القصيدة‭ ‬الشافية

القصيدة‭ ‬الشافية

الأربعاء 2015/04/01
رسمة لعبدالباسط الخاتم

هل يستطيع الشعر أن يشفي جروح النفس الغائرة، وأمراضها المستعصية، وأن ينشل المرء من غياهب الألم، وأن يحرّره من براثن الأوجاع الكامنة، كسرطان بحريّ، في أعماقنا؟ يقول نوفاليس، شاعر الرومنتيكيّة الألمانية، إنّه على ذلك لقادر‭.‬ ففي شذراته الفلسفيّة، كتب، صاحب “تراتيل الليل”، في العام 1798، قائلًا “يشفي الشعر الجراحَ التي تسبّب بها العقل”‭.‬ ولا يشذّ عن جوهر ذلك مولانا جلال الدين الرومي حين يقول “الجرح هو المكان الذي يدخل منه الضياء إليك”، ولا حين يقول “إن كنت تتوق إلى الشفاء‭/‬دع نفسك تمرض”‭.‬ فثمة، في الشعر، قوّة سريّة، قادرة على شفاء ما استعصى عليه الدواء‭.‬

القصيدة المداوية، والاستشفاء بالشعر، وفنّ شفاء نظم القصائد، والشعر بوصفه دواءً، والدواء الشعريّ؛ عبارات تكرّرت مرارًا، في الآونة الأخيرة، على ألسنة المعالجين النفسيّين‭.‬ بل إنّ تيارًا قويًّا يدعو إلى توظيف نشاطات إبداعيّة في علاج المرضى، راح يكتسب مكانته المرموقة، في السنوات القليلة الماضية، بين الأطباء والمعالجين‭.‬ يقود القائمون على مستشفى شاندس، بجامعة فلوريدا، في الولايات المتحدة، الجهود الداعية إلى عَدّ الفنون جزءًا لا يتجزأ من عملية الشفاء نفسها‭.‬ وقد اجتمع ثلاثة أطباء يعملون في هذا المستشفى، روب لورنس وجون غراهام بول، وهما طبيبا أطفال، ومايكل أوكم، وهو متخصص في علم الأعصاب، ثم انضم إليهم، في مرحلة لاحقة، جون فوكس، وهو كاتب ومعالج مجاز للمداواة بالشعر‭.‬

تتمحوّر التيمة الأساسيّة، في أطروحات هؤلاء العلماء، على أنّ للغة قوة قادرة على نقل المرء من الخسارة واليأس إلى السعادة والأمل‭.‬ لذا، يسعى جون فوكس إلى حثّ الطلبة الذين يدرسون الطبّ على كتابة الشعر، موضحًا أنّ الفنون تستطيع مساعدة الأطباء على النظر إلى تجاربهم مع المرضى من منظور الأبعاد الإنسانيّة لتلك السرديّات، وليس من منظور بيولوجيّ فحسب‭.‬ فالشاعر والطبيب، بالنسبة إلى جون فوكس، يمكن لهما أن يكونا معالجين، ولا بُدّ لمن يعملون في حقل الطبّ أن ينتبهوا إلى هذه الحقيقة‭.‬ ثم يقدّم الدكتور أوكم تفسيرات دامغة حول ما يدعو إليه، بالحديث عن قوّة الكلمات الشافية وعلاقتها بهرمون الإندروفين، الذي يُعدّ من أهم مسكنات الألم التي يفرزها الجسم بشكل طبيعيّ‭.‬ فهذا الهرمون هو المسؤول المباشر عن توصيل الإشارات العصبيّة‭.‬ فحين يفرز الجسم الإندروفين ‭-‬أو “قناع الغبطة”، وفق توصيف الدكتور ألين هيرش، مدير مركز الأعصاب في مؤسسة الشمّ والذوق للبحوث العلمية بجامعة شيكاغو‭-‬ فإنه يرتبط بمستقبلات الألم، ثم يعمل على تخفيف حدّة الشعور بالألم، بالطريقة ذاتها التي تقوم بها العقاقير المخدّرة، كالمورفين والهيرويين والكوكايين؛ كما يعمل على تحسين المزاج، وعلى شعور المرء بالغبطة والسعادة والحبور‭.‬

وبما أنّ القصائد هي تعبير عاطفيّ عن المسرّة والألم، فإنها تصبح ملهمة ومعالجة وشافية‭.‬ فأكثر العلاجات نجاعة، هي تلك التي تعمل على أن يجد المريض معنى لذاته، والتي تمنحه القدرة على تحمّل الألم، بعثوره على القوّة الذاتية المناسبة لذلك‭.‬ فالعلاج بالفنون يساعد الناس على أن يتخفّفوا من وطأة الضغوط، وعلى تعزيز كبريائهم وشعورهم العالي بذواتهم‭.‬ كما يساعد المرء على الغوص عميقًا في مشاعره الذاتية، حتى يصبح متوائمًا مع ذاته تمامًا، وغير منفصل عنها‭.‬

كما يتحدث العلماء عن ثمار توظيف الفنون في العلوم الطبية‭.‬ فالشعر يساعد الأطباء على أن يصبحوا معالجين أفضل، في ضوء حقيقة الحديث عن قدرة القصائد على تعليم الناس أن يروا العالم من وجهة النظر العاطفيّة للذين كتبوها في الأصل؛ أيّ من وجهة نظر شخص آخر‭.‬ ثم يدعو المتحمّسون لفكرة التطبيب بالفنون، إلى أن تقوم ممارسة الطبّ، نفسها، على فلسفة تنطوي على نطاق المشاعر الإنسانيّة برمّته‭.‬

وبما أنّ الأميركيين، بحسب الدارسين، قد وصلوا إلى نقطة ارتياب عظيمة بنظام الرعاية الصحية، فأصبحت علاقة الطبيب بمريضه، في أحسن حالاتها، هي علاقة متباعدة ومتنافرة، فإنّ البحوث المستندة إلى ظاهرة “السّرديات الشخصيّة” بوصفها وسيطًا للشفاء، هي ظاهرة أخذت تتعاظم، في الآونة الأخيرة، في حقول الطبّ والمعالجة النفسيّة‭.‬ “فالدواء السرديّ”، إن صحّت ترجمتنا لهذه التّسمية، يستطيع مساعدة الممرضات والأطباء والمرشدين الاجتماعيين، كما يساعد المرضى على العمل مع بعضهم البعض، لتكوين نظام رعاية صحيّة فعّال، وعلى قدر عال من الأهليّة‭.‬

تأخذنا كيم روسن، صاحبة كتاب “أنقذتني القصيدة‭:‬ قوّة الكلمات المتحوّلة”، في رحلة مشوّقة، وهي تبحث عن قوّة الكلمات، عبر مقالتها المنشورة بمجلة “الروحانيّة والصحّة”، في العام 2012، والتي جاء عنوانها “قوّة الشعر الشافية”‭.‬ تقول روسن ‭-‬وهي التي كانت، بحسب قولها، تخاف الشعر، معتقدة أنه نوع من كتابة سريّة لجمعيّة نخبويّة‭-‬ إنها، وفي غمرة كآبة قاتلة اجتاحتها في العام 1994، تعرّفت على تلك القوّة الشافية للشعر، بمحض الصدفة، عبر تسجيلات مهملة، تعود لحقبة دراستها الجامعية، عثّرت عليها وهي تنظف بيتها ذات يوم‭.‬ أدارت التسجيلات، بعد أن مسحت المسجّل من وبر القط والغبار الذي كان يعشّش فوقه، فعمّ المكانَ صوت رجل يقرأ الشعر‭.‬ صوت تجعلها ترتعش‭.‬ بعد تلك الحادثة، جعلت روسن القصائد جزءًا أصيلًا من حياتها؛ ليست قراءة الشعر بصوت مسموع وتقليب صفحات كتبه فحسب، وإنما عملت على تطوير علاقة ثرّة مع القصائد التي أحبّتها أكثر من غيرها‭.‬ حفظت روسن تلك القصائد عن ظهر قلب، ثم طبعت بعضها على شاشة الكمبيوتر، وعلّقت بعضها الآخر على ثلّاجة المطبخ‭.‬ ولم تكُن روسن تغادر بيتها قطّ إلّا وقصيدة في جيبها‭.‬ ثم أقدمت على طباعة مقتطفات من الشعر الذي عشقته على بطاقات صغيرة، ثم راحت تستخدمها كأوراق لقراءة البخت، والرجم بالغيب‭.‬ لقد أصبحت تلك القصائد علاجَها الشعريّ ودواءَها وصلاتها‭.‬ ولم تكُن الكلمات، بالنسبة إلى المرأة التي أنقذتها القصائد، مجرّد حكمة فحسب، بل جعلت جسدها يهتزّ على تذبذبات المقاطع والصور‭.‬

كيف تجعل الكلمات الشعريّة الجسدَ يهتزّ ويرتعش؟ وهل ثمّة للشعر تأثير فيزيقيّ ملموس؟ وللإجابة على هذا التساؤل، تستشهد كيم روسن بمقولة لإيميلي ديكنسون، الشاعرة الأميركية العظيمة “آنَ أقرأ كتابًا، فيصيبُ جسدي كلّه ببرد شديد، فلا نارَ تكون قادرة على تدفئته قطّ، أعرفُ أنه الشعر‭.‬ وآنَ أشعر، في جسدي، كأنّ قمّة رأسي قد بترت، أعرف أنه الشعر‭!‬”‭.‬

هنا، تصبح القصيدة ‭-‬القصيدة التي تغرف من حياة شاعرها وعذاباته، أو ما يطلق عليها “قصيدة الحياة الجوّانية”‭-‬ ترنيمة سريّة، تعويذة ورقية‭.‬ تنسرب المقاطع الشعريّة، بإيقاعاتها وأصواتها وصورها، إلى مفاصلك، فتهزّها، تتمازج مع أنفاسك، وتتماوج معها، فترعشها وتخضّها‭.‬ تضرب، بطقسها الكهربائيّ، في أعماق روحك، تخلّع أبواب القلب، وتصعد بك إلى أعلى عليّين، ثم ترميك، دفعة واحدة، إلى أسفل سافلين‭.‬ ثم، وفي أطوار الفصول كلّها، وفي أطوار الولادة جميعها، ترى نفسك من جديد، جالسة في “مقعد الروح”، بين تلاقي الجوانيّ بالبرّاني، وهي تطلّ على المكان الذي يدخل منه الضياء إليك‭:‬ على الجرح وقد صار منارة تنير لك درب الرجوع إلى “الغريب الذي هو نفسك التي سوف تعشقها ثانية، من جديد” .

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.