فسيفساء‭ ‬امرأة

فسيفساء‭ ‬امرأة

الأربعاء 2015/04/01

الساعة الحادية عشرة صباحاً‭:‬ موعد الشاي الأخضر‭.‬ عادة رسخت مع الأيام منذ أن كان الرجل الذي عشقتِهِ على ما بينكما من فارق في العمر تجاوز الخمسة عشر عاماً يجلس في زاوية من الغرفة الوحيدة التي كنتما تسكنانها معاً منذ عقدِ قرانكما‭.‬ قرقرة مياه الأركيلة توقِّع هنيهات لحظات تنتزعكما من هموم النهار‭:‬ لا مال ولا طعام ولا لباس‭.‬ والفتاة الصغيرة التي كنتِها لما تبلغ الثامنة عشر من عمرها تبتسم للعينيْن البرّاقتيْن النفّاذتيْن وقد رأتا وكأنها المرّة الأولى هذا البطن ينتفخ بعد أن كان ضامراً‭.‬ يقولُ لكِ بعد أن وزَنَ كعادته كلَّ كلمة قبل أن ينطق بها‭:‬ رزقه على الله‭.‬ وما كان لبشرى طفل تنتظرين قدومه أن تنتزع رجُلَكِ، حبيبَكِ، مما رسخَ في أعماق كيانه من قناعات منذ أن أدرك في قرارة نفسه أنه والمال خطان مستقيمان كلٌّ يسير وجهته فلا يلتقيان‭.‬

لا يشغلكِ عنه شيء‭.‬ هو أمامكِ بكل ما وسع خيالكِ أن يتمثل الرجولة تقولها قسماتُ وجهه وعروقُ يديه بأصابعها الدقيقة الطويلة القوية التي سيُقال لك عنها بعد سنوات طويلة من تلك اللحظة التي أنتِ فيها إنها أصابع عازف كان يمكن لها في زمن آخر في مكان آخر في بيئة أخرى أن تغني على البيانو ألحاناً سماوية تتفطر لها وبها القلوب والأرواح‭.‬ لا شيء في الغرفة مما يشي بزوجيْن قريبي العهد من الزواج‭.‬ بل إن نسيج أثاث الغرفة يكاد في بعض الزوايا يقول عمره الحقيقي وأسماء من تتالوا على امتلاكه من قبل أن يستقر هنا‭.‬ تأسرُكِ ابتسامته‭.‬ يستحوذ عليك حديثه‭.‬ لم يعرف المدرسة ولا حمل شهادة منها ولا من غيرها‭.‬ لكنه يتنقل بك في أرجاء العالم وكأنما قضى شطراً كبيراً من عمره في الترحال وفي الانتقال‭.‬ ويطوف بك في الأزمنة منذ عهد آدم إلى عهد الأتراك وكأنما عاشها كلها من فرط دقة التفاصيل وطرافة النوادر‭.‬ عالمك هو وحده صار بعد أن كان أبوكِ يملأ هذا العالم وحده‭.‬

تتأملين قسمات وجهه وقد أخذته النشوة فطفق ينشد ما يحب من قصائد حفظها عن ظهر قلب، أو يروي حكايات وأخبار قرأها في هذا الكتاب أو ذاك، فتسري النشوة ذاتها إلى أوصالك حتى ترتعش غبطة وبهجة‭.‬ مثلكِ لم يكن قد عرف المدرسة‭..‬ لكنه كان تواقاً، مثلكِ أيضاً، إلى الحروف وإلى الكلمات التي تعلّم فكها وحده كل مساء بعد عودته من نهار عمل مُجهِدِ في كتاب وقع تحت يديه أو يرسمها بعد أن تلقفها من فم هذا العالم أو ذاك الأستاذ في هذا النادي أو في ذاك المسجد‭.‬ وها هو قد صار ملاذ من ارتادوا المدارس والجامعات يسعون إلى حكمة لديه ولما يبلغ الثالثة والثلاثين من عمره‭..‬

** ** ** **

لم تكن أمكِ راضية عن هذا الرجل الذي اختاره لكِ أبوكِ‭.‬ ككلِّ الأمهات كانت تريد لك زوجاً يليق ـ كما كانت تردد أمام كل من يسمعها ـ بذكائك الخارق وبجمالك الجذاب‭.‬ لكن الرجل المُختارَ لم يكن ذلك الذي رسمت ملامحه في مخيلتها‭.‬ فحاولت جاهدة أن تحول بينه وبينك‭.‬ لكنك كنتِ وقد رأيته قد عزمت أمركِ بعد أن أصابت نظرته موضع القلب منك فنسيت كل التفاصيل الأخرى ولم يبق إلا ما أرسلته لك هاتان العينان السوداوان العميقتان من نظرة خاطفة كانت كافية كي تقول كل شيء‭.‬

انتبهتِ منذ اللحظة الأولى، منذ هذه النظرة الخاطفة، إلى أنك إزاء رجل يرى ولا ينظر‭.‬ وصدق حدسك على مرّ الأيام والسنين‭.‬ لم يكن كالآخرين ممن وضعوا الذهب بين يديْك‭.‬ ولا من أؤلئك الذين أرادوا امتلاكك بجناتهم وأنهارهم فيما وراء الحدود‭.‬ كان آخرَ فعلاً‭.‬ ستسعدين كلما خطر لك الأمر كيف كانت البصيرة لباسَ حدسك ‭..‬

فقيراً ولد ونشأ فقيراً‭.‬ ولا يزال وقد صرتِ في كنفه أو صار بين يديْكِ‭.‬ وها أنتِ تريدين أن تكفيه شر الألم الصامت الذي لا يخفى على عينيك وهو يحاول أن يطويه وراء قسمات ابتسامته أو ضحكاته إذ تحاولين بكلماتك اللمّاحة جعله ينسى‭.‬

لكنه لا ينسى‭.‬ وها أنتِ تريْنَ أن الحظ قد يبتسم لك أكثر مما ابتسم له في طلب الرزق‭.‬ لم يكن لديكما بعد سوى طفل واحد‭.‬ وكان بوسعك أن تمحضيه عنايتك وتسهري عليه وأنت تعملين‭.‬ واستحالت الغرفة الواسعة التي تسكنانهما مصنعاً للملابس الصوفية تعمل على حكايتها فتيات الحي يعملن إلى جانبك كي يساعدنك على الاستجابة إلى عشرات الزبائن يرجون ما كنت تصنعينه ويتلقفونه من بين يديك كثروة هبطت من السماء‭.‬

وذات يوم ألقيت إلى حبيبك بورقة المائة ليرة‭.‬ كان في الأربعين من عمره وكان يمسّها للمرة الأولى في حياته‭.‬ نظرة العرفان استعادة نظرة الحب الأولى‭..‬

كان الحب يتضاعف عرفاناً‭.‬

** ** ** **

أكانت الدنيا تبدو لك لحناً يصلكِ بما وراءها؟ وإلا فلماذا تشجيك هذه الأغنية إذ تتحرّك بها شفتاك وإذ تنير وجهك هذه الابتسامة التواقة؟

كنتِ في العشرين‭.‬ ومن حولكِ فتيات في عمركِ يشتغلن طوال النهار في حياكة الصوف تحتَ إشرافك في الغرفة الوحيدة التي أسكنكِ فيها زوجك‭.‬ وتردِّدين ما كنتِ بين الحينِ والآخر تسمعين من أغانٍ لأمِ كلثوم أو عبدالوهاب‭:‬ يا ليلة العيد، حاآبله بكره، بكره السفر‭..‬

لا يزال صدى الأغنيات يسكن جدران هذه الغرفة في هذا البيت المتداعي من حي الشيخ محي الدين بدمشق‭.‬ كنتُ كلما مررت أمامه أكاد أسمعك، أسمع صوتك يرددها وأرى عيون الفتيات يرنون إليك معجبات مرددات وراءك كالجوقة‭:‬ بكرا السفر‭!‬

كلّ ما كنتِ تطمحين إليه أن تتمكني من حيازة قروش قليلة (كان القرش أيام ذاك يتكلم، كما كان يُقال‭!(‬ تسعدين بها زوجك الشاب وتشترين ثياباً تدفئ وليدك الثاني بعد أن أودت الحمّى بالأوّل‭.‬ لم تكن لديك مدفأة، بل وعاء تشعلين فيه القليل من الفحم لتدفئة اليديْن وغطاءات الفراش على الأرض تحمي من شتاء دمشق القارص‭.‬

والعيد حلم، والسفر حلم، ومن ستقابلينه حلم‭..‬ لكنه عيد وسفر وكائن ينتظرونك في الغداة، قبل أن يدركك القنوط (ما أكثر ما كنتِ ترددين‭:‬ ولا تقنطوا من رحمة الله).

لم تكن كلمات الأغنية في أعماق روحك ووجودك تعني ما تعنيه لمن يسمعها مِمَّن حولك‭.‬ كانت تعني دوماً شيئاً آخر‭.‬ شيئاً كنت تتلهفين إليه وإلى بلوغه‭.‬ كنتُ أسميهِ مع جنون الشباب ولما أبلغ التاسعة عشر من عمري المطلق، وكنتِ تسميه كليّ الحضور، ولم تكوني قد تعلمت بعدُ القراءة أو الكتابة، ولا كنتِ قد قرأتِ أو قرأ عليكِ أحدهم فتوحات ابن عربي المكيّة‮…‬

** ** ** **

لم تتح لكِ فرصة ارتياد المدرسة‭.‬ كنتِ مسحورة أمامي طفلاً وأنا أعود منها مع كتبي مردِّداً ما تعلمته من أناشيد أو من قصائد‭.‬ بقي ذلك سرّاً في أعماقك لا تبوحين به إلى أحدٍ ممّن حولك‭.‬

وجاء يومٌ صار فيه العلم ضرورة من ضرورات حياتك‭.‬ ما عادت حياكة الصوف ولا آلة الخياطة تملأ عليك وقتك ولا تحملُ لكِ من المسرّة ما كنت إليه تطمحين‭.‬

بعد وفاة طفلك البكر إثر مرض لم تستطيعا أنتِ وأبي أن تتغلبا عليه من فرط فقركما، ها هو ابنكِ الثاني، وقد صار بكراً، وقد صاروا ينادونك باسمه، يرتاد المدرسة، وها هو أمامك، يحمل كلّ يوم كتاباً جديداً يأتي به ويقضي الساعات في التهامه كمَنْ به مسّ‭.‬

كنتِ، في غيابه، تنظرين إلى الكتب وتودّين لو فككتِ رموز الحروف والكلمات‭.‬ مشتاقة أنتِ إلى ذلك، تواقة‭.‬ صار الأمر هاجسكِ ولم تكوني تعرفين كيف يسعكِ أن تجدي السبيل إلى ذلك‭.‬ وكيف يسعك إن وجدته أن تعثري على ساعة فيما وراء الساعات التي تقضينها في خدمة أولادك الستة آنئذ (وقد صاروا تسعة من بعدُ)، وزوجك، وبيتكِ؟ لكنكِ كنتِ امرأة صابرة، لكنكِ كنتِ امرأة توّاقة، وها أنتِ، في ليلة كان القمر فيها بدراً، وقد خلد زوجك وأولادك إلى النوم، تصعدين درجات السلم المؤدي إلى الغرفة الوحيدة القائمة على سطح البيت‭:‬ الغرفة الطيّارة، بما أنَّ الرياح كانت كلما هبّت تكاد تحملها‭..‬ لم يكن يصدر عنها أيّ ضوء، لكنكِ وقد كنتِ تريدين الاطمئنان إلى نوم ابنك، واصلتِ الصعود‭.‬ لم يكن نائماً‭.‬ ما إن وصلتِ إلى الغرفة حتى لمحت عبر النافذة بصيص ضوء خافت‭.‬ كان ضوء الشمعة التي يقرأ أمامها كتابه.

افتتنتِ بالمنظر وخفتِ‭.‬ تقولين له‭:‬ قد نام أبوك، لا عليك أن تقرأ على ضوء الكهرباء‭.‬ حذار عينيْك‭!‬ وتلمع الفكرة في رأسك، وتستحيل كلمات خجلى سائلة‭:‬

ــ ابني، ما رأيك أن تعلمني القراءة والكتابة؟

والفخر يغمرني‭.‬ أأنا الذي سيكون أستاذ أمه؟ بالتأكيد يا أمي‭.‬ ولكن متى؟

ــ في مثل هذه الساعة من كلِّ يوم‭.‬

ها أنتِ، في الثلاثين من عمرك، تدخلين المدرسة التي ما أكثر ما تطلعت إلى ارتيادها بشوق ونهم‭..‬

وها هو الموعد الذي بات يومياً، وها هو السهر يصير جزءاً من مسرّاتك اليومية‭:‬ أما استحال الحلم حقيقة؟ ها أنت تبدئين درسك الأوّل، وتبادرين إلى رسم الحروف وتردادها‭.‬ لكنّك كنتِ تستعجلين القراءة ولا تطيقين انتظاراً‭.‬

فكرة طرأت‭.‬ أهي وحي؟ كيف جاءتكِ؟ ها أنتِ تتناولين وقد حفظتِ الحروف عن آخرها قراءة ورسماً المصحف، تفتحين صفحاته على السورة التي تحفظينها عن ظهر قلب‭:‬ الفاتحة‭.‬ وتبدئين قراءة حروف صرتِ تعرفينها فتتعرفينها كلمات ما كنتِ من قبل تدركينها‭.‬ تبدو القراءة لك أسهل مما ظننتِ‭.‬ ينفتح لك كتاب، وأيُّ كتاب، بأكمله‭.‬ ثمّ يساورك الشكّ بين الحين والآخر كلما غابت الألف أو الواو أو الياء من كتابة كلمات الآيات التي لم تكوني تحفظينها عن ظهر قلب، فتهرعين إليه يفسِّر لك أنها الطريقة القديمة في كتابة بعض الكلمات‭.‬ فيطمئنَّ قلبك، وتعودين إلى ما كنت مستغرقة فيه‭.‬

درس شبه يوميّ استمر عدداً من الشهور‭.‬ كان أول كتاب بعد القرآن أردتِ أن تختبري قدرتك على القراءة فيه هو كتاب محي الدين بن عربي، الفتوحات المكية‭.‬ تطلبين إليّ أن أفتح الكتاب مغمض العينين ثم سرعان ما تتناولينه من يديّ وتبدئين القراءة‭..‬ على حذر ورهبة سرعان ما استحالا غبطة تنير وجهك ومحياك‭..‬

هكذا وضعتِ نهاية لدوري كي يبدأ دوركِ أنتِ ‭..‬

آه، كم وددت لو أنني استطعت أن أسجل ما كنت تجودين به خلال ساعات ثلاث بين يدي جملة لا تتجاوز سطراً في كتاب الشيخ الأكبر‭..‬ما أشدّ الألم الذي يلبسني حين كنت أستمع إلى نثار مما قلته صباح اليوم نفسه أمام نساء جئن من كل فج عميق كي يستمعن إليك‭..‬

وها أنت تجتازين عتبة عالم بلا حدود‭..‬ تدخلينه مطمئنة عبر أبواب واسعة عديدة ‭..‬

** ** ** **

رسمة لغسان السباعي

هل تذكرين؟ سرٌّ فريدٌ كان يقودكِ كلَّ يوم إلى أبيك بعد الظهر‭.‬ ما كانت تلك عادتك من قبل، لكنّ هذا المشوار، كلَّ يوم، بدا وكأنه من طبيعة الأشياء‭.‬ من طبيعة حياتك كلّ يوم، لا يدري به إلا أنتِ‭.‬

كان أبوكِ في سنته الأخيرة‭.‬ وكنتِ تبحثين عنده عن شيء يصلكِ به، لم يكن المال الذي كان ينقصك ولا كان بوسعه ولا بإرادته أن يمنحه إياكِ‭.‬ كان شيئاً آخر، سرّاً من أسرار هذا الرجل الذي تصدّق ذات يوم على شجرة في خريف ذات سنة واضعاً عليها أرغفة الخبز التي ذهب يشتريها لأهله فنسيهم وقد رأى الأغصان عارية من أوراقها وكأنّها تتضوّر جوعاً وبرداً‭.‬‭.‬سرّاً من أسرار هذا الرجل الذي كان يأوي إلى السرير وليس في بيته طعام يؤكل ولا مالٌ يُصرف ولا يدري كيف سيصحو في اليوم التالي ولا يهمّه أن يعرف ما سيكون عليه أهله في الغداة، يقيناً منه لا يتزعزع بحظ من الدنيا خصّه الله به، فلا قلق ولا حزَن‭.‬

كان أبوك في سنته الأخيرة، وكأنما الإحساس بذلك قد استحوذ عليكِ، فصرتِ تذهبين كلّ يوم كي تقومي ما وسعكِ على خدمته وتقصّين عليه هواجسك‭.‬ هو الآخر لم يكن يدري ما يدفعك إلى المجيء كلّ يوم فيسألك إن كان هناك ما يعكِّرُ صفو حياتك في بيت زوجك فتفكرين بعد أن استقرَّت في أعماقك القناعة بأنه قدرك، وأنه قدر على ما فيه من صعوبة، جميل، جمال الحبّ الذي محضته إيّاه‭.‬ كان قد أدرك ببصيرته ما آل أمرك إليه فأكبر فيكِ صفات نساءِ نادرة كالماس‭.‬ لكنه لم يكن يدر بعدُ أنّكِ منذورة، وأنكِ بين أبنائه وبناته، كنتِ الوحيدة التي تصله فيما وراء علاقة الأبناء والبنات بآبائهم‭.‬

كان قد أدرك ببصيرته ما آل أمرك إليه، ثمّ جئتِه، على خوف ورهبة، تقصينَ عليه حلمك‭.‬

كنتِ في مدينة النبي، في الروضة مابين القبر والمنبر‭.‬ يُقدَّمُ إليك تمرُ المدينة (ما أشدّ طيبته) فتأكلينَ منه‭.‬ ويُقال لكِ إنكِ تتطعمين سورة البقرة وآل عمران، فتجدين شفاهكِ تصطبغان مع ما حولهما بلون التمر‭.‬ فجأة، ينقلك الحلم نفسه إلى غرفة أبيكِ التي أنتِ فيها الآن تقصّين فيها عليه حلمك‭.‬ كان على سرير مرتفع ارتفاعاً يجعل وجهكِ قبالة قدميْه‭.‬ تستيقظين فجأة‭.‬ تدركين أنكِ كنتِ في حلم داخل حلم، وأن الحلمين قد انتهيا، وأنه لا قبلَ لكِ بالانتظار، فتذهبين إليه من فورك تقصّينه عليه‭.‬ فيدركُ كلّ شيء‭.‬

فهم أنَّ حلمك كان رسالة له وأنك تحملين هذه الرسالة لأنكٍ أنتِ من سيتابع الطريق من دون أبنائه جميعاً على سعة رغبتهم في الأمر، ذكوراً وإناثاً‭.‬ أدرك أنه ليس هو من يختار بل تمّ الاختيار، وأنه لو أراد لما حاد‭.‬

يضع يده على رأسك المغطى‭.‬ يطلب إليكِ الصلاة، والصلاة على النبيِّ خصوصاً‭.‬ فهو الإمام، وهو الدليل، وهو الوسيلة، وهو الحبيب‭.‬

تستكين نفسك‭.‬ تستعيدين المشوار منذ البداية‭.‬ تبدأ الأشياء بالكشف عن معانيها واحداً بعد الآخر‭.‬ فقركِ، زوجكِ، أولادك، استماتتكِ في تعلم القراءة والكتابة وقد تجاوز عمرك الثلاثين، وأملٌ غامضٌ يضيء وجهك نوراً ونفسك حيرة، لكنَّ السكينة تغمر أعماقك‭.‬

** ** ** **

كنتِ كالذي يكتشف جديداً كلما كانوا يقولون لكِ ما كان تأثير ما كنتِ تقولينه لهم‭.‬ تفاجئكِ هذه القدرة وتتساءلين‭:‬ كيف‭.‬ لم تكوني تعرفين، ولن تعرفي‭.‬ فكنتِ تسلمين أمركِ إليه، هو، بما أنه هو، هو الذي يفعل ما يشاء على يديْك‭.‬

منذ اللحظة الأولى في سلوك الطريق، وحتى اللحظة الأخيرة قبل الرحيل الأخير‭..‬ كنتِ لا تدرين ما تفعلين‭.‬ تقولين‭:‬ أنا موظفة عنده، هو، وتشيرين بإصبعك إلى السماء‭.‬ ثم تصرّين على أن تصنعي بيديْك حساءً غنيّاً بالحبوب وباللحوم كل أسبوع لأكثر من مائتي امرأة يأتين إليك سعياً من أرجاء دمشق وما حولها كي يستمعوا إلى معاني الحبّ تتدفق من ثغر بسّام، ومن روح كنسمة الربيع تداعب الوجوه وهي تعيد إليها نضارتها‭.‬ وتغمر الدموع عينيْك حين تعلمين أن كثرة من هاتيك النساء لم يكنّ يذقنَ مع أولادهن طعم اللحم إلا مرة في الأسبوع أو في الشهر‭..‬

لم أكن أدري أن صديقي عمر أميرالاي كان قد نذر ذبيحتين للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي الذي كان جاره كلما أنجز فيلماً من أفلامه حين جاءني ذات يوم يطلب إليَّ أن أستأذنك في أن يحقق فيلماً عنكِ‭.‬ قال لي‭:‬ ما تفعله أمك هو أنها عرفت كيف يمكن أن تحلّ المشكلة الاجتماعية في بلادنا وتعمل في هذا الطريق الذي صار طريقها‭.‬ اعتذرتِ بخجل شديد‭..‬ لم تكوني تعرفين ولن تعرفي أثر ما كنتِ تفعلين‭.‬ لكني علمت بعد وفاته بأمر ذبيحتيْه وأدركتُ حينئذ ما كان بينك وبينه من صلة قربى خفية لا يدركها إلا من حظي بقلب شفاف وبصيرة‭.‬

تسهرين الليل وأمّك تندب حظك، وتتأوّه كعادتها من أنّ أبيك لم يعرف كيف يختار من كان يجب أن يكون جديراً بك، بذكائك، بنباهتك‭..‬ ولا تعقبين، كأنما الأمر لا يعنيك، فالرجل الذي اختاره أبوك لك على شيء من مضض، هو من اختاره قلبك ومن كنتِ ستختارينه لو خُيِّرتِ‭!‬

كانت أمك قد أرغمتك على مغادرة العش الزوجي لعلها تفوز ـ أخيراً ـ بفصلك عن زوجك الفقير هذا وتزوجك من ابن عمتها الغني الذي ذاب عشقا فيك منذ طفولتكما‭..‬

أيام مضت وأنت في غضب مكتوم‭.‬ أما زوجكِ، حبيبكِ، فلا يدري كيف يستطيع أن يستعيدك إلى عشكما الأثير‭.‬ ها هو أبوكِ يمر أمام حانوته‭.‬ يهرع صديق من أصدقائه كان على علم ليأتي به يشارك في جلسة الشاي الأخضر التي كانت شعيرة من شعائر حياته وحياة أصدقائه اليومية‭.‬

يجلس أبوكِ‭.‬ يبادره زوجك بكأس الشاي الأخضر‭.‬ يرشف الرشفة الأولى فيسأل‭:‬

ـ نسيتَ السكر‭!‬

يجيبه‭:‬ “اشرب”‭.‬

يكرر أبوكِ ثانية‭:‬ “أقول لك إن الشاي مرٌّ، شديد المرارة‭!‬”

فيجيبه‭:‬ “وأنا أقول لك اشرب”

فجأة أدرك أبوكِ‭.‬ يخاطب زوجك‭:‬ اذهب اليوم إلى بيت أمها واصطحب زوجتك إلى بيتكما‭!‬

وسرعان ما حضر السكر‭!‬

** ** ** **

ها هو يطرق الباب‭.‬ قلبك يقول إنه هو‭.‬ وكل خلايا جسمك النحيل المتناسق تتفتح فجأة تقول لك إنه هو‭.‬

كنتما وحدكما، أمّك وأنتِ‭.‬ تفتح أمكِ الباب‭.‬ ها هو صوته الرخيم الرجولي ينطلق حنوناً‭.‬ يلقي بأعذب التحيات على أمك‭.‬ فتردّ بجفاء‭.‬ يغضّ الانتباه والطرفَ عن جفائها‭.‬ يقول لها حِرقته، وحدته‭.‬ بينما تتابعين أنتِ كلماته وتخاطبينه في أعماق قلبكِ، كلما تحرّق، بصمت تنطق به عالياً قسماتُ وجهك‭:‬

هوـ‭:‬ لم أعرف أمي،

أنتِ‭:‬ أنا أمّك،

هو‭:‬ ولم أعرف أبي،

أنتِ‭:‬ أنا أبوك،

هو‭:‬ وليس لي من صديق،

أنتِ‭:‬ أنا صديقتك‭..‬ أنا صديقتك‭..‬

ثم ما تلبثي أن تُبعِدي أمّكِ كي تفتحي الباب وتطلبين إليه الدخول والانتظار ريثما تلبسين ثياب الخروج والعودة بصحبته‭.‬

كنتِ تعلمين أن قلبكِ لم يكن مخطئاً‭.‬ كنتِ المرأة في أجمل تجلياتها عاشقة معشوقة‭.‬

وكان هو الرجل، الرجل المأمول‭..‬

ألم يحطم وهو في السبعين من عمره، بضربة واحدة تقاليد مئات السنين في الرجولة الفارغة حين قدّم نفسه للملأ ذات يوم لا باسمه، إسماعيل، بل بوصفه زوج “أم بدرالدين”؟

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.