هنا‭ ‬القاهرة

هنا‭ ‬القاهرة

الأحد 2015/03/01
لوحة: حسن راشد

القاهرة مدينة تعادي الأناقة‭.‬ أهمس لأصدقائي بذلك‭.‬ نضحك ونأسى في الوقت نفسه‭.‬ نضطرّ للمجاملة والمحاباة في كلّ المواقف‭.‬ تفضحنا لهجتنا، فيبادر مَن نصادفه إلى سؤالنا عن الأوضاع في البلد، ويدعو لنا بالخلاص، ثمّ يختم كلامه كما بدأه بوصفنا بـ«أحسن ناس»‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

أكتب لأصدقائي الذين يسألونني عن القاهرة، الكثير من الأمور عن ضجّتها وأزمتها وغبارها الذي يشوّه، وضغطها العجيب، ولا أنسى أن أكرّر لازمتي بأنّها أمّ الدنيا، أتبعها بقهقهة مُفترضة، معلنة أو مكتومة‭..‬ أخبرهم أنّ القاهرة قاهرة‭.‬‬‬‬‬

استعدت ما خطر لي من رواية «مدن لا مرئيّة» لإيتالو كالفينو الذي وصف فيها عشرات المدن، وصف طباعها وخصائصها، نقل قارئه بين أطلال العديد من المدن، وخرائط الخيال التي تُضفي على تلك المدن الكثير من المشاعر والرغبات والصور التي ينشدها المتخيّل أو يفتقدها‭.‬ أتخيّل الإمبراطور قبلاي خان يراقب إمبراطوريّته، يراها تتعاظم وتتوسّع، يطلق مبعوثيه وجُباة ضرائبه لاكتشاف المناطق القصيّة، يعودون إليه في حدائق منغوليا ليصغي إلى تقاريرهم المفصّلة‭.‬ يرى انعكاس إمبراطوريّته في صحراء ذات طبيعة متغيّرة وغير مستقرّة مثل حبّات الرمل، ويرى أنّ لكلّ مدينة ومنطقة الأشكال التي تصوّرها رموز ماركو بولو القادم من البندقيّة، والذي يتعلّم لغة التتار بعد مدّة، ليصبح جليس الخان ونديمه الذي يروي فضوله للمعرفة والاكتشاف، عبر سرد حكايات المدن وسيرها‭.‬ يدور بينهما نقاش دائم حول قيمة السفر وضرورته لاكتشاف الآخر، يسأله خان: هل الأسفار لاستعادة العيش في الماضي؟‭.‬ السؤال الذي تمكن صياغته بطريقة أخرى: هل الأسفار لإعادة حجب المستقبل؟ يجيب ماركو بأنّ هناك في المكان الآخر مرآة معتمة، المسافر يرى فيها القليل ممّا له، ويكتشف الكثير ممّا ليس له ولن يمتلكه يوماً‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

يشتطّ بهما الخيال، يستشهد بولو بقول البعض بأنّ كلّ إنسان يحمل في عقله مدينة مكوّنة فقط من الاختلافات، مدينة من دون أرقام، من دون شكل، تملؤها المدن الخاصّة‭.‬ وأنّ هناك نوعين من المدن، مدن تظلّ عبر السنين تمنح التغيّرات فيها أشكالها للرغبات، وتلك التي إمّا أن تمحو الرغباتِ فيها أو تمحوها الرغباتُ‭.‬ يحدّثه عن مدن حصينة لا يمكن أن تُقهَر، وعن مدن خفيّة تكون عبارة عن أشكال وأصوات وحركات، تشعر بوجودها ولا تراها، تستحضر في الأذهان رؤى أرواح راحلة، توحي بحالات ووقائع حصلت في الماضي يستحضرها القارئ ويتخيّلها‭..‬‬‬‬‬‬‬

يخبر ماركو الخان بعدم إرباك المدن بكلمات وصفها، لأنّ هناك الكثير من الروابط بين المدن، ويرى الزيف في الأشياء لا في الكلمات‭.‬ فقد تختصر مدينة ما كلّ المدن، وقد تبدو أخرى شاحبة بلا لون أو شخصيّة، مزروعة بلا هدف‭.‬ وتتبدّى المدن المتخيّلة في أحلام قبلاي خان كطيّارات ورقيّة، تتمثّل مدبّبة مثل الرماح، أو متنقّلة، مخطّطة، مزخرفة، كأنّها نسيج علاقات عنكبوتيّة شائكة يبحث عن شكل أو تجسّد‭.‬ يبحث عن التفاصيل والجزئيات إكمال الصورة في ذهنه‭.‬ ويخشى في الوقت نفسه أن يضيّع المدن التي يتحدّث عنها أو يتخيّلها‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

أيّ الوصف ينطبق على هذه المدينة التي تخفي عنّا أكثر ممّا تظهر‭..‬؟! هل نحن بصدد اكتشافها‭..‬؟ هل بالمتناول التغلغل في تفاصيلها والتعرّف إليها عن كثب‭..‬؟ لماذا تستعصي علينا في حين أنّها تبدو بسيطة واضحة مكشوفة‭..‬؟ هل تتمرأى لنا في شكل أو صورة أو موقف‭..‬؟ ملايين البشر فيها، هذا يعني ملايين المدن التي تستبطنها وتنفتح عليها‭.‬ أنّى لنا التعرّف إلى ملايين المدن التي تشتمل عليها‭..‬؟ لكلّ امرئ قاهرته، وقد تكون قاهرته قد قهرته شغفاً أو فقراً وتجويعاً‭.‬ الرابط اللامرئيّ الأهمّ أنّها قاهرته التي يصعب ترويضها‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

نعاني من وحدة في قاهرتنا، حيث بات لنا أيضاً نصيب منها وفيها، نفتقد إلى الأنثى معنا، نفتقر إلى القاهرة الأنثى، نشعر بأنّنا مقهورون للغاية دونها، نشتاق إلى وجود أنثى بجنبنا، تحدّثنا ونحدّثها، تبقى في أحضاننا ليلة تدفّئ سريرنا وتهدّئ جوع جسدنا‭.‬ نبحث في شارع الهرم عن امرأتين‭.‬ لم نحدّد المواصفات المطلوبة، لأنّ الجائع لا ينتقي أطعمته، بل يلتهم ما يقدّم له‭.‬‬‬‬‬‬‬

شارع الهرم يعكس التنافر الصارخ الذي تعيشه القاهرة الكبرى، يكون متوازياً مع شارع فيصل على غربه، تفصل بينهما جزيرة بشريّة، يزعم قسم منها أنّه في الهرم، وذلك في معرض مباهاته بمحلّ سكنه، ذلك أنّ الهرم يعدّ أكثر رقيّاً من فيصل ذات الطبيعة الشعبيّة، كما يُشتهر عنه، ويحلو لآخرين تكرار أنّهم على الحدود الفاصلة بين العهر والطهر، وذلك في إشارة إلى الملاهي والكباريهات على شارع الهرم، والالتزام على شارع فيصل‭.‬ وهذا التوصيف بدوره يعكس، بالإضافة إلى تحديد المكان، أوصاف الشخصيّة، وهذا ما يحرص القائل على التذكير به أكثر من الجانب المكانيّ، أي أنّه لا يمانع بالاستمتاع بحياته، وذلك بالموازاة مع إيفائه بحقوق الله عليه‭.‬ يؤدّي فروضه، ويلعب في الهامش، ويذكّر بأنّ الله غفور رحيم‭.‬‬‬‬‬‬‬

الله حاضر كلازمة في تفاصيل حياة المرء فيها، يلهج بذكره في كلّ السياقات، يضعه غاية ووسيلة، يقترب من الآخرين عبره، ويزعم الاقتراب منه عن طريق خدمته الآخرين‭.‬‬‬

المساومة التي جمعتنا على مدخل الملهى كانت مثار قهقهتنا‭.‬ سألنا الرجل المشورَب عن رغبتنا‭.‬ قلت له: هل تريد أن أحدّثك من الأخير أم من الأوّل‭..‬؟‬‬‬‬‬‬

- من الأخير يا باشا‭..‬‬‬

- طيّب‭.‬ نحن بدنا مُزّتين ناخدهم معانا عالبيت…‬‬

- هلّا هلّا على الجد والجد هلّا هلّا عليه‭..‬‬‬

- يعني شو‭..‬‬‬

- يعني يا باشا اللي عاوز المُزز يدفع‭..‬‬‬

مع نبرته كان الأداء التمثيلي حاضراً بقوّة في كلّ حرف يتفوّه به، وهذا ما كان يعزّز عندي الانطباع الذي تولّد لديّ حين رؤيتي لأوّل مصريّ في بلدتنا، وكان بائع بلّوريات، أذكر كيف تجمّع حوله أهل الحيّ، للتفرّج عليه والاستمتاع بنكهة لهجته، التي كانت لهجة الممثّلين الذين نشاهدهم في التلفزيون نفسها، وكان ذلك موضوع حديثنا لأيّام، وأكّد لدى الجميع أنّ المصريّ ممثّل بالفطرة والضرورة‭.‬ الفرضيّة التي كانت لديّ تستعيد نفسها دوماً في ذهني، لا أستطيع فصل ذاك الانطباع عن تصوّراتي لهم برغم أنّي أعيش بينهم‭.‬‬‬‬‬

المساومة التي جمعتنا على مدخل الملهى كانت مثار قهقهتنا. سألنا الرجل المشورب عن رغبتنا. قلت له: هل تريد أن أحدّثك من الأخير أم من الأول..؟

ساومناه على المبلغ الذي يريده، لكنّه طمع بنا، وطلب لنفسه مبلغاً لا يقلّ عن المبلغ الذي طلبه للمُزّتين اللتين سيجلبهما لنا‭.‬ فمازحته قائلاً: أنت ليش بدّك تاخد هالمبلغ الكبير‭..‬ شو بدّنا نتزوّجهن‭..‬؟!!‬‬‬‬‬‬

- يا بيه دول مُش أيّ مُزز‭..‬ دول آخر حلاوة وطراوة‭..‬ دول فراعنة يا بيه‭..‬‬‬‬‬‬‬

استعدت هوس الناس هنا بفرعنتهم وفراعنتهم‭.‬ شارع الهرم يعكس ذاك الهوس متمثّلاً في حاضر يستحضر أسماء كلّ أولئك الفراعنة الذين تعاقبوا على حكم البلاد‭.‬ تُطلَق أسماء الفراعنة على الفنادق والمحلّات والشوارع والمقاهي، وحتّى على التكاتك‭.‬‬‬‬‬‬‬

وبمناسبة استحضار التكاتك، ومفردها تُك تُك، وهي وسيلة نقل يمكن التعرّف إليها في القاهرة، وهي تتناسب عكساً مع عظَمة ميترو القاهرة، الذي كنّا نكرّر لأنفسنا أنّه أهمّ إنجاز مصريّ، وأنّه أهمّ من الأهرامات نفسها‭.‬ والُتُكْ تُكْ، درّاجة ناريّة ثلاثيّة العجلات، خفيفة، سريعة المراوغة والحركة، تجتاح معظم الأماكن، تتحرّك بانسيابيّة مزعجة، تتمايل بطريقة يتصوّر فيها راكبها أنّه على أعتاب السقوط لحظة بلحظة، وتقوم بأدوار الشحن البسيط في مناطق تحرّكها، تبتعد عن الخوض في المسافات البعيدة، وبرغم أنّها لا تعدّ منافساً حقيقيّاً من حيث الظاهر للتكاسي العموميّة والسيّارات الأخرى، إلّا أنّها عمليّاً تقوم بمهمّات كثيرة، وتشكّل كابوساً لسائقي التكاسي الذين يجدون فيها تعدّياً على عملهم ورزقهم، لكنّهم يواسون أنفسهم لأنّ قسماً منهم ترقّى من سائق تُك تُك إلى سائق تاكسي بعد أن جمّع مبلغاً مكّنه من شراء سيّارته، إثر عمله المُضني على التُك تُك‭.‬‬‬‬‬

استمتعتُ بالمساومة، طلبت منه أن يراعينا في السعر لأنّنا ضيوف، فسارع إلى الاستعانة بقاموسه الفطريّ من كلمات المديح والمجاملة والتفخيم‭.‬ وحين هممنا بالمغادرة، بعد أن رفضنا عرضه، بدأ بتخفيض السعر، إلى أن اكتفى بمئتي جنيه لنفسه وضعفهما لكلّ مُزّة، لكنّنا رفضنا ذلك، وأبدينا تعجّبنا من غلاء الأسعار، وبخاصّة أنّ السياحة مضروبة ومعطّلة في البلد‭.‬ فقال إنّ هذا وحدَه سبب كافٍ كي نراعي وضعه، ونتكرّم عليه‭.‬ ودعا بعض الدعوات على مَن أوصله والبلد إلى هذه الحالة المزرية‭.‬ وقال لنا إنّه يرفع سعر سمسرته، لأنّه لا يريد أن يدخل مقابل مبلغ صغير إلى جهنّم‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

تختلف التسميات والمعاني برغم أنّ اللغة نفسها، فمفهوم الكلمة وأبعادها تختلف من منطقة إلى أخرى‭.‬ تبادر إليّ ذلك وأنا أسمعه يصف عمله بالسمسرة، في حين أنّ التسمية الأدقّ هي التعريص أو القوادة حين نسمّي الحالة وندقّق الوصف‭.‬‬‬‬‬

لا يهمّ، فكثير من المفردات تؤدّي عكس المراد منها هنا، أو عكس ما نستخدمه، وهذا يظهر مراوغة اللغة، وربّما بعض ممّا يحلو لعشّاق اللغة ومرضاها توصيفه بانسيابيّتها ومرونتها‭.‬‬‬

صدرت عنّا قهقهة ونحن نقرأ لافتة مكتوب عليها نفرتيتي للروائح‭.‬ استعدنا أبعاد كلمة روائح، وضحكنا ونحن نتخيّل الرائحة النتنة التي تزكم أنوفنا، وحصرنا المفردة بالروائح التي تطلقها المؤخّرة وما يخرج من الفم بعد النوم، فتخيّلنا موكباً من الرائحة الكريهة يجتاحنا ويغرقنا‭.‬ كان الإيحاء يناقض تماماً سحر كلمة العطور، بل يوحي بتداخل الروائح مع بعضها بطريقة لا تحفظ الجماليّة والخصوصيّة لأيّ منها‭.‬‬‬‬‬‬‬

آتون، ليس فرعوناً ولا يحكم أحداً، لا قبر له في أيّ أهرام، ولا ضريح قريباً له من أبي الهول‭.‬ آتون، ملهى عريق في بدايات شارع الهرم من جهة الأهرامات، وللعراقة هنا معنى مختلف عن المعنى الذي يخطر للمرء حين سماعه الكلمة‭.‬ آتون يقسّم إلى ثلاثة طوابق‭.‬ للطابق الأرضيّ مدخل مختلف عن مدخلي الطابقين الآخرين، وكلّ طابق يختصّ بشؤونه الخاصّة‭.‬ قد تبدو للوافد أنّ آتون واحد، لكن يتبيّن بعد الدخول والتعرّف إلى التفاصيل، أنّ هناك ثلاثة آتونات‭.‬ لكلّ آتون سعر، ولكلّ حجرة أجرة كما يردّد الواقفون على المداخل‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬


لوحة: رضا عبدالرحمن

ينكبّ مستدرجو الزبائن على تلميع الصورة أمام القادم، يبالغون في الغمز واللمز على ما يمكن أن يستمتع به في الداخل، حيث لكلّ شيء طعمٌ مختلف ساحر‭.‬ حين تجهر برغبتك وطلبك، يتوجّسون بداية، ثمّ يمتصّون فجاجتك، ويسترجعون رابطة جأشهم، ومراوغتهم، ليطلبوا إليك الدخول والاستمتاع وفتح طاولة، ثمّ تكون لك حرّيّة التفاوض مع الفتاة التي تعجبك‭.‬ أي أنّ أهمّ نقطة لديه تتركّز على استدراجك إلى فتح طاولة ودفع ثمنها، ثمّ سيكون بعدها شأن آخر، وحديث مختلف‭.‬‬‬‬‬‬‬

التملّق والرياء والنفاق والممالأة من صفات العديد ممّن نصادفهم، تجدهم يبالغون في تضخيمك، طمعاً في تفريغ جيوبك، ولا نعدم مصادفة مَن يحترم نفسه، ويتعامل على أساس الاحترام المتبادل، ويكتفي بأخذ حقّه، دون أيّ جشع بما يمكن أن ينصب به عليك‭.‬‬‬

يتداول الكثيرون ممّن زاروا هذه البلاد بعد عودتهم أنّ قسماً من السماسرة يستعين بالنصب والاحتيال، يسعى بكلّ السبل لإقناعك والتحايل عليك، مستعيناً بالأدعية والأحاديث وعبارات التفخيم من سعادة وسيادة وحضرة وكابتن وبرنس وغيرها من الألقاب التي تضفي على المتكلّم هالة مزيّفة تنقشع بمجرّد تحصّله منه على مراده‭..‬ وإن كان هنالك أيّ سجال دائر، تجدهم يحرصون على تكرار كلمة ما ينفعش، كلازمة ولاحقة معاً، يستخدمونها ببساطة وبداهة، لكنّها توحي إلى الجانب النفعيّ الذي افترضنا أنّ الذاكرة الجمعيّة راكمته طيلة أزمان‭.‬‬‬‬‬

أكرّر لنفسي وأنا أضحك في سرّي، لو أنّ أولئك الفراعنة كانوا يعلمون بأنّ أسماءهم ستطلق على هذه التنويعات المختلفة لانتحروا، أو لتنحوّا عن الحكم، ولأعدموا أيّ مؤرّخ كان سيحاول أن يدوّن اسمهم‭.‬‬‬

إرث الفراعنة يُحتفى به بطريقة معاصرة، هي مزيج من التباهي اللفظيّ بالانتماء الإسلاميّ، مع شيء من الممارسات الحياتيّة التي تدعم ذاك التباهي، مع الكثير من المتاجرة التي تعزّزه وتصدّر إلى الواجهة، وذلك بالتزامن مع الافتخار بتوارث الحضارة الفرعونيّة العظيمة، واستلام مفاتيح الأهرامات والتوكيل بحمايتها والمحافظة عليها‭..‬ وتأتي تلك الحماية بإهمالها كما يتبدّى، وذلك تحت زعم الإبقاء على ألقها ورونقها، لكنّ ذلك يتوافق مع توجّه بعضٍ ممّن يغالون في توحيدهم وإسلامهم، يقنعون أنفسهم تارة بأنّ الفراعنة أوّل الموحّدين المؤمنين بإله واحد، ثمّ يتناقضون مع أنفسهم حين يصفون الأهرامات بأنّها مقابر للتقديس ليس إلّا وينبغي محوها لتتوافق معالم البلد التاريخيّة مع واقعها المعاصر، ويتمّ القضاء بذلك على أيّ إرث يتعارض مع الشريعة‭.‬‬‬‬‬

كما أنّ هناك طريقة أخرى لإفنائها وبعثها على الاندثار، بتغييب أيّ اهتمام جماليّ بها وبما حولها، وإبقائها رهينة تجارة شعبيّة سياحيّة بائسة، حيث يتربّص سائسو الجمال بالسائحين، يبتزّونهم في إركابهم على الجمال، وفي إنزالهم لاحقاً، يتكلّم معظمهم بضع كلمات من عدّة لغات، تكفيهم لإفهام السائح المبلغ المراد من جهة والمجاملة الواجبة والرياء من جهة أخرى في البداية، ثمّ التوحّش والتغوّل بعد إنهاء المهمّة ومجيء وقت سداد المصاريف، حيث تكون العملات العالميّة كلّها دارجة ومقبولة، كأنّ ساحات الأهرامات تتحوّل إلى سوق حرّة مفتوحة لصغار الأدلّاء السياحيّين الذين يستمدّون قوّتهم من أشخاص ذوي نفوذ في السلطة‭.‬‬‬

أعرب لي عددٌ ممّن زاروا الأهرامات عن خيبة أملهم، وصدمتهم، وندمهم لأنّهم أقدموا على زيارتها، لأنّهم كانوا يتمنّون لو أنّهم احتفظوا لها بتلك الصورة المشرقة في خيالهم وأحلامهم، وأنّ تلك الصور التي التقطوها، والتي قد تحفّز الآخرين على زيارتها، ستكون إدانة لحلمهم الذي تبدّد، ووثيقة لئلّا يفكّروا بالعودة إلى تلك الرغبة المبدّدة مرّة أخرى‭..‬‬‬

أواسي صديقي المصريّ الذي ينزف حرقة وأسى على أحوال تاريخه وبلده، وهو يرى مشاهد الدمار والإهمال المحيطة بالأهرامات، وكيف أنّ محيطها يتحوّل إلى أسواق غاية في البؤس والتدمير، بأنّه لا بدّ من إدراك قيمة هذه الصروح لاحقاً‭.‬‬‬

أواسيه وأنا أكتم خشيتي من دفعها للمحو والاندثار‭.‬ أواسيه وأنا أتخيّل الفراعنة يقفون على قمم أهراماتهم يندبون تاريخهم، في الحين أن الذي كان يفترض أن يراقبوا مجدهم الغابر متقدّماً مستقبل بلادهم‭.‬ أتخيّل الفراعنة يرون انعكاس إنجازاتهم في صحراء ذات طبيعة متغيّرة وغير مستقرّة مثل حبّات الرمل، تماماً كالإمبراطور قبلاي خان، ويرون أنّ لكلّ حنطور وجمّال وحصان وناقة رمزاً وحكاية ومأساة دون بداية أو نهاية‭.‬‬‬‬‬‬‬

ينعدم الحسّ الجماليّ هنا، يحضر توجّه ربحيّ فقط‭.‬ التاريخ يتهاوى بأبشع تجلّياته، الواقع يتقدّم بأقسى أدواته‭.‬ الحداثة تجتاح بكلّ توحّشها‭.‬ أبو الهول يرقد بائساً، يناجي مهندسيه، ويبكي العبيد الذين أريقت دماؤهم في سبيل بنائه‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬

ربّما هو وَهْمُ التاريخ وقسوته، بضرورة إظهار بشاعة الوهم الذي كان يظنّه السائح المتلهّف لدخول الأهرامات حلماً، فأبدى الحلم وهماً وآذى بالواقع براءة الحلم، وعرّى التاريخ من أيّ قدسيّة تُضفَى عليه‭.‬‬‬

أكرّر لنفسي أيضاً وأيضاً، يبدو أنّ القاهرة مدينة لا تعادي الأناقة فقط، بل كأنّها تعادي مجدها وتاريخها أيضاً‭..‬ القاهرة تتجسّد لي وحشاً يتآكل نفسه، تتمثّل في بركان يغلي لينسف ما حوله، تتجلّى أمّاً جائعة تفترس أبناءها وتلقي بهم في أتونٍ مستعرٍ يصعب الفكاك منه‭.‬‬‬‬‬


حسن راشد

خوفو السوريّ

أنا خوفو السوريّ‭.‬‬‬

اسمي في هاتف سائق التاكسي المصريّ بات خوفو السوريّ‭.‬ طلب منّي أن أدوّن له اسمي هكذا كي يتذكّرني حين أهاتفه‭.‬ كان يقول لي ذلك، ظنّاً منه أنّه عثر على زبون مدسم سيلجأ إليه في التنقّلات كلّ يوم‭.‬ وأكّد عليّ أن أذكّره باسمي لديه كي لا يتوه، لأنّ ذاكرته قويّة لكنّ مشكلته أنّه لا يجيد القراءة‭.‬ استرسل في أسباب ذلك، حمّل الأسباب لكلّ شيء وللحكومة والمدرسة والأهل وشيخ قريته ومختارها أيضاً، لكنّه نسي أن يحمّل نفسه أيّ مسؤوليّة‭.‬ لم أرد أن أدخل معه في مساجلة غير مجدية، ولا سيما أنّ مشواري معه قصير ولست بوارد التكلّم كثيراً، لأنّ الكلام وسط الضجيج يتطلّب منّي رفع صوتي، وحين أرفع صوتي لدقائق في الكلام، أكتشف أنّ الصداع يتسرّب إلى رأسي ويرهقني‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

لا أدري الروابط بين رفع الصوت والصداع، لكنّ التجربة علّمتني أن أتجنّب خوضها مرّة أخرى، وذلك دون أن ألتزم بها أيضاً، لأنّني كثيراً ما أجد نفسي غير ملتزم بالضوابط التي أضعها لنفسي، وأذكر كلمات ذاك الصديق الذي كان يكرّر دوماً أنّه دأب على وضع البرامج لنفسه منذ الصفّ الأوّل وحتّى تخرّجه في الجامعة لكنّه لم يلتزم بأيّ برنامج وضعه أبداً، وكان يستمتع بخرق تلك البرامج دون أن يخطّط لذلك‭.‬‬‬

رضخت لطلب السائق الظريف بشيء من الدعابة والتبسّط‭.‬ سجّلت له اسمي، كما طلب، في هاتفه، وتأكّد بنفسه من ذلك حين أجرى تجربة ورنّ على هاتفي، ليتأكّد من أنّ الزبون أصبح مضموناً في جيبه‭.‬‬‬‬‬

لم يألُ السائق أيّ جهد في الثرثرة، تكلّم عن كلّ شيء كنّا نصادفه في الطريق، كان ينتقد سياسات الدولة، يحلّل السياسة الخارجيّة، يتحدّث عمّا يجب أن يتمّ من مشاريع للنهوض بالبلد ولانتشال الناس من مستنقعات الجوع والفقر والتسوّل والحاجة‭.‬ يلتفت إليّ بين الموضوع والآخر ليتأكّد من إصغائي إليه، وليختبر مدى تأثير مقترحاته عليّ‭.‬ أؤكّد له بهزّة خفيفة من رأسي، وأنظر إلى الأمام لأنبّهه إلى الطريق‭.‬ يبتسم وهو يقول لي إنّه قد حفظ كلّ طرقات مصر‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬

كنت أحسده على إجادته اللهجة المصريّة، وكنت أضحك على نفسي وأنا أضع حسدي الناشئ من غربتي تحت مجهر التعقّل، فأكتشف مقدار سخرية شعوري‭.‬ أتذكّر حينذاك صديقاً كان يستغرب حين رؤيته للأجانب، يصغي إليهم بكلّ جوارحه، ويبلغ استغرابه أشدّه حين يشاهد أطفالهم يتكلّمون الأجنبيّة، يستمع إليهم بشغف وشوق، ويبتهج غاية الابتهاج لاستماعه إليهم، ويضرب كفّاً بكفّ معبّراً عن تعجّبه وإعجابه في الوقت نفسه صارخاً: «يا الله هؤلاء الأطفال يتكلّمون الأجنبيّة ونحن نجهلها‭..‬!»‭.‬ ولم يكن يهتمّ لأيّ تبرير يقدَّم له من قبيل أنّها لغتهم الأمّ وأنّنا نحن أيضاً نتكلّم لغتنا، لأنّه لم يكن مستعدّاً لمناقشة ذلك قطّ، ولا يقتنع بأيّ تبرير‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬

أخرجني السائق من شرودي، وهو يسألني عن رأيي فيما يقوله، قلت له: معك حقّ‭.‬‬‬

أسعده ثنائي على طرحه ورأيه، رغم أنّه تشكّك قليلاً أنّي لم أكن منتبهاً له، لكنّه أكمل سلسلة آرائه، وهو يتحدّث عن الثروة التي يمكن جنيها في حال استغلال إمكانيات بلده، ويعود إلى الأمجاد متمنّياً استرجاع تلك العظمة وذلك المجد الغابر، ويعود بلده لحكم العالم وبناء معجزات جديدة‭.‬‬‬

لم يكن طمّاعاً بعكس ما أوحى إليّ شكله وحديثه‭.‬ نظرت إلى العدّاد الذي كان قد بلغ خمسة عشر جنيهاً ونصفا، أخرجت قطعة من الفئة العشرين جنيهاً‭.‬ أمسكها وأعاد إليّ خمسة جنيهات، استغربت تصرّفه، لأنّني اعتدت من سائقي التكاسي طلب المزيد لا إرجاع المتبقّي‭.‬ حين قلت له إنّه ليس بحوزتي نصف جنيه، قال لي: الله يسامحك يا باشا‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬

لم أشغل نفسي كثيراً بلوم نفسي على مشاعري، أنستني الزحمة على المدخل كلّ شيء‭.‬ فقط يحضرني الُتكْ تُكْ ببؤسه وانسيابيّته‭.‬ تحضر رغماً عنيّ مقارنة مستحيلة بين الوسيلتين الأكثر استخداماً للنقل في مصر‭.‬‬‬‬‬‬‬

وأنا أدخل البوّابة الأولى لحدائق الأهرام، البوّابة التي تسمّى ببوّابة خوفو، تذكّرت السائق وهو يطلب منّي أن أكتب له اسمي خوفو السوريّ‭.‬ أعجبني الاسم لوهلة، تخيّلت نفسي أحد الفراعنة وأنّ شارعاً أو حيّاً في مدينة يسمّى باسمي‭.‬ وشطحت في التخيّلات‭.‬‬‬‬‬‬‬

أرجعني اللقب الجديد إلى موضوع ظلّ يشكّل لي مبعث ضغط، كلّما كنت أتجاوزه خطوة يرجعني إليه الواقع أميالاً‭.‬‬‬

الهويّة وإشكاليّتها التاريخيّة في ذهنيّة الناس‭.‬ كيف تتشكّل الهويّات، وما هي مقوّماتها، أين تسير بنا الهويّات‭..‬؟ تذكّرت كتاب أمين معلوف “الهويّات القاتلة” وتحليله الواقعيّ التاريخيّ المنبني على تجربته الشخصيّة وتاريخه العائليّ، في بلد لا تفتأ هويّاته تتقاتل، أحياناً لمجرّد إبقاء الصراع مستعراً لا غير‭.‬‬‬‬‬‬‬

أعادني لقبي الجديد إلى تلك الأسئلة التي كنت أطرحها على نفسي، وكنت أحياناً أتغاضى عن الإجابة عنها، لأنّ أيّ إجابة قد تكون نسبيّة غير مقنعة، مهما بلغت درجة إقناعها قوّة‭.‬ كلّ إقناع يحتاج إلى قناع ربّما‭.‬ هكذا يحلو لي التبرير أيضاً‭.‬‬‬‬‬‬‬

الهويّة المضلّلة، المتشظّية، المحتربة، المجنونة، البائسة، الشريدة، النازحة، القتيلة، الهويّة اللاهويّة‭.‬‬‬

ربّما يكون لقبي الجديد أكثر تعبيراً عنّي، وربّما يكون أبعد ما يكون عنّي‭.‬ الألقاب تلتصق بنا أكثر من أسمائنا في كثير من الأحيان‭.‬ لست مع اختيار أيّ لقب، لكن كثير من الألقاب يُطلَق علينا ويكتسب مشروعيّة بالشيوع والانتشار، ليكتشف أحدنا أنّ لقبه عند الآخرين بات كذا أو كذا، فلا نعود بقادرين على التطنيش أو التعامي أو التصامّ عنه‭.‬ إمّا أنّ نتقبّله راسمين بسمة أو سروراً مخادعاً، أو نستنكره فيلتصق بنا أكثر‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬

وأنا أسترجع رغبتي في الوقوف على إشكاليّة الهويّة، وتأجيلي الدائم الخوض فيها، أقنع نفسي بوجوب جمع أكبر قدر ممكن من المراجع، وقراءة أكبر قدر ممكن من الأبحاث، واكتشاف ما يمكنني اكتشافه من رؤى وتحليلات ونظريات، لأفي الموضوع حقّه، ولا سيما أنّه يتصدّر اهتمام الكثير من المعاصرين والسابقين، ويحظى باهتمام الناس، النخبة والعامّة على السواء، وكلّ واحد ينطلق من زاويته ليعالج الإشكاليّة ويقاربها‭.‬‬‬

في بلدك يُنظَر إليك على أنّك من بلد آخر، وافدٍ منذ أقلّ من نصف قرن، وهناك حيث كنت يُنظَر إليك على أنّك منسلخ من جذورك، باعتبارك ولدت وترعرعت في بلد آخر، تشرّبت ثقافته وعاداته، وغدوت واحداً منه، وفي نفسك تعيش التناقضين والانتماءَين معاً‭.‬‬‬

المصطلحات الجغرافيّة والتقسيمات الإداريّة تقيّد الهويّة وتسمّيها وتطلقها أم أنّها لا تعدو مجرّد سياقات لتقنينها وتقييدها وبثّ نيران التجدّد والاختلاف فيها‭..‬؟‬‬

سألت نفسي ذلك وأنا أستعيد ما كان يمكن أن أكون عليه، أو تكون عليه هويّتي المفترضة في ظلّ ظروف وشروط تاريخيّة مختلفة‭.‬ أسهبت في الافتراض، لو كان لي وطن على الخريطة هل كنت سأبقى مجرّداً من الهويّة‭..‬!‬‬‬‬

معي بطاقة تعرفّ بي، هذه ليست هويّة، الهويّة تعيش في داخلنا، ترتحل معنا، تتعاظم في أذهاننا وقلوبنا، نلجأ إليها إذا تهدّدنا خطر الإلغاء لنثبت تجذّرنا‭.‬‬‬

لماذا نصرّ على التمسّك بالجذور، لماذا نلجأ إلى الأعماق لنحارب الآفاق، لماذا نهرب من مواجهتنا للمخاطر والتهديدات بالتمترس خلف الأوهام، هل الهويّة وهم نعظّمه أم أنّنا دونها ظلال وأشباح‭..‬؟!‬‬

في مصر يكررون لازمة لفظية حين يتهمون الآخر بالرغبة في الاستغفال بأنه يستكردهم. ويأتي الاستكراد في معرض الاتهام بالسعي للتحايل عليهم أو استغبائهم. وهو يختلف عن الاستشراق أو الاستغراب

أسئلة لا تني تحضرني‭.‬ أثارها من جديد ذاك السائق ببساطة وعفوية حين سمّاني بخوفو السوريّ‭.‬ لكن هل أنا حقّاً سوريّ بكلّ ما تعنيه هذه الصفة من معنى‭..‬! في سوريا كنت متّهمَاً دوماً أنّني كرديّ، ويُنظَر إليّ على هذا الأساس، وللمفارقة المريرة، وكان هذا الاتّهام من قبل أطراف في السلطة وأخرى في الواقع والتحزّبات العشائريّة‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬

خوفو السوريّ أثار تاريخاً من الأسى في نفسي‭.‬‬‬

في مصر يكرّرون لازمة لفظيّة حين يتّهمون الآخر بالرغبة في الاستغفال بأنّه يستكردهم‭.‬ ويأتي الاستكراد في معرض الاتّهام بالسعي للتحايل عليهم أو استغبائهم‭.‬ وهو يختلف عن الاستشراق أو الاستعراب أو غيره من هذه الصيغ التي تشير إلى التقرّب من الآخر والتودّد إليه أو الانخراط في شؤونه وشجونه، لغاية من الغايات‭..‬‬‬‬‬‬‬

اكتشفتُ أنّ غالبيتهم يستعملون المصطلح دون التفكير في بعده العنصريّ الذي يقلّل من شأن الكرد‭.‬ وحين تستوضح منهم، قد تراهم يغالطون أنفسهم في الإشارة إلى الكرديّ من حيث التوصيف بالسذاجة والعباطة، لكنّهم في الوقت نفسه يكتشفون لغماً تاريخيّاً متخلّلاً لهجتهم، ولا يتناسون الإشادة بالدور التاريخيّ للكرد في التاريخ الإسلاميّ، ويصرخون بعظمة صلاح الدين في تحريره القدس‭.‬‬‬‬‬

تكون تلك مرافعة غير مقنعة، ولا تبدّد الإجحاف اللغويّ المتفشّي‭.‬‬‬

قبل أن تُرسَم الخرائط الحاليّة للمنطقة، كانت خريطة المنطقة مختلفة، جاء سايكس وبيكو قسّما المنطقة بحسب مصالح بلديهما‭.‬ اقتضت المصالح الدوليّة أن تُمحَى خريطة الحلم بين حدود عدّة دول، رُسمَت وتمّ التقيّد بها‭.‬ وتحوّلت إلى نقطة مقدّسة‭.‬ من جهة يتشدّق المقيّدون بتلك الخطوط بشتم راسمي الحدود، ومن جهة أخرى يقسمون بدمائهم بالحفاظ على تلك الخطوط‭.‬ يصفونها تارة بالوهميّة وأنّها من صنع الاستعمار، وتارة يصفونها بالمقدّسة التي لا يجب التفكير في إزالتها‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

بعد رسم الخرائط افتقدنا لخريطتنا، قيّدنا أحلامنا وكوابيسنا بها، باتت تؤرقنا وتقيّدنا حين نقدم على أيّ عمل في سبيلها، بات الكرديّ يحمل خريطته في قلبه وذهنه، يلهج بها في حلّه وترحاله، ويقدّمها على أساس تجذير انتمائه في أرضه وتاريخه وحضارته، لكنّ الآخر ينظر إليه بعين التشكيك والتآمر، يتّهمه بالسعي للانفصال وغيرها من الاتّهامات التي كانت تبقي الكرديّ سجين حلمه الذي قد يدفع به إلى السجون المديدة‭.‬‬‬

يُنظر إليك حين تصرّح بكرديّتك على أنّك مشروع انفصاليّ عليك دوماً إثبات العكس، حيث تغالي في تمجيدك، وذاك بدوره سيوصَف بأنّه مبالغة لإخفاء النيّة المبيّتة‭.‬ تكون نهب حيرة الآخر وفي مرمى تشكيكه المتناسل‭..‬‬‬‬‬

في البلدة الصغيرة كنّا نقيّد بهويّاتنا القرويّة، في البلدات والمدن المجاورة كنّا نقيّد إلى هويّة بلدتنا، وفي المدن الكبرى نقيّد بهوية محافظتنا، وحين التفصيل نقيّد بالهويّة المُتّهَمة البريئة‭.‬ وحين يهاجر أحدنا ويكتسب جنسيّة ما، تظلّ جنسيّته منقوصة بسبب هويّته السابقة التي هي بالأصل موضع تشكيك بدورها‭.‬ يجد المرء نفسه في بحر هويّات متلاحقة في دوائر متاهيّة، ترسم الهويّة متاهاتها ودوائرها، من هويّة قرويّة إلى مدينيّة إلى مناطقيّة إلى قارّية إلى دينيّة‭..‬ وكذا تنفتح الدوائر على بعضها بنوع من التداخل، حيث تكون الخطوط لامرئيّة، لكن بغاية التأثير‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬

الهويّة مكان، لغة، عرق، لون، شكل، حلم، رغبة، ماضٍ، رهان، مستقبل‭..‬؟!‬‬

هل الهويّة عدوّ الاندماج‭..‬؟ هل هي زئبقيّة إلى الحدّ الهلاميّ‭..‬؟ هل هي لغم الزمن المتفجّر باطّراد‭..‬؟ هل هي العقدة التاريخيّة المتجدّدة ذات المفاعيل السحريّة في التقسيم والتشتيت‭..‬؟‬‬‬‬‬‬‬‬

تهاجر معنا الهويّات وتتغيّر بتغيّر المكان والزمان، لكنّها تبقى قيوداً واسمة في كلّ الأمكنة والأزمنة‭.‬ هي أيضاً إشكاليّة مركّبة تُضاف إلى إشكاليّات كثيرة‭.‬ قد تكون قيداً أو هوّة أو بركاناً‭..‬ الهويّة باتت حقل ألغام موقوت في عالم متغيّر‭..‬ اكتشفت أنّ الهويّات تجتاح البشر وتبقيهم مشتّتين حائرين، وأنّ لا أحد بمنجىً عن فيض الهويّة أو اغترابها‭..‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

المؤامرة تتحكّم بمصائرنا‭.‬ التفكير المزمن بهذه النظرية يدفعنا إلى مهاوي الاستعداء لكلّ شيء‭.‬ لم نملك خيار تربيتنا بهذه الطريقة وعلى هذا النهج، لكنّ بعضنا حاول كسر هذا الطوق، والبحث عن إجابات لأسئلته واتّهامات الآخرين‭.‬‬‬‬‬‬‬

لاحظت أنّ النقاشات المتمحورة حول الهويّة تروم التقييد أكثر من محو الحدود، تبحث عمّا يدعم نظرية التقوقع، حتّى في زعمها أنّها تنشد تجاوز الحواجز الملغّمة‭.‬‬‬

حلا لي أن أريح نفسي بتصوّري للهويّة، وهي أنّها ما نحياه وما نريده‭.‬ ما نشتهي أن نكونه‭.‬ لكنّ ذلك لم يمنع الاتّهامات من أن تتضاعف وتتكاثر، من قائل إنّ الهويّة لا تُكتَسَب إلى متّهم بالانسلاخ عن الهويّة، إلى مشكّك بالتأويل‭.‬ ليكون التصوّر باعثاً على الإرباك.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.