روايات‭ ‬كنفاني‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكتمل

روايات‭ ‬كنفاني‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكتمل

الأحد 2015/03/01

رحل غسان كنفاني، وترك للقراء إرثا كبيرا، قياساً برحيله المبكر (1973). موزعاً على ثلاثة مجلدات، الأول منها كان للروايات، (رجال في الشمس -ما تبقى لكم – أم سعد -عائد إلى حيفا-الشيء الآخر"ـ من الذي قتل ليلى الحايك؟"). كما وتضمن المجلد ثلاث "روايات" وصفها الكتاب والنفاد بأنها لم تكتمل، وهي (العاشق-الأعمىوالأطرش-برقوق نيسان). حول هذه الروايات الثلاث يدور سؤالنا في هذا المقال‭.‬

في كلمة الناشر، وربما لجنة تخليد غسان كنفاني، جاء تقديم "الروايات الثلاث" غير المكتملة، مربكاً ولا يخلو من غموض‭.‬ فالعاشق هو عنوان اختاره غسان بنفسه، والأعمى والأطرش أطلق عليه كاتب التوضيح " عنوان موضوعي"، ولم نعرف زمن كتابة مقاطع الرواية المنشورة، عكس العاشق التي توضح لنا أنها كتبت في1966‭.‬ أما برقوق نيسان لم نعرف هل الذي اختار العنوان لها هو غسان بنفسه أم رفاقه وزملاءه، من الكتاب المعنيين بإعداد المختارات للطباعة‭.‬ وما أريد قوله أن ما جاء في التوضيح لم يفك ملابسات الروايات الثلاث، سواء لناحية الأسباب التي عطلت غسان عن إكمالها، أو عن الزمن الذي كتبت به روايتا" الأعمى والأطرش، وبرقوق نيسان"‭.‬

أما " شيخ النقاد العرب" الراحل إحسان عباس، وهو الذي تكفل بالتقديم للإصدار المذكور، فهو لم يتوقف عند تلك الروايات، ولم يحاول أن يطرح تقديراته لها، فنيا وأدبيا‭.‬ ولم يقدم في صفحات المقدمة أية احتمالات تساعد على إلقاء الضوء، والتقرُب من فك الملابسات، وتوضيح ما هو مبهم وغامض‭.‬ تواريخ نشر روايات غسان، يكشف عن فجوة زمنية طويلة‭.‬ اثنتان منها في سنة 1963(ما تبقى لكم – رجال في الشمس)، وبعد مضي ست سنوات، ينشر غسان روايتي: أم سعد – عائد إلى حيفا‭.‬

في هذه الفجوة الزمنية، وحسب التوضيح الذي جاء استهلالا للروايات غير المكتملة، نتعرف إلى أن "رواية العاشق" كتبها غسان في العام 1966‭.‬ ولم يكملها‭.‬ ويحتاج هذا العزوف من غسان عن الاستمرار بها، والانتقال إلى روايات أخرى، ليكملها وينشرها، ويترك رواية" العاشق" في الأدراج، إلى تفسير‭.‬ وليس مستبعدا أن يكون الشأن ذاته ينطبق على الروايتين " الأعمى والأطرش" برقوق نيسان"‭.‬ حيث ليس هناك ما يبين لنا رمن كتابة الروايتين‭.
وكأن المعنيين بتراث غسان ظلوا على ضيقهم من تلك الرواية‭.‬ فعاقبوها‭.‬ ومن ناحيتي أعتبرها، بلونها المختلف، أجمل روايات غسان فنياً وفكرياً

أغامر بالقول: إن غسان في هذه الفترة كان مضطرباً ومشتتاً‭.‬ وابني نظرتي هذه على واقعة أدبية حصلت في ذات الفترة 1966-1969، تتعلق بغسان كنفاني‭.‬ نشر غسان في سنة 1966 روايته " الشيء الآخر-من الذي قتل ليلى الحايك"، ونعرض بسببها لحملة انتقادات عنيفة جدا، لأن عالمها يختلف جذريا عن عالم الروايتين السابقتين (ماتبقى لكم-رجال في الشمس). وكأنَ منتقديه وضعوا له إطارا يحظر عليه الخروج منه‭.‬ وهو الإطار "الوطني والقومي والنضالي"‭.‬ وعندما حوله مخرج سينمائي إلى فيلم، وجاء في الإعلان الدعائي له، واسم غسان مثبت عليه، اضطربت المؤسسة الحزبية التي كان غسان عضوا فيها، وكأن الرواية " لوثت" الشرف الوطني والقومي لغسان، وبالتالي للمنظمة الحزبية!

بعد الضجة " النقدية" الهجومية على غسان، تابع على خطى ما تبقى لكم، ورجال في الشمس، فكتب ونشر روايتي (أم سعد وعائد إلى حيفا). ويحيلنا هذا الواقع إلى خطورة الازدواج في الشخصية وميادين نشاطها، فالسياسي حين يخضع الفني لشروطه، يشوه روح الإبداع‭.‬

في هذا الإطار، أضع الاحتمالات التي يمكن أن تفسر تراجع غسان عن استكمال " رواياته الثلاث"، مع العلم أنهن يختلفن بعوالمهن عن عالم " من قتل ليلى‭.‬"، لكن من أتيح له الاطلاع على المقاطع المنشورة منهن، ستقف عند اتجاه نقدي اجتماعي وثقافي وتاريخي للحالة الفلسطينية‭.‬ وليس مستبعدا أن يكون غسان قد غض النظر عن استكمالهن، والعودة لهن في وقت آخر، أو العدول نهائيا عن استكمالهن، تجنباً للتصادم مع " الوعي السائد"‭.‬

وأشير في الختام إلى انتشال رواية (من قتل ليلى الحايك)، من ترتيبها الزمني في مجلد الروايات، و" رميها" في آخر المجلد، وكأن المعنيين بتراث غسان ظلوا على ضيقهم من تلك الرواية‭.‬ فعاقبوها‭.‬ ومن ناحيتي أعتبرها، بلونها المختلف، أجمل روايات غسان فنياً وفكرياً.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.