هل‭ ‬غشَّنا‭ ‬صبري‭ ‬موسى

هل‭ ‬غشَّنا‭ ‬صبري‭ ‬موسى

الأربعاء 2017/03/01
تخطيط: جمال الجراح

‬ظلت فكرتي‭ ‬الشخصية‭ ‬عن‭ ‬الأديب‭ ‬المصري‭ ‬صبري‭ ‬موسى‭ ‬‭-‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬صورته‭ ‬التي‭ ‬صنعها‭ ‬الإعلام‭-‬‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬روايته‭ ‬‮«‬فساد‭ ‬الأمكنة‮»‬،‭ ‬وإعداده‭ ‬الشيق‭ ‬لسيناريو‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬البوسطجي‮»‬‭ ‬عن‭ ‬رواية‭ ‬الأديب‭ ‬المصري‭ ‬يحيى‭ ‬حقي‭.‬

اليوم،‭ ‬أضيفت‭ ‬إلى‭ ‬صورتي‭ ‬عنه‭ ‬انطباعات‭ ‬من‭ ‬قراءة‭ ‬متأنية‭ ‬لمجموعاته‭ ‬القصصية‭ ‬الثلاث‭ ‬‮«‬وجهًا‭ ‬لظهر‮»‬‭ ‬1966،‭ ‬و‮»‬مشروع‭ ‬قتل‭ ‬جارة‮»‬‭ ‬1975،‭ ‬و‮»‬السيدة‭ ‬التي‭ ..‬والرجل‭ ‬الذي‭ ‬لم‭!‬‮»‬‭ ‬1999‭ .‬التي‭ ‬يضمها‭ ‬المجلد‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬أعماله‭ ‬الكاملة‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬الهيئة‭ ‬المصرية‭ ‬العامة‭ ‬للكتاب‭ ‬2014‭.‬

تغيرت‭ ‬فكرتي‭ .‬لا‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬قيمة‭ ‬منتج‭ ‬صبري‭ ‬موسى‭ ‬الأدبي‭ ‬إنما‭ ‬عن‭ ‬صورتي‭ ‬الخاصة‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬المنتَج‭ .‬ولا‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬صبري‭ ‬موسى‭ ‬إنما‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬صورته‭ ‬التي‭ ‬خلقها‭ ‬الإعلام‭ .‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بذل‭ ‬جهد‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬صياغة‭ ‬صورنا‭ ‬الخاصة‭ ‬عن‭ ‬البشر‭ ‬والكتابة‭ ‬والأشياء،‭ ‬أو‭ ‬لمواجهة‭ ‬الاستغراق‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬الآخرين‭ ‬عنهم‭.‬

بدت‭ ‬معظم‭ ‬القصص‭ ‬في‭ ‬المجموعات‭ ‬الثلاث‭ ‬مشاريع‭ ‬سيناريوهات‭ ‬مبدئية،‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬منتج‭ ‬موسى‭ ‬صبري‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬السيناريو‭ ‬يفوق‭ ‬عددًا‭ ‬منتجه‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬أو‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة‭ .‬هذه‭ ‬القصص‭ ‬تصلح‭ ‬أيضًا‭ ‬لوصفها‭ ‬بأنها‭ ‬مشاريع‭ ‬قصص‭ ‬قصيرة‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬كتابة‭.‬

لا‭ ‬بأس‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬ملامح‭ ‬مدرسة‭ ‬موسى‭ ‬صبري‭ ‬في‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة‭ .‬وليس‭ ‬ذنبه‭ ‬أنها‭ ‬تختلف‭ ‬كثيرًا‭ ‬عن‭ ‬نموذج‭ ‬روايته‭ ‬‮«‬فساد‭ ‬الأمكنة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬بنيت‭ ‬عليه‭ ‬تصوري،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬رعاية‭ ‬الكتابة‭ ‬كناقل‭ ‬للفكرة‭ ‬وخالق‭ ‬للعالم‭.‬

موسى‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬نصوص‭ ‬مجموعاته‭ ‬الثلاث‭ ‬‭(‬خاصة‭ ‬المتأخرة‭ ‬منها‭)‬‭ ‬مشغول‭ ‬بشكل‭ ‬شديد‭ ‬المباشرة‭ ‬بمحاولة‭ ‬الإمساك‭ ‬بأبعاد‭ ‬الفكرة‭ ‬البسيطة‭ ‬التي‭ ‬قرر‭ ‬أن‭ ‬يكتبها،‭ ‬وغير‭ ‬معنيّ‭ ‬كثيرًا‭ ‬بصياغتها‭ ‬ونحت‭ ‬عالمها،‭ ‬كأنما‭ ‬ترك‭ ‬هذه‭ ‬المهمة‭ ‬لصانع‭ ‬الفيلم‭ ‬أو‭ ‬التمثيلية‭ ‬الذي‭ ‬كُتبت‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬الفكرة‭.‬

لم‭ ‬أجرؤ‭ ‬على‭ ‬وصف‭ ‬ذلك‭ ‬بالاستسهال،‭ ‬فالكثير‭ ‬من‭ ‬القصص‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬المتعة‭ ‬والدهشة،‭ ‬لذلك‭ ‬فضلت‭ ‬أن‭ ‬أصفها‭ ‬بأنها‭ ‬طريقة‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬صادفني‭ ‬في‭ ‬المجلد‭ ‬المذكور‭ ‬أعاد‭ ‬إليّ‭ ‬الجرأة‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬احتمال‭ ‬الاستسهال‭ ‬الذي‭ ‬اقترحته‭ ‬عليّ‭ ‬بعض‭ ‬القصص‭ .‬وسوف‭ ‬أطرحه‭ ‬كاحتمال‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬مناقشة‭ ‬الفكرة‭.‬

لن‭ ‬أقف‭ ‬أمام‭ ‬معظم‭ ‬الأخطاء‭ ‬الطباعية‭ ‬والإملائية‭ ‬وأخطاء‭ ‬عدم‭ ‬المراجعة‭ ‬التي‭ ‬زخر‭ ‬بها‭ ‬المجلد،‭ ‬فقناعتي‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬النوعية‭ ‬من‭ ‬الأخطاء‭ ‬مسؤولية‭ ‬الناشر‭ ‬ولا‭ ‬ذنب‭ ‬يُذكر‭ ‬للكاتب‭ ‬فيها‭.‬

وكان‭ ‬لتكرار‭ ‬نشر‭ ‬ست‭ ‬قصص‭ ‬كاملة‭ ‬بين‭ ‬المجموعات‭ ‬الثلاث‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬تحت‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف،‭ ‬أو‭ ‬هو‭ ‬بالفعل‭ ‬ما‭ ‬خطر‭ ‬إلى‭ ‬ذهني‭ ‬في‭ ‬أوّل‭ ‬الأمر‭ ‬عندما‭ ‬انتبهت‭ ‬خلال‭ ‬القراءة‭ ‬إلى‭ ‬أنني‭ ‬قرأت‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬قبل‭ ‬قليل‭!‬

ورغم‭ ‬اختلاف‭ ‬عنواني‭ ‬النص‭ ‬المنشور‭ ‬مرتين‭ ‬‭(‬بعنوان‭ ‬سبتمبر‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬وجهًا‭ ‬لظهر‭ ‬ص21،‭ ‬ثم‭ ‬بعنوان‭ ‬الذكريات‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬مشروع‭ ‬قتل‭ ‬جارة‭ ‬ص157‭)‬،‭ ‬رغم‭ ‬ذلك؛‭ ‬فقد‭ ‬عزوت‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬الأخطاء‭ ‬الفادحة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يدهشنا‭ ‬تكرارها‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬النشر‭ ‬المصرية‭ ‬الرسمية‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬تكرار‭ ‬نشر‭ ‬القصص‭ ‬بين‭ ‬المجموعات‭ ‬الثلاث‭ ‬مع‭ ‬تغيير‭ ‬العناوين‭ ‬نبهني‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬فعل‭ ‬مقصود،‭ ‬ولا‭ ‬مصلحة‭ ‬لأحد‭ ‬في‭ ‬القيام‭ ‬به‭ ‬سوى‭ ‬الكاتب‭ ‬نفسه‭ ‬‮«‬القصص‭ ‬الأربع‭ ‬المعنونة‭: ‬سبتمبر،‭ ‬وديسمبر،‭ ‬وأبريل،‭ ‬والطوق‭ .‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬وجهًا‭ ‬لظهر،‭ ‬أعيد‭ ‬نشرها‭ ‬بعناوين‭: ‬الذكريات،‭ ‬وهابي‭ ‬كريسماس،‭ ‬ويحكى‭ ‬أن‭ ‬رجلًا،‭ ‬ورجب‭ ‬ووالده،‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬مشروع‭ ‬قتل‭ ‬جارة‭ .‬والقصتان‭: ‬ذهاب‭ ‬وإياب،‭ ‬ومن‭ ‬حفر‭ ‬لزوجته،‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬مشروع‭ ‬قتل‭ ‬جارة،‭ ‬أعيد‭ ‬نشرهما‭ ‬بعنواني‭: ‬الأب‭ ‬والابن‭ ‬والحمار،‭ ‬ولا‭ ‬غبار،‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬السيدة‭ ‬التي‭ ‬والرجل‭ ‬الذي‭ ‬لم‮»‬‭.‬

لا‭ ‬أستخدم‭ ‬تلك‭ ‬الملاحظة‭ ‬للحكم‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬منتج‭ ‬صبري‭ ‬موسى‭ ‬القصصي،‭ ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬قصص‭ ‬المجموعات‭ ‬الثلاث‭ ‬بارع‭ ‬ومميز،‭ ‬إنما‭ ‬أورد‭ ‬الأمر‭ ‬للنقاش‭ .‬هل‭ ‬هو‭ ‬تلاعب‭ ‬غير‭ ‬جائز،‭ ‬غشّ،‭ ‬باعتبار‭ ‬الكتابة‭ ‬منتجًا‭ ‬تعاقديا‭ ‬بين‭ ‬القارئ‭ ‬والكاتب؟‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬حق‭ ‬الكاتب‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تقديم‭ ‬منتجه‭ ‬نفسه‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬آخر‭ ‬لأسباب‭ ‬تخصه؟‭ ‬هل‭ ‬يكون‭ ‬الأمر‭ ‬ألطف‭ ‬مثلًا‭ ‬لو‭ ‬أشار‭ ‬الكاتب‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح؟‭ ‬إنه‭ ‬مجرد‭ ‬سؤال‭ ‬للمناقشة‭.‬

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.