الثقافة‭ ‬العربية‬‬ والتحليل‭ ‬النفسي‬‬

الثقافة‭ ‬العربية‬‬ والتحليل‭ ‬النفسي‬‬

الأحد 2015/03/01
تكوين للفنان حمادي الهاشمي - تصوير رونالد كويسينس

نقصد بالأبوية (البطريركية) ذلك الخضوع المطلق وغير المبرر، الذي يرثه الفرد ويتماهى معه، بل ويدافع عنه، خضوع لا يسائله العقل، ويتجنّب مساءلته بشكل يكون التجنّب نفسه آلية لاشعورية تنتمي للنظام نفسه‭.‬ من مظاهر ذلك أن الفردَ العربيّ لا يكاد يقررُ أمرا في حياته الشخصية والاجتماعية، لا يختارُ معظم خياراته إلا بالموافقة على ما اختارته أُسرته كيَدٍ مخملية يبسطها المجتمع على كل حياة الفرد‭.‬ يبدو أن هذا الخضوع المُريب يحيلنا إلى سلطة لا واعية لم نفكّرها بعد في الثقافة العربية‭.‬‬‬‬‬‬‬

ليس الإنسان العادي فقط من يخضع لهذه السّلطة بل حتى المثقّف والكاتب والمفكرّ أي من ينتج الثقافة العالمة، وهو سرّ تجدد السطوة لهذه السلطة بما يُعاد إنتاجها داخل الخطاب العالِم للثقافة‭.‬ أول لَبِنات هذه البنية البطريركية هي “عقدةُ أوديب” وهي البنية الأكثر كونية والمتحكّمة في كل الثقافات الإنسانية ومفادها أن علاقة الطّفل في المراحل الأولى للطفولة ستبقى تُهيكل كل شخصيته مستقبلا، مراهقا، كهلا، وشيخا، وأن هذه العلاقة تعرّضت إلى شرخٍ بنيوي مفاده أن الطفل يكتشف خيانة أمّه له مع أبيه، خيانةَ تؤسس فيما بعد علاقته الأبدية مع الأنثى ونظرته للمرأة، وحساسيته إزاء الشعور بالغيرة، وبالتالي نظرته للجنس والزواج والحب والعالم ككل‭.‬ وهنا يقف التساؤل وجيها: كيف تكون الكتابة شهادة صادقة ومبشّرة بالمعرفة في آن؟‬‬‬‬

الكلام، الصّدق، والتأجيل

ربّما يكون الدّرس الكبير الذّي تعلّمَتْهُ الإنسانية من “ألف ليلة وليلة” هو أن “الكلام يؤجّل الموت”، وهو نفس الدرس الذي قامت عليه نظرية التحليل النفسي فيما بعد، حيث سيكتشف سيغموند فرويد أن “الكلام يبدد المرض”، فكلّما استطاع المُحلل النفسي استدراج المريض/العصابي إلى الحديث عن أشيائه الصغيرة التي يكون قد عاشها في طفولته ونسيَها يكون قد اقترب من فكفكة عقدة ما، وإذابة هوَسِ مخفيّ تحت ركام اللاشعور‭.‬ المجتمعات الديمقراطية بدورها اكتشفت تلك القدرة المذهلة للحديث والكلام والنقاش في إذابة كل المشاكل وتذويب الطابوهات مما يُكسبُ المجتمع حصانة مانعة ضدّ كل الانحرافات والأمراض والأزمات الاجتماعية، وهذا ما يفسّر نجاح البرامج التليفزيونية التي تطرح نقاشات وجدالات جريئة وعميقة‭.‬‬‬‬‬

إذا كان العالم يسبح في نور اللغة، فإن اللغة لعبة قوامها الانكشاف والتحجّب وأن كل الظواهر والمشاعر الإنسانية والتاريخية تجدُ حلّها وعقدها داخل هذه اللعبة، فما تحجبهُ اللغة يُجليه الكلام/الكتابة/الحكي/النقاش‭.‬ أكادُ أجزم أن معظم مشاكل العرب تفاقمت واستفحلت كالسّرطان تحت جلد الصّمت المُبيَّت، وتحت الطّمس المُصادِر للحق في الكلام/الوجود بِوَجهٍ مختلفٍ عن نمط الكينونة الشّائع والمفروض قسرا‭.‬‬‬‬‬

كلّ كلام هو إعلانُ عن غيرية جذرية يتعالى بها المُتكلّم عن موضوع كلامه وعمّن يتوجّه إليهم بالكلام‭.‬ وهنا تسكنُ كل سلطة وكل مركز، حيث يبرُز الصّوت الحيّ للكلام/الكتابة داخل محيطٍ غير محدد من الهوامش الصّامتة هو موضوع المتكلّم والخاضع له سمعاً وطاعةً‭.‬ يقبل المستمعُ/القارئ سطوة الكلام وهو خاضع لأهواء المتكلّم/الكاتب، كما يفوّض الصامتون بصمتهم للمتكلّم الكلام بالنيابة عنهم ويتحمّلون وزر ذلك دون أيّ مساءلة‭.‬ لا حدودَ لقدرةِ الكاتبِ في صياغة عوالمه، إذا امتلك أدوات القولِ في صناعته، و”من لا صنعة له لا يُصغى له” يقول الجاحظ‭.‬ فالأسلوبُ عرضٌ لأزياء اللّغةِ في رشاقة الذّكاء، واللّغة سمٌّ زعاف، وهي أفق الصّدق اللامتناهي، فمن امتلك اللغة امتلك الخطاب وسيّد الخطاب هو السيّد‭.‬ أمّا الصّدق فهو أن تكون نفسكَ في كلّ مرّة تُوضع على نفسِ المحكّ من جهة الأصدقاء ومن جهة الأعداء‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

فالصّدقُ بلا أدواتٍ للصنعة تصرفهُ على مخارج اللغة يبقى محض بلاهة، والأسلوب منزوع الصّدق محضُ حذلقة مستذئبة بمخالب اللغة، أمّا أن تجتمعَ في المرء براءة البدء والمنتهى وذكاء منصهر في التجارب فلا استنفاد لأفقه‭.‬‬‬

يُجمعُ اللّسانيّون أن القانون الأوّل لتخارج الكلام على لسان المتكلّم هو قانون التداعي، أو ما يسمّيه تشومسكي بالقدرة الإبداعية للذات المتكلّمة، فالذات تتكلّم بطلاقة وتجد/تشقّ طريقها نحو/بين الكلمات كما يجد النهر مجراه بين الأودية أو يشقّه وسط تضاريس الأرض/اللغة‭.‬ تبقى هذه القدرة سرّا من أسرار الروح يصعب تجليّتهُ أو تفسيره علميّا، ولكنه أيضا سرّ المظاهر اللاواعية للكلام، أقصد أن الذات المتكلّمة تنزع لاشعوريا نحو كلماتها للتعبير عن أشيائها، يخضع هذا “الاختيار” لقانون آخر يسكنُ لعبة الإحالة داخل كل لغة، فالكلمات تحيل إلى بعضها بشكل خفيّ ثم تنتهي الإحالة عند عتبة مظلمة تخصّ ما تعرّضت له الذّات من رضّات وما تجنّبت الكلام عنه تحت طائلة الكبت‭.‬‬‬‬‬

يُقدّم الأدبُ والفنّ عامة أفضل وثيقة عن اللاوعي للمحلل النفساني، فخلف جمالية الكلمات والاستعارات التي يحشدها الكاتب في نصه يقبعُ الأرشيف الرمادي للذت المهووسة، والجريحة والمتألّمة (من عبقرية اللغة العربية أن وحّدت بين الكَلَم والجرح في معنى واحد)‭.‬ إن اختراق التحليل النفسي للنظريات النقدية المعاصرة يكاد يعصف بجماليات النص الأدبي ويختزله إلى باثولوجية متناهية عند التخوم المتحرّكة بين المرض والصحّة‭.‬‬‬‬‬

الكوني والعقول

يقول كلود ليفي ستراوس في آخر كتابه “المدارات الحزينة” أن “الإسلام يقف بيننا، نحن الأوروبيين، وبين منابعنا الهندية كجدار ذكوري بين ثقافتين أنثويّتين”‭.‬ فالصراعُ بين الذكوري والأنثوي صراعُ أزلي داخل كل الثقافات، وانتصار قطب على حساب قطب آخر يؤدّي مباشرة إلى بَنْينة كل الثقافة بما يكرّس تلك الهيمنة حتى أن المعقول واللامعقول سيتحدد في أفق تلك الهيمنة‭.‬‬‬‬‬

إذا كان كل مشروع نقدي للعقل، بالمعنى الكانطي للنقد، يكشف عن المقولات القبلية التي تمكّن هذا العقل من الاشتغال، فما هي مقولات العقل الديني؟ كيف يتشكّل عقل ديني وكيف يعمل ويفكّر وهل يمكن حصر عمله داخل مقولات أساسية؟ مقولات تتفرع منها كل نشاطات هذا العقل، وبالتالي على أساسها يمكن تفسير الظاهرة الدينية تفسيرا أنثروبولوجيّا؟ نقصد طبعا بالعقل الديني الكيفية التي يفكّر بها الفكر الديني نفسه ورؤيته للوجود والعالم والحياة، ولا نقصد العقل كمفهوم ميتافيزيقي أو كـ”لوغوس″ كوني أراد الغرب بلورته وبلوغه طوال تاريخه اليوناني والحديث، فالكوني لا لغة له، ذلك أن الكوني صامت، ليس له لغة يخاطب بها الآخرين والحضارات هي التي تقدم ذاتها وكالات ناطقة باسمه، ما دامت كل واحدة تطرح مشروعها الثقافي كما لو كانت جواب الكوني الوحيد عن سؤاله لذاته، ولا جواب سواه‭.‬ يقف صمت الكوني خلفية لكل عقل ممكن، إن العقل الديني هو أحد ممكنات الكوني، يضاف إلى الممكنات الأخرى، كالعقل العلمي الذي ظهر في أوروبا عصر النهضة والتنوير، أو العقل الميثولوجي الذي ازدهر في يونان العصر التراجيدي، فالعقل بهذا المعنى هو التجلّي التاريخي للكوني، وفي كل حقبة تاريخية يفرض هذا العقل مقولاته ورؤيته للعالم (Weltschawnung)، بوصفها الرؤية الوحيدة الممكنة، والترجمة الوحيدة للكوني، بوصفها البراديغم أو نظام المعرفة الوحيد الذي تصدر عنه كل المعارف، وتبنى في أفقه كل الحقائق، أو ما يسمّيه ميشال فوكو بالإبيستمي (Epistémè): “ليس هناك في ثقافة معيّنة وفي فترة تاريخية محدودة، سوى إبيستمي واحدة، هي التي تحدد شروط الإمكان بالنسبة إلى كل معرفة، سواء تلك التي تظهر في نظرية ما، أو تلك التي تستمر بصمت في الممارسة”[1]،إننا نبحث هنا مقولات العقل الديني في طبعته الإسلامية، وهي لا تختلف عن مقولات الديانتين المتوسطتين الأخرتين (المسيحية واليهودية)، إلا في تفاصيل الممارسة‭.‬‬‬‬‬

إن العقل الديني كما ظهر في كل الثقافات يتمركز أولا حول نسق من الحقائق تقدم نفسها أجوبة شافية للكائن السؤول؛ هذا الإنسان الذي تخترقه أسئلته الوجودية بشكل أصلي: (من أين أتيت؟ وما مصيري؟ وما مصير الكون؟ ومن يقف خلفه‭..‬) إن كل عقل ديني مطالب بتقديم أجوبة واضحة وحاسمة، وعلى حد أدنى من المعقولية والتناسق حتى يسكت الحيرة الوجودية للكائن السؤول‭.‬ وثانيا: يتمركز العقل الديني حول "المقدس"، وهي منطقة يتوقف عندها كل تأويل، يتقهقر المؤوِّل ويعود على أعقابه، المقدّس “ظاهرة” تتعذّر عن الظهور في أفق مقولات العقل الخالص، وهو شعور غامض وغير مفهوم يستولي على الذات أمام كيانات شخصية، أو شخصيات مفهومية، كالأب، والإله والنص، تشعر الذات أمامها أنها مسلوبة أو مملوكة لهذه الشخوصات، يصادر المقدّس كل تسآل جذري، وينثر حوله بؤرة من التمركز والحضور تلغي كل اختراق وتشل عمل الفكر والتعقّل، وبالتالي فالمقدس يتعالى عن كل نقاش فكري أو جدل عقلي، لا شك أن المقدّس ظاهرة أنثروبولوجية ملازمة لكل الثقافات البدائية، وقد تكون بداية التقديس هي بداية الانتقال من الطبيعة إلى الثقافة، حيث ارتبط ظهور المقدّس بالمحرّم منذ الجماعات البدائية، ففي تقديس الأب/الأصل/الإله تترتب سلسلة من المحرّمات الجنسية والطقوسية والسياسية، تتوزع بشكل بنيوي وهرمي لكي تشكّل قانون الهيكلي في تشكّل الجماعة البشرية وبقائها، ولهذا فإن المقدّس يشكّل عنصرا هيكليا في توزيع السلطة داخل الجماعة، ولا يمكن تجاهله، “إن فكر فرويد اللاّديني لم يمنعه إذن من الاعتراف بأن الوهم الدّيني يتكوّن حول واقع معيّن، وهو واقع الجزع البشري الطفولي، وأنه تبعا لذلك أقرب إلى الحقيقة التاريخية لهذا الجزع من العقلنة الثانوية التي تنكره” كما جاء في كتاب فتحي بن سلامة “الإسلام والتحليل النفسي” بترجمة رجاء بن سلامة‭.‬‬‬‬‬‬‬

وإذا كانت حركة الحداثة هي حركة نزع القداسة ونزع السحر (désenchantement)، حسب العبارة الأثيرة لماكس فيبر، لا يزال المقدّس يلعب دورا جوهريا في حياة الشعوب والثقافات، ولا يزال بالتالي بحاجة إلى توضيح فينومينولوجي؛ واستقصاءِ أنثروبولوجي، المقدّس شعور غير مفهوم، وهو سابق على ظهور العقلانية الحديثة، ولهذا فهو لا يمكن أن يكون مفهوما فكريّا، ولا نستطيع اكتناه ما إذا كان المقدّس متناهِ في التاريخ، أو التنبُّؤ بتجاوز الإنسانية للمقدّس، إلا داخل مراجعة فلسفية شاملة لمفاهيم الأسرة، المجتمع، السلطة، والكرامة الإنسانية، وهنا يكون تجاوز المقدّس مشروطا ببلوغ أشكال جديدة لهذه البنى والمفاهيم، والتوصّل إلى مفهوم كوني للإنسان.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.