من‭ ‬نحن؟

من‭ ‬نحن؟

الثلاثاء 2015/08/18
الفنان: عاصم الباشا

لم يكن وصول اليهودي الأوروبي الأبيض وصولا لكائن مستضعف من هامش المجتمع، مجتمع هو أصلا يدعي أنه لا ينتمي اليه بل هو ينتمي لأرض اسرائيل التي لم يرها بحبل سري اتضح في النهاية أن مادة هذا الحبل الوراثية مجهزة مخبريا بحيث يمكنها أن تتفكك إلى جزيئاتها في أي لحظة جاء الرجل الأوروبي بوقاحة المستعمر واستعلائه ولكن بمخاوفه أيضا‭..‬لقد تصرف المستعمر الصهيوني الأوروبي بشكل كتالوجي بالضبط كما جاء في كتاب إدوارد سعيد – الاستشراق‭..‬ بمعنى انه تعامل مع الأرض الجديدة-القديمة كأنها ملك طبيعي لمن يستحقها، اي من يتمتع بتدريج إنساني- أخلاقي "أعلى" لأنه يملك المعرفة المطلقة وأسرار التربة المقدسة التي أورثت له توراتيا عبر نكتة طويلة‭.‬

من ملامح الاستشراق الأخرى الجلية التي تنطبق على الحالة الفلسطينية أن السكان الأصليين في الوعي الصهيوني لا يستحقون جمال وحضارة موطنهم وأنهم لا يملكون حتى القدرة على إدارة ثرواتهم بأنفسهم لذا تبدو ثرواتهم واراضيهم مهملة وقاحلة وهي بحاجة لشخص من بلدات بولونيا النائية ليمنحها معنى‭..‬ فالأرض لا تتحقق وتصبح ملموسة إلا عندما يكتشفها الأوروبي أو حتى يلمحها وهو في طريقه إلى الهند مثلا‭.‬ وكولومبوس هو أكبر مثال كوني على ذلك‭.‬

من أدهى الاستراتيجيات التي يتبعها الاستعمار والتي اتبعتها بالتالي الصهيوني بعد تحقيق مشروعه ، أنه حدد لكل طرف في المعادلة "هوية" تلائم مصالحة‭..‬ فمن الزائد القول إن القوي هو من يرسم "الهويات" بما يخدم استمرارية حكمه وسرمديته، لكن في الحالة الصهيونية كان هذا الرسم أشرس وأعنف، حيث استعملت الصهيونية العلمانية أصلا النص الديني كنص مؤسس لمشروعها مع أنه يتضارب مع طبيعته، كما خلطت الحابل بالنابل فيما يتعلق بالعلاقة بين التراث الديني والقومية وأزالت الحدود بين الدولة كهيئة إدارية وبين الوطن كوجود حضاري فعلي والوطن كفكرة موعودة، فاخترعت تقاليد وتراثا وأخذت أحداثا تافهة بالتوراة كقصة مسادة وحولتها إلى أحداث جلل جامعة وموحدة‭..‬ وفي المقابل احتكرت الصهيونية الحق بامتلاك "هوية" كاملة‭..‬ متكاملة- متصالحة مع ذاتها – هي هوية تنسب لنفسها التقاليد الغربية وعراقة الحرية عبر تناقضها مع العدو العربي وذلك من دون أن تستشير أحدا أو حتى تحاول أنسنة العربي والتعرف عليه، بل على العكس جردت الصهيونية اليهود-العرب القادمين من بغداد وحلب واليمن من عروبتهم وفرضت عليهم هوية "الشرقيين" ‭..‬ وخاصة أولئك الذين جاؤوا من المغرب على ضفاف الأطلنطي في قلب الغرب الجغرافي‭.‬

أما على صعيد السكان الأصليين وهذا ما أود التركيز عليه هنا وفي كتاباتي القادمة، فقد تم توزيع هويات "اسرائيلية" على من أفلحوا في طرده وهي هويات ليست ورقية أو جلدية وحسب بل هويات حضارية مستحدثة ومشوهة في آن‭..‬ فكما يفعل المكتشف الأبيض للأرض في تعامله مع الآخر، ينزع عنه صفة الانسانية اللائقة ويتعامل معه كمجموعة قبائل بدائية ومتخلفة ترعى الأغنام ولا تعرف مصلحتها ولا تستحق حتى إدارة خيرات الأرض، ونكاد نجد مثلا هذه الثيمة في كافة الأدبيات والأفلام المروجة للصهيونية في سنوات الخمسين وحتى ما قبلها، فالصهيوني الأشقر ذو الجسد اليوناني المنحوت والبطولي هو من ينجح باستخراج الماء من باطن الأرض في فلسطين وهو الوحيد الذي ينجح في زراعة الأرض وجعلها قابلة للحياة وذلك وسط سلبية وغرائزية العربي، أما العرب الأصلانيون فقد فرضت عليهم هويات شتى، مثل: أبناء الأقليات، سكان المناطق، بدو، دروز، مسيحيون، عرب أرض إسرائيل وما إلى ذلك‭...‬ ومع أن تلك الهويات تبدو سخيفة وغير نافذة إلا أنها تغلغلت داخل الذات الفلسطينية وجعلتها ترفض الهويات المفروضة عليها وكأنها تصدقها، وذلك وبالأساس ثقافيا وهذا ما يهمني هنا عبر تصديق كذبة التماهي بين الدولة والوطن ومقابلة آليات "اختراع الأمة الإسرائيلية" بـ"افتعال الأمة الفلسطينية" وذلك عبر تسطيح بعض رموز وأشكال الوجود الفلسطيني وجعلها سلعة جامعة وموحدة للأمة، ونجد ذلك جليا في السينما خاصة وفي شتى أشكال التعبير الفني الفلسطيني كذلك ابتداء من الثقافة الشعبوية، كظهور الفلسطيني في برامج الهواة مثلا مرورا بالفن التشكيلي والشعر والقصة ومحاولات كتابة الرواية‭.‬

فعلى الرغم من إشارات تفكك الهويات المفروضة "من فوق" كتحلل الدول القامعة مثل سوريا والعراق وكذلك بوادر تآكل الصهيونية من الداخل وقصر نفسها وفروغ رصيدها، نجد المبدع الفلسطيني لا زال يصارع ضمن عقدة التثبيت العكسي لهوية وطنية كرد على الهوية التي حاصره فيها الإسرائيلي، ومع بعض محاولات التفكيك لا زال الفلسطيني عالقا في رموزه‭..‬ في الرموز الجامعة وذلك بدلا من اعتماد القصة الشخصية والوجود الحضاري الأكثر دقة لتشكيل فسيفساء أهم‭.‬ فإن اللجوء لأساليب التهكم والتفسير الكلبي للوجود والميلانخوليا وتفكيك المكان في محاولة فهم عبثيته وما آل إليه ، كما أن التعامل مع الذاكرة كحالة فردية تشكل البازل الجماعي بدلا من ترديد نص هوياتي مجهز مسبقا ستجعل الحضور الإبداعي أكثر تركيبا وتأثيرا وإشكالية، وهذا ما يهمني.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.