شبح‭ ‬يخيم‭ ‬على‭ ‬سماء‭ ‬الشعر‭ ‬التونسي‬‬‬‬‬

شبح‭ ‬يخيم‭ ‬على‭ ‬سماء‭ ‬الشعر‭ ‬التونسي‬‬‬‬‬

الأحد 2015/03/01

إن الخوض في هذه المسألة والبحث في مرجعيّاتها وأسباب التّعتيم الذي فرض حولها يتطلّب منّا في الواقع كثيرا من الحذر والحيطة، فنحن إزاء واقع جديد مازال قيد التّشكّل ولا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال إطلاق توصيف ثابت عليه‭.‬ هذا الواقع، كما نعلم، فرضه تطوّر التّكنولوجيا والتّقنية الذي فتح مسارب ونوافذ جديدة لمجموعة من الكتّاب طالما عانوا في الماضي من التّجاهل والإقصاء والتّهميش القسريّ الذي تمارسه عادة مؤسّسات الثّقافة الرّسميّة بكلّ دوائرها البيروقراطيّة التي تبدأ من الوزارة دون أن تنتهي عند المثقّفين التّابعين لها ودور النّشر المشبوهة‭.‬ كلّ هذا يحدث بالموازاة مع الثّورة التّونسيّة التي اعتمدت في كثير من حراكها على الفايسبوك من أجل التّرويج لشعاراتها المنادية بالحرّية والتّغيير، لذلك يمكننا أن نتحدّث هنا أيضا عن ثورة الشّعراء التّونسيّين ضدّ الأنظمة البائدة سواء داخل النّص أو خارجه‭.‬‬‬‬

إذن، نحن نتحدّث عن الهامش الشّعريّ التّحرّري، حيث التقى هؤلاء الشّباب دون اتّفاق مسبق مثل رياح ركّب بعضها البعض لتغربل الصّحاري وتُقطّر الثّلوج النّائمة على قمم الجبال البعيدة وتقلب نفايات العالم من أجل البحث عن قشّة‭.‬ هكذا، بخفّة تلك القشّة فقط، يمكننا أن نتعامل مع هؤلاء الشّعراء حتّى نستطيع أن ننفذ إلى عوالمهم الصّغيرة والبسيطة علّنا نعرف أسباب رحيلهم إلى الفايسبوك والوجهات التي يبحثون عنها‭.‬‬‬

البعض يربط هذه الظّاهرة بارتفاع تكلفة النّشر وحالة البطالة واليأس التي يعيشها أغلب الشّباب التّونسيّ، حتّى أنّ أحد النّقّاد الجامعيّين قد فسّر كلّ ما يحدث بأنّه تصعيد مؤقّت للكبت الذي يعيشه هؤلاء مبشّرا بسرعة اندثار هذه “المراهقة الشّعريّة” على حدّ تعبيره‭.‬ ربّما يحقّ لنا الآن أن نسأل: هل بمثل هذا الطّرح يمكننا أن نفهم المسألة؟ قطعا لا، وإلاّ لماذا لا نقول مثلا إنّ النّشر الافتراضيّ هو موقف رافض لهذا الواقع المريض؟ لماذا لا يكون تماهيا مع روح الشّعر الصّافية التي لا تقبل البيع والشّراء؟ لماذا لا نسمّي هذا بحثا عن إيصال الشّعر التّونسيّ إلى أبعد نقاط الأرض وهو ما يتيحه الفايسبوك عكس هذه الجغرافيا المسيّجة بالحدود والقوانين؟‬

على أيّ حال، يبدو أن لا خيار لنا سوى الانتظار قليلا لفهم هذه الظّاهرة مادام الإعلاميّون ومعهم النّقّاد والكتّاب يتعاملون معها بتجاهل تامّ عوض البحث عن المميّز في هذه التّجارب الجديدة وتتبّع الخطوط التي تلتقي فيها والأطر التي تجمعها أو التي قد تذهب إليها في المستقبل‭.‬ لا نعرف في الحقيقة إن كان هذا التّعتيم مردّه تخوّف هؤلاء من التّغيير الذي قد يذهب بسلطانهم أم أنّه العجز والقصور عن قراءة كلّ هذه المتغيّرات التي تحتاج في تقديرنا إلى وعي نقديّ نافذ من أجل الإمساك بها وفهمها، لكنّنا في المقابل متأكّدون من أنّ الجميع يتابعون بحرص كلّ ما يكتبه هؤلاء الشّعراء على صفحاتهم، ويكتفون بالصّمت وتغطية القشّة بأكوام من الإبر كي لا تقصم ظهر البعير‭.‬‬‬

نحن نتحدث عن الهامش الشعري التحرري، حيث التقى هؤلاء الشباب دون اتفاق مسبق مثل رياح ركب بعضها البعض لتغربل الصحاري وتُقطر الثلوج النائمة على قمم الجبال البعيدة

يتحدّث البعض أحيانا عن “الشّعراء الجدد” أو “الشّعراء الشّبّان”، مستعملين هذه التّصنيفات الاجتماعيّة التي لا تمتّ في الواقع بصلة للشّعر معبّرين بذلك عن استسهال وعجز كبيرين في التّعامل مع هذه التّجارب الإبداعيّة أو في محاولة واضحة منهم لتقزيمها والحطّ من شأن القصائد التي تنتمي إليها، وإلاّ فما الدّاعي إلى استعمال هذا التّصنيف المستفزّ؟ إنّ اعتماد مثل هذه التّوصيفات الموبوءة سيؤدّي حتما إلى تسطيح المسألة وتعويمها في سجال عقيم لن يؤدّي إلى نتيجة، فالشّاعر لا يكتسب صفته إلاّ من خلال نصّه وليس من خلال اعتبارات أخرى، وإلاّ فأبو القاسم الشّابّي شاعر شابّ ورامبو الذي أنهى مشروعه الشّعريّ في سنّ العشرين هو شاعر شابّ أيضًا بينما سنجد شعراء كهولا وشيوخا إلى غير ذلك‭.‬ ثمّ ما معنى شعراء جدد؟ ماذا يكتب هؤلاء؟ هل يوجد شعراء قدماء؟‬

إنّ التّعامل مع الشّعر على أنّه أخويّة أو نادٍ تتحدّد فيه التّراتبيّة بين الشّعراء حسب تاريخ الانظمام إليه سيؤدّي حتما إلى اتّساع الهوّة بين القصيدة والقارئ، كما أنّ تعميم مثل هذه التّوصيفات النّمطيّة، والتي تحيلنا بشكل مضحك على عوالم بعيدة كلّ البعد عن الأدب، سيكون حتما على حساب النّص المتفرّد والمبدع الحقيقيّ، وربّما هذا ما يسعى إليه من يروّجون هذه الإتيكات محاولين إلصاقها بالجميع من أجل إخماد كلّ شرارة ثوريّة قد تلوح في نصّ ما مقتدين في ذلك بخطّة تلك الرّاقصة الماكرة ريحانة التي وضعت علامة على كلّ أبواب المدينة كي يلتبس الأمر على اللّصوص فلا يهتدون إلى منزل علي بابا حيث تنام الجواهر الحزينة في العتمة‭.‬ لكن يبدو أن أكثر هذه الإتيكات التي أصبحت تستعمل الآن كمفهوم رسميّ لبعض الشّعراء هي “الشّعراء الفايسبوكيّون”‭.‬‬‬

هكذا، بجرّة قلم واحدة على إحدى صفحات جريدة صفراء أو في أمسية شعريّة باذخة في أحد الفنادق تُجمّع كلّ الأنهار والينابيع والحمم والمجاري والفضلات في بحيرة واحدة ليصير مروّج النّكات وكاتبة الخواطر والشّاعر المحموم وكاتب البوستات في أنبوب اختبار واحد يرفعه أحد الكتّاب الزّعماء مثل خبير نوويّ ليقول لنا متصنّعا الأسف إنّ المياه ملوّثة، ثمّ يلقي علينا مواعظه التي تحذّر من الهامش بدعوى أنّه انسحاب من الحقل الثّقافيّ المنضبط وتسيّب فكريّ تافه لا علاقة له بالجذور والأصل والمنبع‭.‬ هنا أيضا نلاحظ مدى الفقر والعجز عن تتبّع ديناميكيّة المشهد الثّقافيّ عموما والقصور عن فهم المتغيّرات الثّوريّة والأسباب والمحرّكات التي ينتجها هذا الواقع وما يمكن أن يضيفه كلّ ذلك لقيمة الأدب التّونسيّ، وهي عموما حال جميع الدّيكتاتوريّين الذين باغتتهم شعوبهم الثّائرة بشعارات لم يفهموها حتّى…‬

إذن، سيظلّ هذا “الشّاعر الرّسميّ” دائم إلصاق صفة “الشّاعر الفايسبوكيّ” على كلّ “شاعر شابّ جديد” ينشر قصائده على الفايسبوك ولا يملك كتابا في رصيده، وبذلك يعتقد أنّه انتصر لتاريخه الكتابيّ المكتظّ بالدّواوين والدّراسات على كلّ الجغرافيا المكتوبة ولو كانت حتّى على المواقع الافتراضيّة‭.‬ غير أنّ كلّ ذلك التّظاهر بالثّقة واللّامبالاة لا يخفي في الحقيقة توجّسه وريبته وهو يرى جيلا كاملا يمدّ يديه مبتسما ويدخلهما في كومة الإبر ليبحث عن تلك القشّة الصّغيرة كي يرتق بها عشّ لقلق حزين في مكان ما، لكن يبدو أنّ كلّ تلك الابتسامات لا تطمئن شاعرنا الرّسميّ، ولذلك سيواصل الهروب دائما مثل بعير خائف من أن يُقصم ظهره، معتقدا أنّه يحمل كلّ الينابيع في رقبته، وأنّه الوحيد الذي سيعبر الصّحراء.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.