفى‭ ‬إلى‭ ‬منفى،‭ ‬ومن‭ ‬عصفورية‭ ‬إلى‭ ‬عصفورية‭.‬

إن‭ ‬عظمة‭ ‬الشعر‭ ‬مرتبطة‭ ‬بعظمة‭ ‬الدولة. ‬إذا‭ ‬ارتفعت‭ ‬رايات‭ ‬الدولة‭ ‬ارتفعت‭ ‬رايات‭ ‬الشعر. ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬أحلم‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬شعر‭ ‬عظيم‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬حالتنا‭ ‬القومية‭ ‬هي‭ ‬زفت‭ ‬وقطران‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬قوّاد‭ ‬المنظمات‭ ‬الثورية‭ ‬قد‭ ‬داروا‭ ‬على‭ ‬كعوبهم‭ ‬180‭ ‬درجة‭ ‬مئوية‭. ‬فماذا‭ ‬بوسع‭ ‬الشاعر‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬يفعل‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬يده‭ ‬سوى‭ ‬بندقية‭ ‬عثمانية‭ ‬قديمة. ‬و28 ‭ ‬طلقة‭ ‬رصاص‭ ‬هي‭ ‬كل‭ ‬حروفه‭ ‬الأبجدية،‭ ‬والحروف‭ ‬الأبجدية‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬لقتل‭ ‬دجاجة‭.‬

ويؤسفني‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬إن‭ ‬نصف‭ ‬الشعراء‭ ‬العرب‭ ‬أصبحوا‭ ‬من‭ ‬‮«‬المرتزقة‮»…‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الإنكشاريين‮»‬،‭ ‬الذين‭ ‬يقاتلون‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬السلطة‭ ‬ضد‭ ‬شعوبهم،‭ ‬ويقبضون‭ ‬رواتبهم‭ ‬من‭ ‬خزينة‭ ‬السلطان‭.‬

لذلك‭ ‬أعتذر‭ ‬عن‭ ‬أحلامي‭ ‬القديمة‭ ‬في‭ ‬‮«‬عسكرة‮»‬‭ ‬الشعر،‭ ‬لأن‭ ‬السلطات‭ ‬الحاكمة‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬قد‭ ‬نزعت‭ ‬أوسمة‭ ‬الشعراء،‭ ‬وقلعت‭ ‬النجوم‭ ‬عن‭ ‬أكتافهم،‭ ‬وقلعت‭ ‬ألسنتهم‭.‬

أحلى‭ ‬قصائدي‭ ‬الشعرية

هل‭ ‬يمكنك‭ ‬تقسيم‭ ‬كتابتك‭ ‬إلى‭ ‬محطات‭ ‬كبرى‭ ‬يمكن‭ ‬إضاءتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬علامات‭ ‬محددة؟‭ ‬‮«‬طفولة‭ ‬نهد‮»‬،‭ ‬‮«‬قالت‭ ‬لي‭ ‬السمراء‮»‬،‭ ‬‮«‬هوامش‭ ‬على‭ ‬دفتر‭ ‬النكسة‮»‬‭ ‬و»أبوجهل‭ ‬يشتري‭ ‬فليت‭ ‬ستريت‮»‬‭ ‬مثلا. ‬هكذا،‭ ‬ومن‭ ‬قبل‭ ‬ومن‭ ‬بعد،‭ ‬ولو‭ ‬كنا‭ ‬سنحتكم‭ ‬إلى‭ ‬ذائقتك‭ ‬وعلاقتك‭ ‬الخاصة‭ ‬بشعرك،‭ ‬فهل‭ ‬إن‭ ‬‮«‬أحلى‭ ‬قصائدي‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬مختاراتك‭ ‬أنت،‭ ‬هي‭ ‬مساحة‭ ‬نهائية‭ ‬للاختيار،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬فكرة‭ ‬الاختيار‭ ‬الشخصي‭ ‬تتطلب‭ ‬إعادة‭ ‬نظر‭ ‬تشمل‭ ‬جديدا،‭ ‬لئلا‭ ‬تصبح‭ ‬سقفا‭ ‬للقارئ؟

نزار:‬‭ ‬المحطات‭ ‬الانتحارية‭ ‬في‭ ‬شعري‭ ‬هي‭ ‬حسب‭ ‬تصوري‭ ‬القصائد‭ ‬التالية‭:‬

1-‭ ‬خبز‭ ‬وحشيش‭ ‬وقمر

2-‭ ‬هوامش‭ ‬على‭ ‬دفتر‭ ‬النكسة

3-‭ ‬بكائية‭ ‬لجمال‭ ‬عبدالناصر

4-‭ ‬متى‭ ‬يعلنون‭ ‬وفاة‭ ‬العرب

5-‭ ‬المهرولون

6-‭ ‬أنا‭ ‬يا‭ ‬صديقة‭ ‬متعب‭ ‬بعروبتي،‭ ‬وأخيرا‭ ‬قصيدة‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬مع‭ ‬الإرهاب‮»‬‭.‬

أما‭ ‬‮«‬أحلى‭ ‬قصائدي‮»‬‭ ‬فليس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬دليل‭ ‬سياحي‭ ‬يعطيك‭ ‬أسماء‭ ‬الفنادق‭ ‬والمطاعم‭ ‬والمسارح‭ ‬والكافتيريات‭.‬

وسبب‭ ‬إصدار‭ ‬هذه‭ ‬المختارات‭ ‬هم‭ ‬الناس‭ ‬أنفسهم،‭ ‬فقد‭ ‬كانوا‭ ‬يسألونني‭ ‬في‭ ‬معارضي‭ ‬الشعرية‭ ‬‮«‬أستاذ.. ‬بين‭ ‬خمسين‭ ‬مجموعة‭ ‬شعرية‭ ‬لك‭ ‬نحن‭ ‬حائرون‭. ‬ماذا‭ ‬ننتقي؟‭ ‬فانتق‭ ‬لنا،‭ ‬اعمل‭ ‬معروفا،‭ ‬كتابا‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬ذوقك. ‬علما‭ ‬بأن‭ ‬موازنتنا‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬بشراء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬واحدة‮»‬‭.‬

وهكذا‭ ‬كان. ‬وجمعت‭ ‬القصائد‭ ‬الأكثر‭ ‬جماهيرية‭ ‬وشعبية‭ ‬في‭ ‬شعري‭ ‬وطبعتها‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬واحد‭ ‬اسمه‭ ‬‮«‬أحلى‭ ‬قصائدي‮»‬‭.‬

‮«‬أحلى‭ ‬قصائدي‮»‬‭ ‬كان‭ ‬اختيارا‭ ‬وقتيا‭ ‬وعمليا،‭ ‬ودليلا‭ ‬سياحيا‭ ‬كان‭ ‬صالحا‭ ‬قبل‭ ‬عشرين‭ ‬عاما‭.‬

أما‭ ‬اليوم‭ ‬فإن‭ ‬مدينتي‭ ‬الشعرية‭ ‬تغيرت‭ ‬كثيرا. ‬وصار‭ ‬فيها‭ ‬أوتوسترادات‭ ‬كثيرة،‭ ‬وفنادق‭ ‬كثيرة،‭ ‬وحدائق‭ ‬كثيرة،‭ ‬ومطارات‭ ‬كثيرة. ‬وطائرات‭ ‬جامبو،‭ ‬وكونكورد،‭ ‬وأقنية‭ ‬فضائية‭.‬

لذلك‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬إصدار‭ ‬‮«‬الدليل‭ ‬المفيد‭ ‬إلى‭ ‬شعر‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬الجديد‮»‬‭.‬

‭‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬العربية‭ ‬تتميز‭ ‬علاقة‭ ‬الشعراء‭ ‬مع‭ ‬النقاد‭ ‬بالتوتر،‭ ‬وباللامسؤولية،‭ ‬وسوء‭ ‬الفهم. ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬الصورة‭ ‬هكذا؟


في بيته اللندني بحي نايتس بريدج وتبدو خلفه صورتان: لزوجته بلقيس وابنه توفيق

نزار:‬‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الشعراء‭ ‬والنقاد‭ ‬ليست‭ ‬متوترة‭ ‬فقط‭. ‬ولكنها‭ ‬‮«‬مبهدلة‮»‬‭ ‬وعدوانية‭ ‬كعلاقة‭ ‬الزلاقط‭ ‬بالزلاقط‭. ‬والزنابير‭ ‬بالزنابير‭.‬

السبب‭ ‬في‭ ‬نظري‭ ‬ناشئ‭ ‬عن‭ ‬تقارب‭ ‬المهن‭ ‬بين‭ ‬الشاعر‭ ‬والناقد‭. ‬وغيرة‭ ‬فطرية‭ ‬لدى‭ ‬النقاد‭ ‬تجعلهم‭ ‬يعتبرون‭ ‬القصيدة‭ ‬‮«‬ضرة‮»‬‭ ‬لهم‭.‬

العمل‭ ‬الشعري‭ ‬هو‭ ‬عمل‭ ‬حضاري‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى،‭ ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يُقرأ‭ ‬بحضارة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الناقد. ‬أنا‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬الذين‭ ‬استبيح‭ ‬دمهم‭ ‬مئات‭ ‬المرات‭. ‬لكنني‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬كنت‭ ‬أمسح‭ ‬دمي‭ ‬وأضع‭ ‬قطعة‭ ‬‮«‬بلاستر‮»‬‭ ‬على‭ ‬جرحي‭. ‬وأجلس‭ ‬على‭ ‬مكتبي‭ ‬لأكتب‭ ‬قصيدة‭ ‬جديدة‭.‬

ودعني‭ ‬أعترف‭ ‬لك‭ ‬أن‭ ‬النقاد‭ ‬لم‭ ‬ينفعوني‭ ‬بشيء‭. ‬لم‭ ‬يستطيعوا‭ ‬أن‭ ‬يقدموا‭ ‬لي‭ ‬أيّ‭ ‬خدمة‭ ‬لغوية،‭ ‬أو‭ ‬عروضية،‭ ‬أو‭ ‬بلاغية،‭ ‬أو‭ ‬جمالية‭.‬

لذلك‭ ‬أدرت‭ ‬لهم‭ ‬ظهري‭. ‬وشققت‭ ‬طريقي‭ ‬بأظفاري. ‬وقررت‭ ‬أن‭ ‬أتعلم‭ ‬من‭ ‬الجماهير‭ ‬كيف‭ ‬يُكتب‭ ‬الشعر‭.‬

الناقد‭ ‬والقصيدة

‬حَمَلَتْ‭ ‬إلينا‭ ‬تفاسيرنا‭ ‬الخاصة‭ ‬للمناهج‭ ‬النقدية‭ ‬الحديثة‭ ‬آفة‭ ‬الناقد‭ ‬النرجسي‭ ‬الذي‭ ‬يقدم‭ ‬نقده‭ ‬على‭ ‬الشعر‭ ‬الذي‭ ‬يقرأ‭ ‬أو‭ ‬يدرس. ‬بما‭ ‬جعل‭ ‬النقد‭ ‬يغرق‭ ‬في‭ ‬مصطلحاته‭ ‬وأوهامه‭ ‬ويعطل‭ ‬الممارسة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬كشفا،‭ ‬ومن‭ ‬الناقد‭ ‬صاحب‭ ‬كشوف. ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬اتفاقنا‭ ‬أو‭ ‬اختلافنا‭ ‬مع‭ ‬منهج‭ ‬الناقد. ‬ما‭ ‬هو‭ ‬تصورك‭ ‬لدور‭ ‬الناقد‭ ‬وعمله؟

نزار:‬‭ ‬أنا‭ ‬معك‭ ‬أن‭ ‬نرجسية‭ ‬نقّادنا‭ ‬هي‭ ‬الحائط‭ ‬الذي‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬الناقد‭ ‬وبين‭ ‬النص‭ ‬الذي‭ ‬ينقده. ‬لقد‭ ‬قرأت‭ ‬عشرات‭ ‬المقالات‭ ‬لنقاد‭ ‬عرب‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬ومن‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬حاولوا‭ ‬فيها‭ ‬إضاءة‭ ‬وجه‭ ‬الحداثة‭ ‬في‭ ‬الشعر،‭ ‬لكنني‭ ‬عجزت‭ ‬عن‭ ‬فهم‭ ‬اللغة‭ ‬الهيروغليفية‭ ‬التي‭ ‬بها‭ ‬يكتبون،‭ ‬والواقع‭ ‬أنهم‭ ‬كانوا‭ ‬يحاولون‭ ‬إضاءة‭ ‬وجوههم‭ ‬هم‭ ‬لا‭ ‬وجه‭ ‬القصيدة،‭ ‬والتعتيم‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬النص‭ ‬المنقود‭.‬

ليس‭ ‬هناك،‭ ‬إذن،‭ ‬كشوف‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬يكشفون. ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬تشويش‭ ‬ظاهر‭ ‬على‭ ‬إنجازات‭ ‬القصيدة‭ ‬الحديثة‭.‬

ورأيي‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬للناقد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يمتلك‭ ‬حدا‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬المحبة‭ ‬والتعاطف‭ ‬مع‭ ‬النص‭ ‬الذي‭ ‬يقرأه. ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬لناقد‭ ‬أن‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬القصيدة‭ ‬وهو‭ ‬مدجج‭ ‬بكل‭ ‬أسلحة‭ ‬الدمار‭ ‬الشامل،‭ ‬وبكل‭ ‬غرائز‭ ‬الحيوانات‭ ‬الأفريقية‭.‬

وبانتظار‭ ‬الناقد‭ ‬الحضاري‭ ‬الذي‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬النص‭ ‬بسلوك‭ ‬‮«‬الجنتلمان‮»‬،‭ ‬لا‭ ‬بسلوك‭ ‬قطاع‭ ‬الطرق،‭ ‬سوف‭ ‬تقوم‭ ‬جبال‭ ‬من‭ ‬الملح‭ ‬بين‭ ‬النقاد‭ ‬والشعراء‭.‬

هناك‭ ‬فوضى‭ ‬كتابة‭ ‬شعرية‭ ‬تسود‭ ‬الوطن‭ ‬العربي. ‬الإعلام‭ ‬بأولوياته‭ ‬غير‭ ‬الثقافية‭ ‬ترك‭ ‬للجميع‭ ‬الحبل‭ ‬على‭ ‬الغارب،‭ ‬والنقد‭ ‬مضى‭ ‬إلى‭ ‬التمترس‭ ‬في‭ ‬حصنه‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬تحالفاته‭ ‬مع‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬‮«‬الهيمنة‮»‬‭ ‬والحضور‭ ‬‮«‬بحق‭ ‬أو‭ ‬بغير‭ ‬حق‮»‬‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬إبداعية،‭ ‬وأسماء‭ ‬أدبية‭ ‬وأصوات‭ ‬‮«‬واصلة‮»‬‭.‬

نزار:‬‭ ‬الجرائد‭ ‬اليومية‭ ‬لا‭ ‬تكترث‭ ‬كثيرا‭ ‬بالشأن‭ ‬الثقافي‭ ‬وليست‭ ‬الصفحات‭ ‬الثقافية‭ ‬فيها‭ ‬سوى‭ ‬ديكور‭ ‬متنافر‭ ‬ومتناقض‭ ‬أشبه‭ ‬بكشكول‭ ‬المسحر. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬هذه‭ ‬الفوضى‭ ‬التي‭ ‬تمدّ‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬خنفساء‭ ‬رجلها‭ ‬إلى‭ ‬الصفحة‭ ‬الثقافية‭ ‬لتستعرض‭ ‬فتنتها‭.‬

وربما‭ ‬لعبت‭ ‬الوجهات‭ ‬ومراكز‭ ‬القوى‭ ‬دورا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬قصائد‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالقصائد. ‬وكلمات‭ ‬متقاطعة‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬أو‭ ‬باللغة‭ ‬السنسكريتية‭.‬

إن‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬الثقافي‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬القومي‮»‬. ‬وما‭ ‬دام‭ ‬الحبل‭ ‬فالتا،‭ ‬والحدود‭ ‬مفتوحة‭ ‬إلى‭ ‬كوبنهاغن‭ ‬وغير‭ ‬كوبنهاغن،‭ ‬فقد‭ ‬يأتي‭ ‬يوم‭ ‬تصبح‭ ‬اللغة‭ ‬العبرية‭ ‬اللغة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬جامعاتنا‭ ‬ومدارسنا‭.‬

ثمن‭ ‬تافه

‭‬لو‭ ‬كنا‭ ‬سنحتكم‭ ‬إلى‭ ‬وعينا‭ ‬المعرفي‭ ‬وضمائرنا‭ ‬كمبدعين،‭ ‬هل‭ ‬يبدو‭ ‬الصمت‭ ‬هو‭ ‬الجواب‭ ‬الأمثل‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اللحظة‭ ‬العربية‭ ‬الحالكة‭ ‬التي‭ ‬نعيش،‭ ‬والتي‭ ‬ارتفعت‭ ‬فيها‭ ‬الأصوات‭ ‬القبيحة،‭ ‬وراجت‭ ‬صور‭ ‬الانحطاط‭ ‬الخلقي،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬قول‭ ‬الكلمة‭ ‬الصادقة‭ ‬هو‭ ‬الضرورة‭ ‬النبيلة،‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تجره‭ ‬على‭ ‬صاحبها؟


تمثل هذه الصورة لكرسي القش في بيته الدمشقي مرجعا لسطر في قصيدة: هنا جريدته في الركن مهملة

نزار:‬‭ ‬المبدعون‭ ‬يصرخون‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬بطريقته. ‬الشاعر‭ ‬بشعره،‭ ‬والرسام‭ ‬بألوانه،‭ ‬والمثال‭ ‬بكتلة‭ ‬الحجر،‭ ‬والموسيقي‭ ‬بأوتاره. ‬ولذلك‭ ‬يستحيل‭ ‬أن‭ ‬أتصور‭ ‬مبدعا‭ ‬مصابا‭ ‬بالخرس. ‬حتى‭ ‬الطبيعة‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬الكلام. ‬فالريح‭ ‬تتكلم،‭ ‬والرعد‭ ‬يتكلم،‭ ‬والموج‭ ‬يتكلم،‭ ‬والزلزال‭ ‬يتكلم،‭ ‬والأعاصير‭ ‬تصرخ‭ ‬بعصبية،‭ ‬وعالم‭ ‬الحيوان‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬الهديل،‭ ‬والصهيل،‭ ‬والنباح،‭ ‬والمواء‭ ‬والزمجرة. ‬فكيف‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نطلب‭ ‬من‭ ‬الكاتب‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬يبلع‭ ‬لسانه‭ ‬ويتحول‭ ‬إلى‭ ‬حائط. ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬جبل‭ ‬من‭ ‬الجليد‭.‬

الثمن‭ ‬الذي‭ ‬يدفعه‭ ‬الكاتب‭ ‬هو‭ ‬ثمن‭ ‬تافه‭ ‬جدا. ‬والمبدعون‭ ‬خلقوا‭ ‬ليزرعوا‭ ‬القنابل‭ ‬تحت‭ ‬هذا‭ ‬القطار‭ ‬العثماني‭ ‬العجوز‭ ‬الذي‭ ‬ينقلنا‭ ‬من‭ ‬محطة‭ ‬الجاهلية‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬محطة‭ ‬الجاهلية‭ ‬الثانية‭.‬

أما‭ ‬الكُتّاب‭ ‬الذين‭ ‬يتكومون‭ ‬تحت‭ ‬الشراشف،‭ ‬بانتظار‭ ‬رحيل‭ ‬العاصفة‭ ‬الثلجية،‭ ‬فسوف‭ ‬يبقون‭ ‬معزولين‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬مجتمعاتهم‭ ‬كالدببة‭ ‬القطبية‭!‬

لا شاعر‭ ‬يهددني

‭‬هناك‭ ‬عقدة‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬لدى‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬هي‭ ‬عقدة‭ ‬قتل‭ ‬الأب،‭ ‬والذين‭ ‬يريدون‭ ‬أن‭ ‬يريحوا‭ ‬ضمائرهم‭ ‬من‭ ‬نتائجها‭ ‬يستنجدون‭ ‬بفرويد. ‬ما‭ ‬هي‭ ‬نظرتك‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المسألة. ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬هل‭ ‬تظن‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬العقدة‭ ‬خلق‭ ‬عقدة‭ ‬قتل‭ ‬موازية‭ ‬أخرى‭ ‬هي‭ ‬عقدة‭ ‬قتل‭ ‬الابن،‭ ‬مثلا. ‬تأسيسا‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التشخيص،‭ ‬هل‭ ‬تساوي‭ ‬بين‭ ‬العقدتين،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬روح‭ ‬التمرد‭ ‬الشعري‭ ‬لديك‭ ‬تسمح‭ ‬بتفهم‭ ‬دوافع‭ ‬الأولى،‭ ‬وتستدعي‭ ‬منك‭ ‬الوقوف‭ ‬أطول‭ ‬عند‭ ‬الثانية‭ ‬بما‭ ‬تهدد‭ ‬به‭ ‬الفن‭ ‬من‭ ‬سلوك‭ ‬مضاد‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬يافع‭ ‬أو‭ ‬طالع‭ ‬أو‭ ‬مستقبلي‭ ‬لو‭ ‬شئت؟

نزار:‬‭ ‬بكل‭ ‬صراحة‭ ‬أقول‭ ‬لك‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬التفسيرات‭ ‬بوليسية،‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬القائل‭ ‬بها‭ ‬فرويد. ‬لماذا‭ ‬تتصورون‭ ‬أن‭ ‬الأجيال‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تقتل‭ ‬بعضها‭ ‬بعضا‭ ‬حتى‭ ‬تعيش‭ ‬الأجيال‭ ‬‮«‬اليافعة‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الطالعة‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬المستقبلية؟

لا‭ ‬أحد‭ ‬يستطيع‭ ‬قتل‭ ‬المتنبي،‭ ‬أو‭ ‬أبي‭ ‬تمام،‭ ‬أو‭ ‬أبي‭ ‬نواس،‭ ‬أو‭ ‬أبي‭ ‬فراس‭ ‬الحمداني. ‬وسيوف‭ ‬الحداثيين‭ ‬قصيرة‭ ‬جدا‭ ‬حتى‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تطال‭ ‬رقبة‭ ‬المتنبي‭!‬

واسمح‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أتخذ‭ ‬من‭ ‬نفسي‭ ‬مثالا. ‬فأنا‭ ‬شاعر‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يقف‭ ‬على‭ ‬منبر‭ ‬الشعر‭ ‬منذ‭ ‬خمسين‭ ‬عاما،‭ ‬ولكنني‭ ‬لا‭ ‬أشعر‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أي‭ ‬شاعر‭ ‬حداثي‭ ‬يهددني،‭ ‬ويستطيع‭ ‬تقويض‭ ‬سلطتي‭ ‬الشعرية‭.‬

إنني‭ ‬بعد‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬الشعرية،‭ ‬أشعر‭ ‬أن‭ ‬جمهوريتي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬رافعة‭ ‬أعلامها،‭ ‬وأن‭ ‬جمهوري‭ ‬يمتد‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أجيال،‭ ‬منذ‭ ‬الأربعينات‭ ‬حتى‭ ‬التسعينات،‭ ‬فلماذا‭ ‬لم‭ ‬يقتلني‭ ‬فتى‭ ‬في‭ ‬السابعة‭ ‬عشرة‭ ‬أو‭ ‬فتاة‭ ‬في‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬

لأنهم‭ ‬تربّوا‭ ‬شعريا‭ ‬على‭ ‬يديّ. ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬شعراء‭ ‬الحداثة‭ ‬لم‭ ‬يربوا‭ ‬دجاجة،‭ ‬أو‭ ‬عصفورا،‭ ‬أو‭ ‬أرنبا‭!‬

وجه‭ ‬محمود‭ ‬درويش

‭‬يُخيل‭ ‬إلي‭ ‬أنك‭ ‬واسطة‭ ‬العقد‭ ‬بين‭ ‬شعراء‭ ‬50‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬الحديث،‭ ‬لغتك‭ ‬الخاصة،‭ ‬الحارة،‭ ‬النافرة،‭ ‬بين‭ ‬اللغات‭ ‬الشعرية‭ ‬الأخرى،‭ ‬المتألقة‭ ‬في‭ ‬ريادتها‭ ‬للبساطة،‭ ‬أشاعت‭ ‬جماليات‭ ‬شعرية‭ ‬سائرة‭ ‬على‭ ‬الألسن،‭ ‬وفي‭ ‬ذائقة‭ ‬الأجيال،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬أهّلتك‭ ‬للمكانة‭ ‬التي‭ ‬انتزعتها‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬إلى‭ ‬الماء. ‬ما‭ ‬هي‭ ‬مصادرك‭ ‬ومن‭ ‬هم‭ ‬آباؤك‭ ‬الشعريون،‭ ‬وكذلك‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬الأحب‭ ‬إليك‭ ‬بين‭ ‬الشعراء‭ ‬العرب‭ ‬الحديثين؟

نزار:‬‭ ‬كل‭ ‬شعراء‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬عرب،‭ ‬وفرنسيين‭ ‬وإنكليز‭ ‬وأسبان‭ ‬هم‭ ‬آبائي،‭ ‬قرأتهم‭ ‬جميعا‮…‬‭ ‬ونسيتهم‭ ‬جميعا. ‬فحتى‭ ‬تكتب‭ ‬شعرا‭ ‬جميلا‭ ‬وباهرا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تلغي‭ ‬ذاكرتك‭.‬

منذ‭ ‬عام ‬1944،‭ ‬عام‭ ‬صدور‭ ‬‮«‬قالت‭ ‬لي‭ ‬السمراء‮»‬،‭ ‬قررت‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لي‭ ‬لغتي‭ ‬الخاصة،‭ ‬وبصماتي‭ ‬الخاصة،‭ ‬وأزيائي‭ ‬الخاصة‭ ‬كمصممي‭ ‬الأزياء‭ ‬العالميين‭ ‬فالنتينو،‭ ‬وبيار‭ ‬كاردان،‭ ‬وإيف‭ ‬سان‭ ‬لوران‭.‬

كنت‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬شاعرا‭ ‬له‭ ‬‮«‬ماركته‭ ‬المسجلة‮». ‬فأنا‭ ‬لا‭ ‬أحب‭ ‬الألبسة‭ ‬الجاهزة. ‬ولا‭ ‬القصائد‭ ‬الجاهزة. ‬لذلك‭ ‬صنعت‭ ‬لكل‭ ‬امرأة‭ ‬ثوبا‭ ‬خاصا‭ ‬بها.‬‭ ‬ولكل‭ ‬رجل‭ ‬عباءة‭ ‬خاصة‭ ‬به‭.‬

منذ‭ ‬خمسين‭ ‬عاما‭ ‬قررت‭ ‬أن‭ ‬ألقي‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬200‭ ‬مليون‭ ‬عربي‭ ‬بالشعر‭ ‬وحده،‭ ‬بالحب‭ ‬وحده،‭ ‬بالبساطة‭ ‬وحدها،‭ ‬بالديمقراطية‭ ‬وحدها‭.‬

وها‭ ‬أنذا‭ ‬بعد‭ ‬خمسين‭ ‬عاما‭ ‬أشعر‭ ‬أن‭ ‬قصائدي‭ ‬تسافر‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬إلى‭ ‬الماء. ‬وأن‭ ‬لي‭ ‬ركنا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بيت‭ ‬عربي‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬إلى‭ ‬الخليج. ‬أشرب‭ ‬فيه‭ ‬قهوتي،‭ ‬وآخذ‭ ‬قيلولتي. ‬من‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬الشعراء‭ ‬العرب‭ ‬الحديثين‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬إلا‭ ‬وجه‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭.‬


لم يكن نزار مولعاً بالرخرفة بالكلمات وحسب، وإنما في الفن أشياء بيته ايضا تشي بذلك

برق‭ ‬الريادة

‭‬ما‭ ‬هو‭ ‬تعريفك‭ ‬الخاص‭ ‬للريادة‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬والفن: ‬أهي‭ ‬مثلا‭ ‬علامة‭ ‬زمنية‭ ‬ثابتة‭ ‬لأن‭ ‬الزمن‭ ‬وضعها،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬حركة‭ ‬جمالية‭ ‬في‭ ‬النص،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬جيل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬آخر؟

نزار:‬‭ ‬الريادة‭ ‬هي‭ ‬خروج‭ ‬على‭ ‬المألوف‭ ‬اللغوي،‭ ‬والزمني،‭ ‬والاجتماعي. ‬هي‭ ‬حالة‭ ‬كهربائية‭ ‬تكهرب‭ ‬مدينة‭ ‬من‭ ‬المدن،‭ ‬أو‭ ‬بلدا‭ ‬من‭ ‬البلدان،‭ ‬أو‭ ‬طبقة‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬زمنية‭ ‬محددة،‭ ‬ثم‭ ‬تنتهي‭ ‬الصعقة‭ ‬الكهربائية‭ ‬ويرجع‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬حالتهم‭ ‬الحجرية. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬النهضة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬فجاءت‭ ‬الكلاسيكية،‭ ‬وبعدها‭ ‬الرومانسية،‭ ‬وبعدها‭ ‬الرمزية،‭ ‬وبعدها‭ ‬التكعيبية،‭ ‬والسوريالية،‭ ‬وما‭ ‬بعد‭ ‬السوريالية. ‬والدادائية. ‬وحصل‭ ‬الشيء‭ ‬ذاته‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬عصر‭ ‬النهضة،‭ ‬وفي‭ ‬سوريا‭ ‬ولبنان،‭ ‬والعراق،‭ ‬فبدأ‭ ‬الشعر،‭ ‬والمفكرون‭ ‬والرسامون،‭ ‬والموسيقيون‭ ‬بالخروج‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬الماضي،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬آفاق‭ ‬جديدة‭ ‬للتعبير‭.‬

ليس‭ ‬للريادة‭ ‬توقيت‭ ‬معلوم. ‬ولا‭ ‬قانون‭ ‬معلوم. ‬إنها‭ ‬برق‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬أحد‭ ‬متى‭ ‬يأتي،‭ ‬ولا‭ ‬متى‭ ‬ينطفئ. ‬لقد‭ ‬أنتجت‭ ‬أوروبا‭ ‬بين‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬والقرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬أجمل‭ ‬أعمالها‭ ‬الموسيقية‭ ‬والشعرية‭ ‬والتشكيلية‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬بيتهوفن‭ ‬وبرامز‭ ‬وليست‭ ‬ورحمانينوف،‭ ‬وشوبير،‭ ‬وتشايكوفسكي،‭ ‬ورفائيل‭ ‬وميكيل‭ ‬أنجلو،‭ ‬وماتيس،‭ ‬ورينوار،‭ ‬وبول‭ ‬فاليري،‭ ‬وبودلير،‭ ‬ورامبو،‭ ‬وشكسبير،‭ ‬وشيللي‭ ‬وبايرون،‭ ‬وتشيكوف،‭ ‬ومايا‭ ‬كوفسكي‭.‬

وحصل‭ ‬الشيء‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬العصرين‭ ‬الأموي‭ ‬والعباسي. ‬ومع‭ ‬دخول‭ ‬الحكم‭ ‬العثماني‭ ‬سقط‭ ‬الشعر‭ ‬ودخلنا‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الانحطاط‭.‬

وانقطع‭ ‬التيار‭ ‬الكهربائي‭ ‬عن‭ ‬أوروبا‭ ‬المبدعة‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬ودخلنا‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬موسيقي‭ ‬وشعري‭ ‬وتشكيلي. ‬وأصبح‭ ‬من‭ ‬مشاريع‭ ‬العلماء‭ ‬استنساخ‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الشيطان‭.‬

بيروت‭ ‬ودمشق

‭‬تحتل‭ ‬بيروت‭ ‬مكانة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬نفسك‭ ‬وشعرك. ‬وهي‭ ‬تتأهب‭ ‬الآن‭ ‬لتكريمك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رموز‭ ‬ثقافية‭ ‬فيها‭. ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬المدن‭ ‬تضيف‭ ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬أضافته‭ ‬بيروت‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أعطتك،‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬دمشق؟

نزار:‬‭ ‬بيروت‭ ‬لا‭ ‬تتكرر‭ ‬بسهولة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليّ،‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬بإمكاني‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أستنسخ‮»‬‭ ‬بيروت‭ ‬الخمسينات‭ ‬مرة‭ ‬ثانية. ‬لما‭ ‬ترددت‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬كلفة‭ ‬الاستنساخ‭.‬

بيروت‭ ‬أعطتني‭ ‬جرعة‭ ‬من‭ ‬الحرية‭ ‬دوختني،‭ ‬ولا‭ ‬أزال‭ ‬دائخا‭ ‬وأنا‭ ‬جالس‭ ‬في‭ ‬بيتي‭ ‬بلندن‭.‬

أعطتني‭ ‬بيروت‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحتاج‭ ‬إليه‭ ‬العصفور‭ ‬ليطير،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يحتاج‭ ‬إليه‭ ‬المركب‭ ‬ليبحر. ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬تحتاج‭ ‬إليه‭ ‬السمكة‭ ‬لتسبح. ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬تحتاج‭ ‬إليه‭ ‬الأصابع‭ ‬لتصبح‭ ‬بيانو‭.‬

كنت‭ ‬أذهب‭ ‬إلى‭ ‬كورنيش‭ ‬بيروت‭ ‬الساعة‭ ‬الخامسة‭ ‬صباحا‭ ‬وأعود‭ ‬في‭ ‬السابعة.. ‬ومعي‭ ‬‮«‬خمس‭ ‬قصائد‮»‬‭ ‬تنبض‭ ‬في‭ ‬سلتي‭ ‬كما‭ ‬تنبض‭ ‬الأسماك‭ ‬في‭ ‬سلال‭ ‬الصيادين‭.‬

بيروت‭ ‬كانت‭ ‬تيار‭ ‬كهرباء‭ ‬بقوة‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬فولت. ‬وفيها‭ ‬كتبت‭ ‬من‭ ‬عام‭

1966‭ ‬ إلى‭ ‬1982‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬كتبت‭ ‬من‭ ‬شعر‭ ‬في‭ ‬تاريخي‭ ‬الشعري‭.‬

أما‭ ‬دمشق‭ ‬فقد‭ ‬علمتني‭ ‬أبجدية‭ ‬الجمال‭ ‬الأولى،‭ ‬ولعب‭ ‬بيتنا‭ ‬الدمشقي‭ ‬الجميل‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬‮«‬مئذنة‭ ‬الشحم‮»‬‭ ‬دورا‭ ‬عظيما‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬ذائقتي‭ ‬وتثقيف‭ ‬عيني‭.‬

العالم‭ ‬وحش

‭‬نحن‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬‮«‬العولمة‮»‬‭ ‬حسب‭ ‬مصطلحات‭ ‬السياسة‭ ‬والفكر،‭ ‬أي‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬‮«‬أممية‭ ‬واقعية‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬‮«‬الأممية‭ ‬المتخيلة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تهاوت‭ ‬عمارتها‭ ‬مع‭ ‬انهيار‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفياتي،‭ ‬تلك‭ ‬كانت‭ ‬كلمات‭ ‬‮«‬السياسي‮»‬‭ ‬وتوصيفاته‭ ‬للعالم،‭ ‬بأي‭ ‬كلمات‭ ‬يصف‭ ‬الشاعر‭ ‬عالمه‭ ‬المنظور‭ ‬والمصير‭ ‬الذي‭ ‬آل‭ ‬إليه‭ ‬إنسانه،‭ ‬وماذا‭ ‬في‭ ‬وسع‭ ‬الشعر‭ ‬أن‭ ‬يفعله‭ ‬لهذا‭ ‬الإنسان؟

نزار:‬‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الحالي‭ ‬مؤامرة‭ ‬على‭ ‬الشعر. ‬فالعلم‭ ‬أصبح‭ ‬مغرورا‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أصبح‭ ‬فيها‭ ‬ربا‮…‬‭ ‬يلعب‭ ‬بالجينات،‭ ‬والهندسة‭ ‬الوراثية،‭ ‬وقوانين‭ ‬الطبيعة‭ ‬بحيث‭ ‬صار‭ ‬إنتاج‭ ‬البشر‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬رجل‭ ‬وأنثى‭ ‬لإتمام‭ ‬مهمة‭ ‬التوالد‭.‬

وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬قصائد‭ ‬الغزل‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬نفع‭ ‬ومواعيد‭ ‬الحب‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬جدوى،‭ ‬ودواوين‭ ‬الشعر‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬فائدة. ‬والسهر‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬القمر‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬إضاعة‭ ‬وقت‭.‬


خلال الجولة على الضفة الجنوبية من التيمز

العلم‭ ‬سوف‭ ‬يقتل‭ ‬كل‭ ‬شيء. ‬ثم‭ ‬يقتل‭ ‬نفسه‭.‬

الكومبيوتر‭ ‬وحش. ‬والأقنية‭ ‬الفضائية‭ ‬وحش. ‬والموسيقى‭ ‬الحديثة‭ ‬وحش‭. ‬والأزياء‭ ‬الحديثة‭ ‬وحش. ‬والأطعمة‭ ‬السريعة‭ ‬وحش. ‬والرسم‭ ‬الحديث‭ ‬وحش‭.‬

لذلك‭ ‬لن‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬‮«‬العولمة‮»‬‭ ‬كرسي‭ ‬واحد‭ ‬يجلس‭ ‬عليه‭ ‬الشعر. ‬ولن‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬الحدائق‭ ‬العامة‭ ‬مقاعد‭ ‬يجلس‭ ‬عليها‭ ‬العشاق. ‬ولن‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬الصيدليات‭ ‬حبوب‭ ‬لمنع‭ ‬الحمل. ‬لأنه‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬نساء‭ ‬يحملن‭ ‬ولا‭ ‬رجال‭ ‬يعرفون‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الأبوة‭!!‬

مع‭ ‬قدوم‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين،‭ ‬سيحمل‭ ‬الشعر‭ ‬حقائبه،‭ ‬ويسافر‭ ‬إلى‭ ‬جزيرة‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬البحر. ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬فيها‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬متقدمة. ‬ولا‭ ‬أقمار‭ ‬صناعية. ‬ولا‭ ‬تلفونات‭ ‬موبايل‮…‬‭ ‬ولا‭ ‬إنترنت‭.‬

طفولتي‭ ‬مضاد‭ ‬حيوي

لو‭ ‬كنا‭ ‬سنفر‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الصورة،‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يتجول‭ ‬في‭ ‬نفسك‭ ‬اليوم،‭ ‬وينتمي‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬النفس‭ ‬اليافعة‭ ‬التي‭ ‬كنتها‭ ‬في‭ ‬بيتك‭ ‬الدمشقي‭ ‬في‭ ‬جوار‭ ‬الجامع‭ ‬الأموي؟

نزار:‬‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬هناك. ‬إلى‭ ‬الطفولة،‭ ‬والبراءة،‭ ‬وعريشة‭ ‬الياسمين،‭ ‬وسجادة‭ ‬صلاة‭ ‬أمي. ‬وقهوة‭ ‬أبي‭ ‬في‭ ‬الصباحات‭ ‬الدمشقية. ‬وأسراب‭ ‬السنونو،‭ ‬ونافورة‭ ‬الماء‭ ‬الزرقاء. ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬‮«‬الزوّادة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬حملتها‭ ‬منذ‭ ‬خمسين‭ ‬عاما‭ ‬على‭ ‬كتفي. ‬والتي‭ ‬حمتني،‭ ‬من‭ ‬الجوع‭ ‬والعطش‭ ‬والعري‭ ‬الثقافي‭.‬

طفولتي‭ ‬هي‭ ‬المضاد‭ ‬الحيوي‭ ‬Antibiotic‭ ‬الذي‭ ‬أحمي‭ ‬به‭ ‬نفسي‭ ‬من‭ ‬الديناصورات‭ ‬الأميركية‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تريد‭ ‬افتراس‭ ‬العالم‭.‬

الشعر‭ ‬والناس

مرة‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬الشعر‭ ‬الصافي،‭ ‬في‭ ‬خالص‭ ‬فكرة‭ ‬الفن‭ ‬للفن‭. ‬ومرة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬حمأة‭ ‬الشعور‭ ‬العام‭ ‬للناس‭ ‬حيث‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬العربي‭ ‬الآثار‭ ‬الفادحة‭ ‬لأفعال‭ ‬السياسة‭ ‬والساسة‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬استعارة‭ ‬لغة‭ ‬الهجاء‭ ‬من‭ ‬تراث‭ ‬أبائك‭ ‬وأجدادك. ‬ومرة‭ ‬تخرج‭ ‬معلنا‭ ‬إعراضك‭ ‬عن‭ ‬القصيدة‭ ‬التي‭ ‬تهجو‭ ‬القسوة‭ ‬والبشاعة‭ ‬والانحطاط،‭ ‬وميلك‭ ‬إلى‭ ‬قول‭ ‬الحب،‭ ‬وتصويره،‭ ‬والانتصار‭ ‬له‭. ‬كيف‭ ‬تبني‭ ‬‮«‬قرارك‭ ‬الشعري‮»‬،‭ ‬وكيف‭ ‬يتحدد‭ ‬ميلك‭ ‬التعبيري‭ ‬نحو‭ ‬العالم‭ ‬والأشياء؟

نزار:‬‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أحدد. ‬ولا‭ ‬أقرر.. ‬ولا‭ ‬أبرمج‭ ‬قراراتي‭ ‬الشعرية. ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬خاصرتي‭ ‬سيف‭ ‬فأصرخ‭ ‬من‭ ‬الوجع. ‬وكل‭ ‬يوم‭ ‬يزاد‭ ‬هوان‭ ‬الأمة‭ ‬العربية،‭ ‬فألجأ‭ ‬إلى‭ ‬البكاء. ‬وكل‭ ‬يوم‭ ‬أرى‭ ‬كيف‭ ‬‮«‬يتشرشح‮»‬‭ ‬أجدادي‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات‭ ‬مع‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬فألعن‭ ‬‮«‬سنسفيل‭ ‬أجدادي‮»‬‭!‬

ذهب‭ ‬‮«‬زمان‭ ‬الوصل‭ ‬في‭ ‬الأندلس‮». ‬وانتهت‭ ‬مرحلة‭ ‬‮«‬طفولة‭ ‬نهد‮»‬،‭ ‬و»قالت‭ ‬لي‭ ‬السمراء‮»‬،‭ ‬و»أشهد‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬امرأة‭ ‬إلا‭ ‬أنت‮»‬،‭ ‬و»أحبك. ‬أحبك. ‬والبقية‭ ‬تأتي‮»‬‭.‬

أنا‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أرقص‭ ‬على‭ ‬جثة‭ ‬أمة‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬الانقراض. ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬شاعرا‭ ‬من‭ ‬البلاستيك،‭ ‬يشتغل‭ ‬على‭ ‬البطاريات. ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أتغنى‭ ‬بأمجاد‭ ‬النهدين. ‬وأمجاد‭ ‬أمتي‭ ‬تسحق‭ ‬بالبولدوزرات‭.‬

الناس‭ ‬كفروا‭ ‬بالعشق،‭ ‬وبـ»مجنون‭ ‬ليلى‮»‬. ‬وبـ‭ ‬‮«‬طوق‭ ‬الحمامة‮». ‬وبمرحلة‭ ‬‮«‬الحب‭ ‬العذري‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬أشبه‭ ‬بعلك‭ ‬اللبان‭. ‬بعد‭ ‬قصيدتي‭ ‬الأخيرة‭ ‬‮«‬أنا‮…‬‭ ‬مع‭ ‬الإرهاب‮». ‬وبعد‭ ‬آلاف‭ ‬المكالمات‭ ‬الهاتفية‭ ‬والفاكسات‭ ‬التي‭ ‬تلقيتها‭ ‬من‭ ‬الوطن‭ ‬ومن‭ ‬المغتربين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭. ‬تبين‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬العرب‭ ‬يريدون‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬إرهابيين،‭ ‬ويريدون‭ ‬أن‭ ‬يحملوا‭ ‬السلاح‭ ‬ضد‭ ‬التخلف‭ ‬والغيبوبة‭ ‬والاندثار،‭ ‬ويريدون‭ ‬أن‭ ‬يقرأوا‭ ‬شعرا‭ ‬يشبههم‭.‬

اليوم‭ ‬أكتشف‭ ‬أن‭ ‬نظرية‭ ‬الفن‭ ‬للفن،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الكوليرا،‭ ‬هي‭ ‬خيانة‭ ‬عظمى‭. ‬وأن‭ ‬الشعر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يشتبك‭ ‬بهموم‭ ‬الناس،‭ ‬ودموعهم،‭ ‬وقضاياهم‭ ‬المصيرية،‭ ‬سيذهب‭ ‬إلى‭ ‬سلة‭ ‬النفايات‭.‬

‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر

قدمت‭ ‬مرارا‭ ‬هجاء‭ ‬لقصيدة‭ ‬النثر،‭ ‬وأنت‭ ‬أحد‭ ‬شعرائها‭. ‬هل‭ ‬أسمي‭ ‬لك‭ ‬قصائدك‭ ‬النثرية؟‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬حملك‭ ‬على‭ ‬ذلك؟‭ ‬ولماذا‭ ‬تبدي‭ ‬نفورا‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬الحداثة‮»‬‭ ‬وأنت‭ ‬عمليا‭ ‬أحد‭ ‬كبار‭ ‬شعراء‭ ‬الحداثة‭ ‬العرب؟

نزار:‬‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أحقد‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬الرديء‭ ‬من‭ ‬الكتابة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬قديمة‭ ‬أو‭ ‬حديثة،‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬يسمي‭ ‬نفسه‭ ‬شعرا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬شعرا‭ ‬يهينني،‭ ‬ويهين‭ ‬ذوقي‭ ‬وثقافتي‭.‬


هنا كتبت قصائدي اللندنية

إنني‭ ‬لا‭ ‬أطلق‭ ‬الكلام‭ ‬على‭ ‬عواهنه. ‬ولا‭ ‬أفتري‭ ‬على‭ ‬الموهوبين‭ ‬من‭ ‬شعراء‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر،‭ ‬لأنني‭ ‬أعرف‭ ‬أنني‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭.‬

ولكن‭ ‬‮«‬سفراءكم‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬العالم،‭ ‬كانوا‭ ‬‮«‬مبهدلين‮»‬،‭ ‬وأميين،‭ ‬و‮«‬يتفركشون‮»‬‭ ‬بالفتحات،‭ ‬والضمات،‭ ‬والكسرات،‭ ‬والفاعل،‭ ‬والمفعول‭ ‬به،‭ ‬ويخلطون‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬أبي‭ ‬الطيب‭ ‬المتنبي،‭ ‬وما‭ ‬بين‭ ‬صاحب‭ ‬‮«‬مطعم‭ ‬مروش‮»‬‭.‬

‭‬هناك‭ ‬دعاء‭ ‬للنبي‭ ‬محمد‭ ‬يخاطب‭ ‬فيه‭ ‬الله‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬يا‭ ‬مقلب‭ ‬القلوب‭ ‬ثبت‭ ‬قلبي‭ ‬على‭ ‬إيمانك‮»‬. ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الإيمان‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الشاعر‭ ‬الرقيق‭ ‬والحساس‭ ‬والمقاتل‭ ‬معا‭ ‬شخصا‭ ‬متقلبا؟

نزار:‬‭ ‬التقلب‭ ‬لدى‭ ‬الشاعر‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬عبقريته. ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬مسمارا‭ ‬مدقوقا‭ ‬في‭ ‬حائط. ‬ولا‭ ‬صحن‭ ‬‮«‬بالوظة‮»‬‭ ‬مصنوعا‭ ‬من‭ ‬النشاء. ‬ثم‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬يقصده‭ ‬الرسول‭ ‬في‭ ‬دعائه‭ ‬إلى‭ ‬الله،‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬يهبه‭ ‬الشجاعة. ‬وأنا‭ ‬أدعي‭ ‬أنني‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الشعراء‭ ‬شجاعة‭.‬

الجمال‭ ‬والموت

ما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬السياسي‭ ‬يغار‭ ‬من‭ ‬الشاعر‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬التمثل‭ ‬بقابيل؟‭ ‬أهو‭ ‬الجمال‭ ‬الذي‭ ‬اجتذب‭ ‬دم‭ ‬هابيل‭ ‬إلى‭ ‬ساعة‭ ‬المصرع؟‭ ‬أم‭ ‬القدر‭ ‬المأساوي‭ ‬لـ»قابيل‮»‬‭ ‬المرفوع‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬اللعنة،‭ ‬أم‭ ‬هو‭ ‬شيء‭ ‬آخر؟

نزار:‬‭ ‬نعم‮…‬‭ ‬الجمال‭ ‬كان‭ ‬دائما‭ ‬دافعا‭ ‬إلى‭ ‬القتل. ‬وجمال‭ ‬الشاعر‭ ‬والكاريزما‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬يتمتع‭ ‬بها،‭ ‬تجعله‭ ‬كسيدنا‭ ‬يوسف‭ ‬هدفا‭ ‬إلى‭ ‬الغيرة‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬إخوته. ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬‮«‬السياسي‮»‬‭ ‬هو‭ ‬قبيح‭ ‬أصلا،‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يقتل‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جميل‭ ‬حوله‭. ‬ليبقى‭ ‬محتفظا‭ ‬بكرسي‭ ‬السلطة‭.‬

‭‬أفهم‭ ‬من‭ ‬خطابك‭ ‬الشخصي‭ ‬نثرا‭ ‬وشعرا‭ ‬أنك‭ ‬مع‭ ‬السلام‭ ‬وضد‭ ‬‮«‬عملية‭ ‬السلام‮». ‬أهو‭ ‬موقف‭ ‬أخلاقي‭ ‬حسب‭ ‬تعبير‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد،‭ ‬أم‭ ‬شخصي‭ ‬تاريخي،‭ ‬أم‭ ‬هو‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الأخذ‭ ‬بـ»أسباب‭ ‬العصر‮»‬‭ ‬بما‭ ‬يجعلك‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬عصر‭ ‬قديم؟

نزار:‬‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬‮«‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬شهادة‭ ‬موتي‮»‬‭ ‬يعني‭ ‬أنني‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬العصر‭ ‬القديم. ‬فأنا‭ ‬قديم‭ ‬جدا. ‬وإذا‭ ‬كنت‭ ‬أرفض‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬المزاد‭ ‬المفتوح،‭ ‬لبيع‭ ‬مئذنة‭ ‬الجامع‭ ‬الأموي،‭ ‬وقبر‭ ‬محيي‭ ‬الدين‭ ‬بن‭ ‬عربي،‭ ‬وبرج‭ ‬بابل،‭ ‬وأهرامات‭ ‬مصر،‭ ‬وقصائد‭ ‬أبي‭ ‬الطيب‭ ‬المتنبي،‭ ‬ولغة‭ ‬ابن‭ ‬المقفع،‭ ‬فهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬أفهم‭ ‬في‭ ‬الواقعية‭ ‬والبراغماتية‭ ‬والديبلوماسية‭.‬

إنني‭ ‬ضد‭ ‬أي‭ ‬براغماتية‭ ‬تغتالني،‭ ‬وتصادر‭ ‬تاريخي،‭ ‬ولغتي،‭ ‬وثقافتي،‭ ‬وتمحوني‭ ‬من‭ ‬خارطة‭ ‬العالم. ‬إن‭ ‬موقفي‭ ‬ليس‭ ‬أخلاقيا،‭ ‬أو‭ ‬شخصيا،‭ ‬أو‭ ‬انتقائيا،‭ ‬أو‭ ‬طوباويا،‭ ‬أو‭ ‬شعريا،‭ ‬إنه‭ ‬موقف‭ ‬وجودي. ‬والمسألة‭ ‬بكل‭ ‬بساطة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬أكون،‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬أكون. ‬إنني‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬السلام‭ ‬مع‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬مستحيل. ‬ولو‭ ‬بعد‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬سنة. ‬فهذه‭ ‬الأرض‭ ‬لا‭ ‬تتسع‭ ‬لنا‭ ‬ولها‭ ‬أبدا. ‬فهي‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تقطع‭ ‬سلالاتنا‭ ‬عن‭ ‬آخرها. ‬ونحن‭ ‬متمسكون‭ ‬بسلالاتنا‭ ‬حتى‭ ‬آخر‭ ‬طفل‭ ‬من‭ ‬الخليل،‭ ‬ويافا،‭ ‬ونابلس،‭ ‬وبيرزيت. ‬قضيتنا‭ ‬مع‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالفلسفة،‭ ‬والتنظير،‭ ‬وعلم‭ ‬النفس،‭ ‬والمواويل،‭ ‬والقصائد‭.‬

إنها‭ ‬قضية‭ ‬تتعلق‭ ‬بحياتنا‭ ‬أو‭ ‬موتنا. ‬ولا‭ ‬مفاوضات‭ ‬أبدا‭ ‬مع‭ ‬الموت‭.‬

لا‭ ‬كيف‭ ‬ولا‭ ‬متى‭!‬

لكل‭ ‬قصيدة‭ ‬يكتبها‭ ‬الشاعر‭ ‬خبرة‭ ‬خاصة‭ ‬غير‭ ‬مستعادة‭ ‬لا‭ ‬جماليا‭ ‬ولا‭ ‬زمنيا‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬أسأل: ‬كيف‭ ‬تبني‭ ‬قصيدة؟‭ ‬كيف‭ ‬تتلمس‭ ‬الخيط‭ ‬الرفيع‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬نسميه‭ ‬الإلهام،‭ ‬وبين‭ ‬الصناعة،‭ ‬والشعر‭ ‬لدى‭ ‬العرب‭ ‬إحدى‭ ‬الصناعتين؟

نزار:‬‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬كيف؟‭ ‬ومتى؟‭ ‬ولماذا؟‭ ‬فمن‭ ‬المستحيل‭ ‬إلقاء‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬قصيدة‭ ‬وهي‭ ‬تغزل‭ ‬قميصها‭ ‬الحريري‭.‬


في جوار رسم للبيت الدمشقي: والدهر يبدأ من دمشق

لو‭ ‬كان‭ ‬الشعر‭ ‬صناعة،‭ ‬لكان‭ ‬حرفيو‭ ‬‮«‬خان‭ ‬الخليلي‮»‬‭ ‬أمراء‭ ‬الشعر. ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬وحيا‭ ‬لكان‭ ‬السحرة‭ ‬والمنجمون‭ ‬والراقصون‭ ‬في‭ ‬حلقات‭ ‬الذكر‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬الشعراء‭.‬

الشعر‭ ‬زلزال‭ ‬داخلي‭ ‬يضربنا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬ننتظر‭.‬

وعندما‭ ‬نخرج‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬الأنقاض،‭ ‬نجد‭ ‬القصيدة‭ ‬إلى‭ ‬جانبنا‭ ‬في‭ ‬سيارة‭ ‬الإسعاف‭.‬

الشاعر‭ ‬هو‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬يعرف‭ ‬جنس‭ ‬المولود‭ ‬الذي‭ ‬وضعه،‭ ‬صبي؟‭ ‬أم‭ ‬بنت؟‭ ‬أم‭ ‬وردة؟‭ ‬أم‭ ‬حمامة؟

القصيدة‭ ‬هي‭ ‬ذلك‭ ‬الطفل‭ ‬الجميل‭ ‬الذي‭ ‬يأتينا‭ ‬بعد‭ ‬خمسة‭ ‬آلاف‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬الحمل‭!‬

رائحة‭ ‬الياسمين

‬بمناسبة‭ ‬عنوان‭ ‬ديوانك‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬رجل‭ ‬واحد‭ ‬وأنت‭ ‬قبيلة‭ ‬من‭ ‬النساء‮»‬‭ ‬كيف‭ ‬يكون‭ ‬انطباعك‭ ‬الأول‭ ‬الحر،‭ ‬وأنت‭ ‬تقرأ،‭ ‬مثلا،‭ ‬ديوانا‭ ‬شعريا‭ ‬لامرأة‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬امرأة‭ ‬واحدة‭ ‬وأنت‭ ‬قبيلة‭ ‬من‭ ‬الرجال؟‮»‬

نزار:‬‭ ‬ليس‭ ‬عندي‭ ‬تفرقة‭ ‬عنصرية،‭ ‬أو‭ ‬ثقافية،‭ ‬أو‭ ‬جنسية،‭ ‬بين‭ ‬رجل‭ ‬وامرأة‭. ‬فعندما‭ ‬تصدر‭ ‬امرأة‭ ‬ديوانا‭ ‬شعريا‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭: ‬‮«‬أنا‭ ‬امرأة‭ ‬واحدة‭ ‬وأنت‭ ‬قبيلة‭ ‬من‭ ‬الرجال‮»‬‭ ‬سوف‭ ‬أذهب‭ ‬إليها‭ ‬حاملا‭ ‬باقة‭ ‬ورد،‭ ‬وأقبّل‭ ‬يديها‭ ‬من‭ ‬الوجه‭ ‬والقفا‭.‬

‭‬كيف‭ ‬تقضي‭ ‬يومك،‭ ‬وأين‭ ‬تتمشى‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬بحر،‭ ‬ولكن‭ ‬هناك‭ ‬نهر‭ ‬قاتم،‭ ‬وسماء‭ ‬واطئة‭ ‬صلبة‭ ‬كالرصاص،‭ ‬هل‭ ‬لديك‭ ‬ياسمينة‭ ‬في‭ ‬البيت،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬المكان‭ ‬الوحيد‭ ‬الباقي‭ ‬للياسمين‭ ‬هو‭ ‬القصائد؟

نزار:‬‭ ‬يوم‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬لندن‭ ‬في‭ ‬شتاء‭ ‬1952‭ ‬لأعمل‭ ‬دبلوماسيا‭ ‬فيها،‭ ‬ذهبت‭ ‬صباح‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬إلى‭ ‬حديقة‭ ‬هايد‭ ‬بارك. ‬وعندما‭ ‬بدأت‭ ‬السماء‭ ‬الرمادية‭ ‬تمطر‭ ‬على‭ ‬رأسي‭ ‬وعلى‭ ‬جريدتي،‭ ‬شعرت‭ ‬أنني‭ ‬أغتسل‭ ‬من‭ ‬غباري‭ ‬الصحراوي‭.‬

منذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬قامت‭ ‬علاقة‭ ‬عشق‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬السماء‭ ‬اللندنية،‭ ‬وكانت‭ ‬أسعد‭ ‬لحظاتي‭ ‬هي‭ ‬اللحظات‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬أضيع‭ ‬فيها‭ ‬تحت‭ ‬الضباب‭ ‬بين‭ ‬بيتي‭ ‬ومركز‭ ‬عملي‭.‬

البط‭ ‬الإنكليزي،‭ ‬والسنجاب‭ ‬الإنكليزي،‭ ‬والديمقراطية‭ ‬الإنكليزية،‭ ‬هم‭ ‬أصدقائي. ‬لذلك‭ ‬أجلس‭ ‬على‭ ‬ورقة‭ ‬الكتابة‭ ‬ملكا. ‬وأتجوّل‭ ‬بين‭ ‬حروفي‭ ‬ملكا‭. ‬وأنام‭ ‬على‭ ‬صدر‭ ‬قصائدي‭ ‬نوما‭ ‬عميقا. ‬‮«‬ويسهر‭ ‬الخلق‭ ‬جرّاها‭ ‬ويختصم‮»‬‭.‬

حملت‭ ‬معي‭ ‬من‭ ‬دمشق‭ ‬ثلاث‭ ‬شتول‭ ‬ياسمين. ‬ولكنهن‭ ‬لم‭ ‬يقاومن‭ ‬فراق‭ ‬تراب‭ ‬الشام،‭ ‬وماء‭ ‬الشام،‭ ‬وصحبة‭ ‬أهل‭ ‬الشام. ‬فمتن‭ ‬حزنا‭ ‬وحنينا‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬الأندلس‭.‬

جسد‭ ‬الياسمينة‭ ‬الرقيق‭ ‬لا‭ ‬يتحمل‭ ‬صقيع‭ ‬الشمال،‭ ‬وقسوة‭ ‬المنفى. ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬تشمون‭ ‬رائحة‭ ‬الياسمين‭ ‬الدمشقي‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬دواوين‭ ‬شعري‭.‬

حصان‭ ‬الكلمات

صوتك‭ ‬نافذ‭ ‬ومؤثر‭ ‬في‭ ‬ملايين‭ ‬القراء‭ ‬العرب،‭ ‬له‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التسلل‭ ‬إلى‭ ‬رسائل‭ ‬العاشقات،‭ ‬وهمس‭ ‬العاشقين،‭ ‬تكاد‭ ‬سلطة‭ ‬الجمال‭ ‬التعبيري‭ ‬في‭ ‬كلماتك‭ ‬أن‭ ‬تبز‭ ‬بتأثيرها‭ ‬سلطة‭ ‬أي‭ ‬زعيم‭ ‬أو‭ ‬حاكم‭ ‬عربي‭. ‬هل‭ ‬يقلقك‭ ‬سلطانك‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬ذائقة‭ ‬الناس،‭ ‬هل‭ ‬تخاف‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬السلطة‭ ‬من‭ ‬تبدل‭ ‬الذائقة؟

نزار:‬‭ ‬الحمد‭ ‬لله‭ ‬الذي‭ ‬كرمني‭ ‬خلال‭ ‬حياتي،‭ ‬وأتاح‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أرى‭ ‬وجهي‭ ‬مرسوما‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬مئتي‭ ‬مليون‭ ‬عربي‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬إلى‭ ‬الماء‮…‬

بعد‭ ‬خمسين‭ ‬عاما‭ ‬أشعر‭ ‬أن‭ ‬المنتصر‭ ‬الكبير‭ ‬هو‭ ‬الشعر،‭ ‬وأن‭ ‬الرابح‭ ‬هو‭ ‬حصان‭ ‬الكلمات‭ ‬الجميلة‭ ‬والصادقة‭ ‬والشجاعة‭.‬

راهنت‭ ‬على‭ ‬ديمقراطية‭ ‬الشعر‮…‬‭ ‬فنجحت‭.‬

وراهنت‭ ‬على‭ ‬بساطة‭ ‬اللغة‮…‬‭ ‬فنجحت‭.‬

وراهنت‭ ‬على‭ ‬وجدان‭ ‬الجماهير‮…‬‭ ‬فنجحت‭.‬

وراهنت‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬المرأة. ‬وحرية‭ ‬الوطن‭. ‬فنجحت‭.‬

بعد‭ ‬خمسين‭ ‬عاما‭ ‬أقمت‭ ‬‮«‬جمهورية‭ ‬للشعر‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ترفع‭ ‬أعلامها‮…‬‭ ‬وأسست‭ ‬حزبا‭ ‬للشعر‭ ‬هو‭ ‬حزب‭ ‬الأكثرية،‭ ‬فمن‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬أخاف؟

إنني‭ ‬لا‭ ‬أزال‭ ‬أغطي‭ ‬الذائقة‭ ‬الشعرية‭ ‬العربية‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1944‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬

وعندما‭ ‬تتغير‭ ‬هذه‭ ‬الذائقة‮…‬‭ ‬‮«‬بيفرجها‭ ‬ربك‮»‬‭.‬


الشاعر في حضرة القصيدة

اعترافات‭ ‬الشعراء

أنت‭ ‬أب‭ ‬طبيعي‭ ‬وبالضرورة‭ ‬لكثيرين‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬العرب. ‬بعضهم‭ ‬كمحمود‭ ‬درويش‭ ‬اعترف‭ ‬لك‭ ‬بهذه‭ ‬الأبوة. ‬وبعضهم‭ ‬يمر‭ ‬عليها‭ ‬متكتما. ‬كيف‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬اعتراف‮»‬‭ ‬الشاعر‭ ‬بأثر‭ ‬شاعر‭ ‬آخر‭ ‬فيه،‭ ‬أو‭ ‬بخشيته‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الأثر‮»‬‭ ‬وذاك‭ ‬الاعتراف؟

نزار:‬‭ ‬لا‭ ‬أعلق‭ ‬على‭ ‬قضية‭ ‬الاعتراف‭ ‬أهمية‭ ‬كبيرة. ‬فهناك‭ ‬شعراء‭ ‬طبيعيون‭. ‬وهناك‭ ‬شعراء‭ ‬لديهم‭ ‬عقدة‭ ‬النقص‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬لهم‭ ‬بأن‭ ‬يعترفوا‭ ‬بأن‭ ‬الشعر‭ ‬كان‭ ‬موجودا‭ ‬قبلهم‭.‬

الأمر‭ ‬لا‭ ‬يعنيني‭ ‬كثيرا،‭ ‬ولا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أتحول‭ ‬إلى‭ ‬وكيل‭ ‬نيابة‭ ‬مهمته‭ ‬أن‭ ‬يجمع‭ ‬إفادات‭ ‬الشعراء،‭ ‬واعترافاتهم‭.‬

التصابي‭ ‬الشعري

‬ما‭ ‬رأيك‭ ‬بفكرة‭ ‬أن‭ ‬يسقط‭ ‬الشاعر‭ ‬بعض‭ ‬شعره‭ ‬بعد‭ ‬زمن‭ ‬طويل‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬هذا‭ ‬الشعر،‭ ‬لأسباب‭ ‬تتعلق‭ ‬بزوال‭ ‬رضاه‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الفني‭ ‬لبعض‭ ‬قصائده‭. ‬هناك‭ ‬شعراء‭ ‬فعلوا‭ ‬هذا‭ ‬أو‭ ‬بدلوا‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬وكتبوا‭ ‬ونشروا‭ ‬من‭ ‬قصائد‭ ‬بحيث‭ ‬عادوا‭ ‬فأصابوا‭ ‬رضى‭ ‬عن‭ ‬فنيتها. ‬هل‭ ‬فعلت‭ ‬الشيء‭ ‬نفسه؟‭ ‬أم‭ ‬أنك‭ ‬تعتبر‭ ‬أن‭ ‬مستوى‭ ‬القصيدة‭ ‬مرتبط‭ ‬بزمنه‭ ‬وبتطور‭ ‬رؤية‭ ‬الشاعر‭ ‬وأدواته‭ ‬الفنية،‭ ‬ومن‭ ‬الجرم‭ ‬إحداث‭ ‬أي‭ ‬تبديل‭ ‬في‭ ‬القصيدة‭ ‬بعد‭ ‬نشرها‭ ‬في‭ ‬كتاب؟؟

نزار:‬‭ ‬الشاعر‭ ‬الذي‭ ‬يعمد‭ ‬بعد‭ ‬ثلاثين‭ ‬أو‭ ‬خمسين‭ ‬عاما‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬كتابة‭ ‬شعره،‭ ‬يذكرني‭ ‬بالغانيات‭ ‬اللواتي‭ ‬إذا‭ ‬تقدمت‭ ‬بهن‭ ‬السن‭ ‬يعمدن‭ ‬إلى‭ ‬شدّ‭ ‬وجوههن،‭ ‬لاستعادة‭ ‬شباب‭ ‬القصيدة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭.‬

وهذا‭ ‬في‭ ‬رأيي‭ ‬من‭ ‬أعمال‭ ‬الغش‭ ‬والتزوير‭ ‬والتصابي. ‬لأن‭ ‬وجه‭ ‬القصيد‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬لـ»الشد‮»‬‭ ‬والتعرض‭ ‬إلى‭ ‬الجراحات‭ ‬التجميلية‭.‬

إنني‭ ‬سوف‭ ‬أكون‭ ‬معتوها‭ ‬لو‭ ‬خطر‭ ‬ببالي‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬أعيد‭ ‬كتابة‭ ‬ديواني‭ ‬‮«‬طفولة‭ ‬نهد‭ ‬1948‮»‬‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

فلا‭ ‬النهد‭ ‬بقي‭ ‬على‭ ‬حجمه،‭ ‬وتماسكه،‭ ‬وعنفوانه،‭ ‬ولا‭ ‬أسناني‭ ‬اليوم‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬عض‭ ‬السفرجل‭ ‬الدمشقي‮…‬‭ ‬ولو‭ ‬ارتكبت‭ ‬هذه‭ ‬الحماقة‭ ‬لانكسرت‭ ‬جميع‭ ‬أسناني. ‬وسقطت‭ ‬مقتولا‭ ‬تحت‭ ‬أشجار‭ ‬السفرجل‭!‬

في‭ ‬التسعينات‭ ‬أستطيع‭ ‬بكل‭ ‬سهولة‭ ‬أن‭ ‬أكتب‭ ‬‮«‬تنويعات‭ ‬نزارية‭ ‬على‭ ‬مقام‭ ‬العشق‮»…‬‭ ‬ولكنني‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أكتب‭ ‬‮«‬قصائد‭ ‬متوحشة‮»‬،‭ ‬و»الرسم‭ ‬بالكلمات‮»‬‭ ‬1966‭:‬

‮«‬فصلت‭ ‬من‭ ‬جلد‭ ‬النساء‭ ‬عباءة‭/ ‬وبنيت‭ ‬أهراما‭ ‬من‭ ‬الحلمات‮…‬‭/ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬نهد‭ ‬أبيض‮…‬‭ ‬أو‭ ‬أسود‮…‬‭/ ‬إلا‭ ‬زرعت‭ ‬بأرضه‭ ‬راياتي‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬كلام‭ ‬دخل‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬بإمكاني‭ ‬أبدا‭ ‬استنساخه،‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬النعجة‭ ‬الاسكتلندية‭ ‬‮«‬دوللي‮»‬‭!‬

‭ ‬إنكار‭ ‬الشمس

‭‬أعود‭ ‬لأسأل‭ ‬حول‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الشعراء. ‬كيف‭ ‬تنظر،‭ ‬مثلا،‭ ‬إلى‭ ‬عقدة‭ ‬‮«‬التناكر‮»‬‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭ ‬الشعرية‭ ‬العربية،‭ ‬وأين‭ ‬يكمن‭ ‬الخلل‭ ‬في‭ ‬رأيك؟

نزار:‬‭ ‬الخلل‭ ‬خلل‭ ‬أخلاقي‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى. ‬لأن‭ ‬المبدع‭ ‬الذي‭ ‬يحاول‭ ‬تحطيم‭ ‬كل‭ ‬شاعر‭ ‬ولد‭ ‬بعده‭ ‬خمس‭ ‬دقائق. ‬ويزدري‭ ‬كل‭ ‬شاعر‭ ‬ولد‭ ‬قبله‭ ‬بخمس‭ ‬دقائق،‭ ‬هو‭ ‬بولدوزر‭ ‬شعر‭.‬

ثم‭ ‬إنني‭ ‬لا‭ ‬أفهم‭ ‬هذه‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمراء‭ ‬التي‭ ‬ترسمونها‭ ‬بين‭ ‬شعراء‭ ‬‮«‬خمسينيات‭ ‬وستينيات‭ ‬وسبعينيات‭ ‬وثمانينات‭ ‬وتسعينيات. ‬هل‭ ‬تكفي‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬لتكوين‭ ‬ملامح‭ ‬شاعر،‭ ‬وتحديد‭ ‬هويته؟‭ ‬إن‭ ‬تعبير‭ ‬‮«‬التناكر‮»‬‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬خوف‭ ‬من‭ ‬الآخرين. ‬وعدم‭ ‬الثقة‭ ‬بالذات. ‬فإنكار‭ ‬الشمس‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬توقفها‭ ‬عن‭ ‬الشروق،‭ ‬وإنكار‭ ‬شكسبير‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬إلغاءه‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬الإنكليزي‭.‬


نظرة طفولية إلى "السفرطاس" الذي كانت امه تضع له فيه وجبة الطعام المدرسية

حجر‭ ‬صحي

‭‬لماذا‭ ‬عندما‭ ‬يدور‭ ‬الكلام،‭ ‬وتدور‭ ‬الأحكام‭ ‬حول‭ ‬الشعر‭ ‬الحديث‭. ‬يجري‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬الاحتكام‭ ‬بين‭ ‬الشعراء‭ ‬والنقاد‭ ‬إلى‭ ‬القاعدة‭ ‬التي‭ ‬تهيمن‭ ‬عليها‭ ‬الرداءة،‭ ‬وليس‭ ‬إلى‭ ‬الندرة‭ ‬الجميلة‭ ‬التي‭ ‬تعطي‭ ‬الجديد‭ ‬والجميل‭ ‬في‭ ‬الشعر؟

نزار:‬‭ ‬‮«‬الندرة‭ ‬الجميلة‮»‬‭ ‬مختبئة. ‬أما‭ ‬الرديئون،‭ ‬فهم‭ ‬الذين‭ ‬يعرضون‭ ‬ملابسهم‭ ‬الداخلية‭ ‬علينا. ‬ويعكرون‭ ‬مزاجنا‭ ‬ونحن‭ ‬نقرأ‭ ‬جريدتنا‭ ‬الصباحية‭.‬

هؤلاء‭ ‬الشعراء‭ ‬هم‭ ‬بالتأكيد‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬حَجر‭ ‬صحي‮…‬‭ ‬فلماذا‭ ‬لا‭ ‬تقدمون‭ ‬بلاغا‭ ‬عنهم‭ ‬إلى‭ ‬السلطات‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬بالنظافة‭ ‬العامة‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬البيئة؟

الناس‭ ‬عندما‭ ‬يكبرون‭ ‬يهدأون. ‬لماذا‭ ‬تزداد‭ ‬صخبا‭ ‬وتوترا‭ ‬كلما‭ ‬كبرت؟

نزار:‬‭ ‬لا‭ ‬أوافق‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الطرح. ‬فهناك‭ ‬ألغام‭ ‬أرضية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مزروعة‭ ‬منذ‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية. ‬فهل‭ ‬سمعت‭ ‬عن‭ ‬سمكة‭ ‬قرش،‭ ‬قدمت‭ ‬استقالتها‭ ‬إلى‭ ‬البحر؟

وصايا‭ ‬قصائدي

‭‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تريد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ومن‭ ‬بعد،‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شيء. ‬من‭ ‬الشعر،‭ ‬من‭ ‬الحياة،‭ ‬من‭ ‬المرأة؟

نزار:‬‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬أريده‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مطرا‭ ‬يغمر‭ ‬كل‭ ‬الناس. ‬وخبزا‭ ‬يكفي‭ ‬لإطعامهم‭ ‬جميعا‭.‬

ومن‭ ‬الحياة‭ ‬أريدها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬واحة‭ ‬سلام‭ ‬وتسامح‭ ‬وحب. ‬ومن‭ ‬المرأة‭ ‬أريدها‭ ‬أن‭ ‬تتخلى‭ ‬عن‭ ‬وصايا‭ ‬أجدادها،‭ ‬وتطبق‭ ‬وصايا‭ ‬قصائدي‭:‬

‮«‬إني‭ ‬خيرتك‮…‬‭ ‬فاختاري/ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الموت‭ ‬على‭ ‬صدري/ ‬أو‭ ‬فوق‭ ‬دفاتر‭ ‬أشعاري‮…‬/ ‬اختاري‭ ‬الحب‮…‬‭ ‬أو‭ ‬اللاحبّ‮…‬/ ‬فجبنٌ‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تختاري‮…‬/ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬منطقة‭ ‬وسطى/ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الجنة‭ ‬والنار‭!!‬‮»‬

الناس‭ ‬قاموسي‭ ‬الكبير

ما‭ ‬هي‭ ‬أهم‭ ‬المفردات‭ ‬التي‭ ‬أدخلتها‭ ‬على‭ ‬اللغة،‭ ‬وباتت‭ ‬مرجعا‭ ‬لدى‭ ‬جهتين‭: ‬المجمع‭ ‬اللغوي‭ ‬والناس؟

نزار:‬‭ ‬المجمع‭ ‬اللغوي‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بشعري،‭ ‬ولا‭ ‬المعاجم. ‬الناس‭ ‬هم‭ ‬قاموسي‭ ‬الكبير. ‬وإذا‭ ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬تعرف‭ ‬عدد‭ ‬المفردات‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬شعري،‭ ‬فاسأل‭ ‬تلاميذ‭ ‬المدارس‭ ‬الابتدائية. ‬اسأل‭ ‬أولاد‭ ‬الحارة. ‬اسأل‭ ‬سائق‭ ‬التاكسي،‭ ‬والممرضة،‭ ‬ومضيفة‭ ‬الطيران،‭ ‬ونادل‭ ‬المقهى،‭ ‬ومعلمة‭ ‬المدرسة،‭ ‬وبائعة‭ ‬الورد،‭ ‬ومذيعة‭ ‬التلفزيون‭.‬

إنك‭ ‬ستجدني‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان. ‬من‭ ‬نواكشوط‭ ‬إلى‭ ‬عدن،‭ ‬ومن‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬إلى‭ ‬الإسكندرية‭ ‬ومن‭ ‬قرطاج‭ ‬إلى‭ ‬بيروت. ‬وباختصار‭ ‬أقول‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬فتوحاتي‭ ‬كانت‭ ‬فتوحات‭ ‬لغوية‭.‬

وردة‭ ‬الحداثة

عشرون‭ ‬سنة‭ ‬مرت‭ ‬على‭ ‬غياب‭ ‬عبدالحليم‭ ‬حافظ،‭ ‬وصوته‭ ‬باق‭ ‬في‭ ‬المقدمة،‭ ‬ومن‭ ‬أجمل‭ ‬أغنياته‭ ‬قصائدك‭ ‬التي‭ ‬غناها‭. ‬هل‭ ‬قامت‭ ‬بينكما‭ ‬علاقة‭ ‬صداقة؟

نزار:‬‭ ‬عبدالحليم‭ ‬حافظ‭ ‬يختصر‭ ‬تاريخ‭ ‬الغناء‭ ‬والمغنين‭ ‬منذ‭ ‬إسحق‭ ‬الموصلي‭ ‬حتى‭ ‬اليوم. ‬ولو‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬كتب‭ ‬لهذا‭ ‬المبدع‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬خمسين‭ ‬سنة‭ ‬أخرى،‭ ‬لقلب‭ ‬تاريخ‭ ‬الغناء‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬أساسه. ‬إنه‭ ‬مُغن‭ ‬ثوري‭ ‬وانقلابي‭ ‬ومغامر‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬نادر،‭ ‬وحين‭ ‬أعطيته‭ ‬قصيدتي‭ ‬‮«‬رسالة‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬الماء‮»‬‭ ‬و»قارئة‭ ‬الفنجان‮»‬،‭ ‬التمعت‭ ‬في‭ ‬عينيه‭ ‬آلاف‭ ‬النجوم‭ ‬وقال‭: ‬شكرا‭ ‬يا‭ ‬نزار‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الشعر‭ ‬الذي‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أغنيه‭.‬

عبدالحليم‭ ‬كان‭ ‬صديقي،‭ ‬وأملي‭ ‬في‭ ‬إنهاء‭ ‬عصر‭ ‬التلّوث‭ ‬الموسيقي‭ ‬الذي‭ ‬نعيشه. ‬لقد‭ ‬أعطت‭ ‬السيدة‭ ‬أم‭ ‬كلثوم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬عندها،‭ ‬وذهبت،‭ ‬وأعطى‭ ‬الموسيقار‭ ‬محمد‭ ‬عبدالوهاب‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬عنده،‭ ‬وذهب‭.‬

لكن‭ ‬عبدالحليم‭ ‬كان‭ ‬وردة‭ ‬الحداثة‭ ‬التي‭ ‬جفّت،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعطي‭ ‬كل‭ ‬عبيرها. ‬وكان‭ ‬قمر‭ ‬الحب‭ ‬الذي‭ ‬غاب‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يملأ‭ ‬سماءنا‭ ‬بأمطار‭ ‬الياسمين‭.‬

‭‬ثلاث‭ ‬سيدات‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬أجيال‭ ‬متتالية‭ ‬غنين‭ ‬قصائدك‭: ‬أم‭ ‬كلثوم،‭ ‬ونجاة‭ ‬الصغيرة،‭ ‬وماجدة‭ ‬الرومي،‭ ‬وهناك‭ ‬غيرهن،‭ ‬أقل‭ ‬شهرة‭ ‬منهن‭. ‬مَن‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الأصوات‭ ‬أعطى‭ ‬قصيدتك‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تتوقع؟

نزار:‬‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬ينطق‭ ‬قصيدة‭ ‬الشعر‭ ‬مثل‭ ‬أم‭ ‬كلثوم،‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يتقمص‭ ‬القصيدة‭ ‬الأنثى‭ ‬مثل‭ ‬نجاة،‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يُلبس‭ ‬القصيدة‭ ‬ثوبا‭ ‬حضاريا،‭ ‬مثل‭ ‬ماجدة‭ ‬الرومي‭.‬

‭ ‬نزار‭ ‬وعبد‭ ‬الوهاب

‬حول‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬جمعتك‭ ‬بعبدالوهاب،‭ ‬وكان‭ ‬أعلن‭ ‬مرة،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬ارتبط‭ ‬بشوقي‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬بك،‭ ‬أنك‭ ‬أدخلته‭ ‬عصر‭ ‬الحداثة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬قصيدتك‭ ‬‮«‬ماذا‭ ‬أقول‭ ‬له؟‮»‬. ‬كيف‭ ‬كانت‭ ‬العلاقة‭ ‬بينكما؟

نزار:‬‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬محمد‭ ‬عبدالوهاب‭ ‬مغنيا‭ ‬عظيما‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬متكلما‭ ‬عظيما‭ ‬ومحاورا‭ ‬كمحاوري‭ ‬الإغريق. ‬عرفته‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬عام‭ ‬1945‭ ‬حين‭ ‬كنت‭ ‬دبلوماسيا‭ ‬فيها. ‬ولم‭ ‬أقترب‭ ‬منه‭ ‬شعريا،‭ ‬لعلمي‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬أحمد‭ ‬شوقي. ‬وحين‭ ‬لحّن‭ ‬قصيدتي‭ ‬الأولى‭ ‬‮«‬أيظن‮»‬‭ ‬لنجاة‭ ‬الصغيرة،‭ ‬التي‭ ‬ضربت‭ ‬الآفاق‭ ‬في‭ ‬الستينات،‭ ‬شعر‭ ‬عبدالوهاب‭ ‬أنه‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬كلام‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬جديد،‭ ‬وصياغات‭ ‬جديدة‭ ‬وصور‭ ‬جديدة. ‬وعندما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬تلحين‭ ‬قصيدة‭ ‬‮«‬ماذا‭ ‬أقول‭ ‬له؟‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أقول‭ ‬فيها‭:‬

‮«‬هنا‭ ‬جريدته.. ‬في‭ ‬الركن‭ ‬مهملة/ ‬هنا‭ ‬كتاب‭ ‬معا‮…‬‭ ‬كنا‭ ‬قرأناه‮…/ ‬على‭ ‬المقاعد‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬سجائره/ ‬وفي‭ ‬الزوايا‭ ‬بقايا‭ ‬من‭ ‬بقاياه‮»‬‭.‬

قال‭ ‬له‭ ‬أحد‭ ‬الأصدقاء‭ ‬الذين‭ ‬يترددون‭ ‬عليه: ‬إيه‭ ‬ده‭ ‬يا‭ ‬أستاذ؟‭ ‬أنت‭ ‬بعدما‭ ‬غنيت‭ ‬‮«‬يا‭ ‬جارة‭ ‬الوادي‮»‬‭ ‬و»مجنون‭ ‬ليلى‮»‬‭ ‬لأمير‭ ‬الشعراء‮…‬‭ ‬بتلحن‭ ‬كلام‭ ‬عن‭ ‬السجائر‮…‬‭ ‬والجرانيل؟

فتوقف‭ ‬عبدالوهاب‭ ‬عن‭ ‬العزف،‭ ‬وقال‭ ‬لضيفه‭ ‬‮«‬اسمع‭ ‬يا‭ ‬سيدي.. ‬أنا‭ ‬ألحن‭ ‬هذه‭ ‬القصيدة‭ ‬لنزار‭ ‬قباني‭ ‬لأنها‭ ‬قصيدة‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬الحب‭ ‬المعاصر.. ‬وكلمة‭ ‬‮«‬سجائر‮»‬‭ ‬بالذات.. ‬والجرائد.. ‬هي‭ ‬التي‭ ‬جذبتني‭. ‬فهل‭ ‬هناك‭ ‬عاشقان‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬يلتقيان‭ ‬في‭ ‬كافتيريا‭ ‬ولا‭ ‬يكون‭ ‬بينهما‭ ‬جريدة‭ ‬وفناجين‭ ‬قهوة‭ ‬ومنفضة‭ ‬سجائر؟‮»‬‭.‬

هكذا‭ ‬كان‭ ‬يفكر‭ ‬محمد‭ ‬عبدالوهاب. ‬وهكذا‭ ‬كان‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الجديد‭ ‬والمتطور،‭ ‬وقد‭ ‬قال‭ ‬يوما‭ ‬لأحد‭ ‬الصحافيين‭ ‬في‭ ‬لبنان: ‬‮«‬صحيح‭ ‬أنني‭ ‬ارتبطت‭ ‬طويلا‭ ‬بشعر‭ ‬أحمد‭ ‬شوقي،‭ ‬ولكن‭ ‬نزارا‭ ‬أدخلني‭ ‬بشعره‭ ‬عصر‭ ‬الحداثة‮»‬‭.‬

‭ ‬نزار‭ ‬وفيروز

لماذا‭ ‬لم‭ ‬تقم‭ ‬علاقة‭ ‬بينك‭ ‬وبين‭ ‬صوت‭ ‬فيروز،‭ ‬وأنت‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الصوت؟

نزار:‬‭ ‬فيروز‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الشعر،‭ ‬مكتفية‭ ‬اكتفاء‭ ‬ذاتيا. ‬فزوجها‭ ‬الراحل‭ ‬عاصي‭ ‬الرحباني‭ ‬كان‭ ‬شاعرا‭ ‬كبيرا‭ ‬وسلفها‭ ‬منصور‭ ‬كان‭ ‬شاعرا‭ ‬بارزا‭.‬

ولكن‭ ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬يمنع‭ ‬فيروز‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تغني‭ ‬لي‭ ‬قصيدتين‭ ‬من‭ ‬ديواني‭ ‬‮«‬أنت‭ ‬لي‮»‬‭ ‬وهما: ‬‮«‬لا‭ ‬تسألوني‭ ‬ما‭ ‬اسمه‭ ‬حبيبي‮»‬‭ ‬و»وشاية‮»‬‭.‬

كما‭ ‬غنت‭ ‬لي‭ ‬خلال‭ ‬السبعينات‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬دمشق‭ ‬الدولي‭ ‬قصيدة‭ ‬تقول‭ ‬بعض‭ ‬أبياتها‭:‬

لقد‭ ‬كتبنا‭ ‬وأرسلنا‭ ‬المراسيلا/ ‬وقد‭ ‬بكينا‭ ‬وبلّلنا‭ ‬المناديلا/ ‬قُلْ‭ ‬للذين‭ ‬بأرض‭ ‬الشام‭ ‬قد‭ ‬نزلوا/ ‬قتيلكم‭ ‬لم‭ ‬يزل‭ ‬بالعشق‭ ‬مقتولا‭/‬يا‭ ‬شام،‭ ‬يا‭ ‬شامة‭ ‬الدنيا‭ ‬ووردتها/ ‬يا‭ ‬من‭ ‬بحسنكِ‭ ‬أوجعتِ‭ ‬الأزاميلا/ ‬وددت‭ ‬لو‭ ‬زرعوني‭ ‬فيك‭ ‬مئذنة/ ‬أو‭ ‬علقوني‭ ‬على‭ ‬الأبواب‭ ‬قنديلا/ ‬يا‭ ‬بلدة‭ ‬السبعة‭ ‬الأنهار،‭ ‬يا‭ ‬بلدي/ ‬ويا‭ ‬قميصا‭ ‬بزهر‭ ‬الخوخ‭ ‬مشغولا/ ‬هواك‭ ‬يا‭ ‬بردى،‭ ‬كالسيف‭ ‬يسكُنني/ ‬وما‭ ‬ملكت‭ ‬لأمر‭ ‬الحب‭ ‬تبديلا‭.‬

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.