حي‭ ‬في‭ ‬نزيف‭ ‬الشعر وفي‭ ‬قلوب‭ ‬الشعراء

حي‭ ‬في‭ ‬نزيف‭ ‬الشعر وفي‭ ‬قلوب‭ ‬الشعراء

الثلاثاء 2018/05/01

اجلسي‭ ‬خمسَ‭ ‬دقائقْ‭/ ‬لا‭ ‬يريدُ‭ ‬الشَّعرُ‭ ‬كي‭ ‬يسقطَ‭ ‬كالدرويش‭ ‬في‭ ‬الغيبوبة‭ ‬الكبرى‭/ ‬سوى‭ ‬خمس‭ ‬دقائق‭/ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬الشِّعرُ‭ ‬كي‭ ‬يثقبَ‭ ‬لحمَ‭ ‬الورق‭ ‬العاري‭/ ‬سوى‭ ‬خمسِ‭ ‬دقائق‭/ ‬فاعشقيني‭ ‬لدقائق‭/ ‬واختفي‭ ‬عن‭ ‬ناظري‭ ‬بعد‭ ‬دقائق‭/ ‬لست‭ ‬أحتاجُ‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬علبة‭ ‬كبريتٍ‭/ ‬لإشعال‭ ‬ملايين‭ ‬الحرائق‭/ ‬إن‭ ‬أقوى‭ ‬قصص‭ ‬الحب‭ ‬التي‭ ‬أعرفها‭/ ‬لم‭ ‬تدُم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمس‭ ‬دقائق‭.‬

هل‭ ‬مات‭ ‬نزار؟‭ ‬ماتَ‭ ‬منذ‭ ‬خمس‭ ‬دقائق‭. ‬أو‭ ‬كأنه‭ ‬لم‭ ‬يمُت‭ ‬أبدًا‭. ‬فهو‭ ‬«رقمٌ‭ ‬صعبٌ‮»‬‭ ‬عصيٌ‭ ‬على‭ ‬الموت‭. ‬وهل‭ ‬تموتُ‭ ‬الأرقام؟‭ ‬مَن‭ ‬منّا،‭ ‬نحن‭ ‬شعراءَ‭ ‬الراهنة،‭ ‬نجا‭ ‬من‭ ‬«شَرَك‮»‬‭ ‬نزار؟‭ ‬الإجابة،‭ ‬تقريبًا‭ ‬«لا‭ ‬أحد‭!‬‮»‬‭. ‬نزار‭ ‬عتبةٌ‭ ‬حتميةٌ؛‭ ‬يمرُّ‭ ‬عليها‭ ‬الشعراءُ،‭ ‬ثم‭ ‬يبرحونها‭ ‬بعد‭ ‬برهةٍ،‭ ‬أو‭ ‬برهتين،‭ ‬وقد‭ ‬علق‭ ‬بعباءاتهم‭ ‬شيءٌ،‭ ‬قَلَّ‭ ‬أو‭ ‬كَثُر،‭ ‬من‭ ‬غبار‭ ‬تلك‭ ‬العتبة‭ ‬الصعبة‭. ‬معظم‭ ‬شعراء‭ ‬الراهنة‭ ‬قلِّدوا‭ ‬نزار‭ ‬في‭ ‬البدايات،‭ ‬بوعي‭ ‬أو‭ ‬دون‭ ‬وعي،‭ ‬أو‭ ‬تأثروا‭ ‬به‭. ‬وإن‭ ‬وجدتَ‭ ‬شعراء‭ ‬كبارًا‭ ‬ينهلون‭ ‬من‭ ‬معين‭ ‬نزار‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬نضوجهم،‭ ‬فلا‭ ‬تندهش،‭ ‬ولا‭ ‬تلُمهم‭. ‬فهو‭ ‬«شَرَكٌ‮»‬‭ ‬صعبٌ،‭ ‬والتخلُّص‭ ‬من‭ ‬خيوط‭ ‬الشرك‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عزمٍ‭ ‬قويّ‭ ‬لا‭ ‬يمتلكه‭ ‬إلا‭ ‬أولو‭ ‬العزم‭.‬

نزارُ،‭ ‬سهلٌ‭ ‬سهولةَ‭ ‬الماء،‭ ‬وعصيٌّ‭ ‬كما‭ ‬خيط‭ ‬العنكبوت‭. ‬نهرٌ‭ ‬دافقٌ‭ ‬إن‭ ‬خضتَ‭ ‬فيه،‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬شمس‭ ‬حارقة‭ ‬وبعض‭ ‬يوم‭ ‬حتى‭ ‬تجفَّ‭ ‬ثيابُك‭ ‬من‭ ‬مائه‭. ‬وأحبولةُ‭ ‬عنكبوتٍ‭ ‬إن‭ ‬علِقتَ‭ ‬فيها،‭ ‬تحتاجُ‭ ‬دهورًا‭ ‬حتى‭ ‬يستخلّص‭ ‬جسدُك‭ ‬من‭ ‬كامل‭ ‬خيوطه‭.‬

في‭ ‬بداية‭ ‬الصبا‭ ‬بعدما،‭ ‬حين‭ ‬بدأتُ‭ ‬كتابةَ‭ ‬الشعر،‭ ‬تأثرتُ‭ ‬بإبراهيم‭ ‬ناجي‭. ‬كنتُ‭ ‬أحاكي‭ ‬قصائده‭ ‬وأغيّر‭ ‬في‭ ‬كلمات‭ ‬المتن‭ ‬والقوافي‭. ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬خرجتُ‭ ‬من‭ ‬عباءته‭ ‬لأسقطَ‭ ‬في‭ ‬أحبولة‭ ‬نزار‭. ‬ولما‭ ‬اكتشفتُ‭ ‬أن‭ ‬التخلُّصَ‭ ‬من‭ ‬خيوطه‭ ‬صعبٌ‭ ‬على‭ ‬ضعفي،‭ ‬عاقبتُ‭ ‬نفسي‭ ‬عقابًا‭ ‬مُرًّا‭. ‬حرّمتُ‭ ‬على‭ ‬نفسي‭ ‬كتابة‭ ‬الشعر‭ ‬أعوامًا‭ ‬ثلاثة‭. ‬كلّما‭ ‬راودني‭ ‬شيطانُ‭ ‬الشعر،‭ ‬دحرتُه‭ ‬وكتمتُ‭ ‬الكلماتِ‭ ‬في‭ ‬صدري‭ ‬لئلا‭ ‬تخرج‭ ‬ممزوجةً‭ ‬بعطر‭ ‬نزار‭. ‬كنتُ‭ ‬أجاهِدُ‭ ‬نفسي،‭ ‬وأجاهدُ‭ ‬الشعر،‭ ‬وأجاهدُ‭ ‬العنكبوت‭. ‬معركة‭ ‬ثلاثية‭ ‬مُرّة‭ ‬وصعبة‭ ‬على‭ ‬طفلةٍ‭ ‬تحبو‭ ‬على‭ ‬عتباتِ‭ ‬الأدب‭. ‬لكن‭ ‬عنادي‭ ‬كان‭ ‬صلبًا‭ ‬وكبريائي‭ ‬كانت‭ ‬حادّة‭. ‬كلما‭ ‬ضعفتُ‭ ‬أمام‭ ‬نزار‭ ‬وقلتُ‭ ‬لنفسي‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬عنترة‭ ‬بن‭ ‬شداد‭ ‬«وهل‭ ‬غادر‭ ‬الشعراءُ‭ ‬من‭ ‬مُتردّمِ؟‮»‬،‭ ‬كانت‭ ‬كبريائي‭ ‬تصفعُني‭ ‬قائلة‭ ‬لي‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬نزار‭ ‬«إن‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬بشيء‭ ‬مدهش،‭ ‬فلا‭ ‬تتحرّش‭ ‬بالورق‭ ‬الأبيض‮»‬‭. ‬فكنتُ‭ ‬أقاوم‭ ‬التحرش‭ ‬بالورق‭ ‬حتى‭ ‬أصفو‭ ‬إلى‭ ‬صوتي‭ ‬الخاص‭. ‬وصفا‭ ‬صوتي‭ ‬بعد‭ ‬برهة‭.‬‭ ‬فكتبتُ‭ ‬الشِّعر‭ ‬وأعلنتُ‭ ‬نفسي‭ ‬شاعرةً‭.‬

ولد‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬الربيع‭. ‬21‭ ‬مارس‭ ‬1923،‭ ‬وطار‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬الخلود‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبرح‭ ‬الربيعُ‭ ‬الأرض‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬منذ‭ ‬عشرين‭ ‬عامًا‭. ‬وكأنما‭ ‬لم‭ ‬يمت‭ ‬إلا‭ ‬منذ‭ ‬خمس‭ ‬دقائق‭. ‬فهو‭ ‬عائشٌ‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬دواوينه‭ ‬هو‭ ‬فقط،‭ ‬إنما‭ ‬في‭ ‬ديوان‭ ‬الشعراء‭ ‬كافّة‭. ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تعثر‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ديوان‭ ‬شعري‭ ‬لشعراء‭ ‬الراهنة،‭ ‬مختبئًا‭ ‬بين‭ ‬سطرين‭ ‬أو‭ ‬متخفيًّا‭ ‬وراء‭ ‬كلمة‭ ‬أو‭ ‬نائمًا‭ ‬تحت‭ ‬ظلّ‭ ‬صورة‭ ‬شعرية‭. ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬ستعثر‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬أغاني‭ ‬المطربين‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬وغربه‭ ‬راقصًا‭ ‬فوق‭ ‬ألسنتهم،‭ ‬متواثبًا‭ ‬فوق‭ ‬خيوط‭ ‬حناجرهم‭.‬

نزار‭ ‬قباني‭ ‬طفلٌ‭ ‬يتواثب‭ ‬فوق‭ ‬خرائط‭ ‬الفرح‭ ‬وخرائط‭ ‬العذاب‭ ‬وخرائط‭ ‬الهوى‭. ‬قبض‭ ‬على‭ ‬خيوط‭ ‬جغرافيا‭ ‬القلوب‭ ‬والعشق‭ ‬فأحبّه‭ ‬العشاقُ‭ ‬وتلصّصوا‭ ‬على‭ ‬قلبه‭ ‬ليسرقوا‭ ‬من‭ ‬نزفه‭ ‬ما‭ ‬يكتبونه‭ ‬لحبيباتهم‭ ‬فتسقط‭ ‬الحبيبات‭ ‬في‭ ‬الهوى‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬لوعة‭ ‬الكلمات‭.‬

أذكر‭ ‬أن‭ ‬أول‭ ‬قصيدة‭ ‬عشق‭ ‬وصلتني‭ ‬من‭ ‬«ابن‭ ‬الجيران‮»‬‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬مُقرصنات‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭. ‬كنتُ‭ ‬صغيرةً‭ ‬جدًّا‭ ‬فلم‭ ‬أعرف‭ ‬وقتها‭ ‬أن‭ ‬القصيدة‭ ‬مُقرصنة‭ ‬من‭ ‬نزف‭ ‬نزار‭. ‬لكنني‭ ‬عرفتُ‭ ‬أن‭ ‬الحبَّ‭ ‬وخطاباتِ‭ ‬الحبِّ‭ ‬وكلماتِ‭ ‬الحب،‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬إلا‭ ‬هكذا‭. ‬فدقَّ‭ ‬قلبي‭ ‬دقَّتَه‭ ‬الأولى‭. ‬أحببتُ‭ ‬الكلمات‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أحبَّ‭ ‬مَن‭ ‬أحبّني‭ ‬وكتبَ‭ ‬لي‭ ‬شعرًا‭ ‬يشبه‭ ‬شعر‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭. ‬علّمني‭ ‬نزار‭ ‬أن‭ ‬أعشق‭ ‬قبلما‭ ‬أعرف‭ ‬ما‭ ‬العشقُ‭. ‬علّمني‭ ‬نزار‭ ‬أنني‭ ‬أنثى‭ ‬قبلما‭ ‬أدرك‭ ‬ما‭ ‬الأنوثة‭. ‬ولم‭ ‬أدر‭ ‬وقتها‭ ‬أنني‭ ‬بدأتُ‭ ‬مرحلة‭ ‬السقوط‭ ‬في‭ ‬أحبولة‭ ‬الشعر‭ ‬وأحبولة‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭.‬

فيا‭ ‬نزار،‭ ‬مُتْ‭ ‬ما‭ ‬شاء‭ ‬لك‭ ‬الموتُ،‭ ‬فأنت‭ ‬حيٌّ‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬الشعر‭ ‬وفي‭ ‬نزيف‭ ‬الشعراء،‭ ‬وفي‭ ‬قلوب‭ ‬العشاق‭.‬

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.