مطلوب أدب نسوي

مطلوب أدب نسوي

الخميس 2018/03/01
لوحة: سهير سباعي

موقع المرأة في السينما العربية لا يختلف كثيرا عن موقعها في الحياة العامة: بين مهمش ومتذبذب. السينما هي حكاية القرن العشرين البصرية. والقرن العشرون هو حكاية صعود وتراجع مكانة المرأة في العالم العربي. ثمة توازٍ في المسارات لا يمكن إغفاله.

أدركت السينما العربية منذ بداياتها أهمية المرأة. المشهد السينمائي لا يكتمل من دون وجود المرأة فيه. الموجة الأولى من الأفلام كانت حافلة بالنفس الأرستقراطي. السينما في حينها كانت موجهة إلى هؤلاء وليس إلى الفقراء. نساء بأعداد كبيرة يُحطن بالبطل والبطلة، يرتدين ملابس السهرة الأنيقة ويدخن ويشربن الشمبانيا. والكثير، الكثير من الأغاني والطرب. هناك بطلة واحدة هي الحبيبة، وهناك حشد بلا قصة في الفيلم. ربما نجد صورة لأم متسلطة تصف حال النساء في عالم الثراء. عادة ما كانت شخصية الأم كاريكاتورية لا تنتمي إلى الواقع.

ملّ الجمهور بسرعة من الأفلام الأرستقراطية وصار ضروريا دخول عنصر الفقر. فقر على حافات حياة الأغنياء، أي الفتاة الفقيرة التي تحب الغني أو يخدعها أو تعلمه درسا في الأخلاق.

جاءت موجة الأفلام الشعبية. بنت البلد التي تتحدّى واقعها. الأم الحنون التي تطبخ لأبنائها وتسمع كلام زوجها. الفلاحة المظلومة في مجتمع قروي ذكوري. ارتفعت أسهم المرأة مع الموجة الشعبية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ولكن في عدد محدود من الأفلام ربما لا يعكس إلا حقيقة تواجدها في عدد محدود من مواقع العمل والمسؤولية في المجتمعات العربية.

موجة جديدة من الأفلام التي تعتزّ بجمال المرأة ودلعها وخفة دمها. موجة آخر الستينات وبداية السبعينات أخذتنا من بلاجات الإسكندرية إلى شوارع بيروت. المرأة الآن متحررة وتختار، ولكنها مهمشة ومادية ولا تمانع في أن تكون سلعة. حشد الجميلات زاد بصفة ملحوظة في الأفلام، ولكن قضايا المرأة تكاد تكون معدومة.

ثم وصلنا إلى أفلام العصر الكئيب. قضايا تحوّلات المجتمع وفقره وتشدده تمّ تناولها بوجود المرأة ولكنها الأقل تأثيرا فيها. بل على العكس، كانت تتراجع عن دور بنت البلد ودور بنت الاستعراضات والإغراء. زاد عدد النساء في الشارع، فزاد عددهن في الأفلام، ولكن بصورة تعكس الارتداد نحو الدين والتزمّت والانعزالية. صار مقبولا، لمراعاة تحجب الممثلة مثلا، أن نشاهدها وهي تقدم حوارا مع زوجها في الفيلم وهما وحيدان، لكنها تصرّ على ارتداء الحجاب. لا أحد يقبّل أحدا في الأفلام. والرقابة اكتشفت أخطاءها بالسماح بمشاهد العناق من أفلام الخمسينات والستينات وبعض السبعينات فحذفتها في عروض الأفلام القديمة على الشاشات الفضائية الجديدة. المرأة عادت عورة.

يمكن تسجيل بعض الحضور لقضايا المرأة الكبرى في السينما العربية. تدخلت زوجة الرئيس المصري فشاهدنا فيلما يبحث عن حل لقضية الطلاق. غضبت نساء وعملن في مهنة الإخراج، فوصلنا إلى زمن الأفلام التي تبدو انتقامية من سينما يسود الرجل في قضاياها. فيلم من تونس عن حال النساء وآخر من سوريا. ولكن لا توجد سينما تفرغت لقضايا المرأة بحق. اسأل أي متابع مهتم وسيعدد لك أفلام قضايا المرأة على عدد الأصابع.

خطوة إلى الوراء لننظر إن كان هناك أدب يتحدث عن قضايا المرأة. السينما تستلهم الأعمال الأدبية. فهل كُتب الكثير عن المرأة وقضاياها؟ هناك فيض من الأحاسيس والشعر، الكثير من الحب والعشق والوله، ولكن الأدب كان ذكوريا بامتياز. حتى لو أراد سينمائي أن يقدم فيلما عن المرأة، فكم لديه من الخيارات الروائية لكي يحوّلها إلى فيلم؟

الرجال يكتبون بالعموم عن عالمهم. لكنهم بين حين وآخر يكتبون عن المرأة. يصفونها بعيونهم لا بحقيقتها. والاستعارة من الأفلام الأجنبية، وهي صفة ملاصقة لتاريخ السينما العربية، لا تخدم المرأة أساسا، لأن الأفلام الغربية تصف امرأة مختلفة تماما عن أوصاف النساء في الشرق.

هذا يدفعنا إلى القول إن المرأة لم تدخل ساحة المعركة في التعبير عن نفسها أدبيا لكي تستطيع قضاياها أن تقتحم عالم السينما. ضاع السرد الدقيق عن حياة النساء اليومية في مجتمع عربي بمزاج متقلب، فضاعت قضيّتها. هناك حجاب أدبي تمارسه المرأة بحق نفسها وبنات جنسها لا يختلف عن ذلك الحجاب الذي صار صفة من صفات عصرنا الحديث. من دون حكاية عميقة مكتوبة لا يوجد فيلم يستحق المشاهدة.

المرأة أحقّ من الرجل في الدفاع عن حياتها وقضيّتها. وهي الأديب الأنسب لرواية واقع حالها في مجتمع يتقصّد الفصل ولا يمانع في العودة إلى عصر الحريم.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.