بؤس‭ ‬التراثيين‭ ‬العرب

بؤس‭ ‬التراثيين‭ ‬العرب

السبت 2015/08/01
لوحة: فؤاد حمدي

حسبنا الاستماع إلى الدعاوى التي أوردها العائدون إلى التراث الفلسفي العربي لنعرف حجم المهمة المستحيلة التي ألقيت على هذا التراث لإنجازها‭.‬

فها هو محمد عمارة- حين كان عقلياً – يصدر كتابه “التراث في ضوء العقل” قائلاً «إن الوعي بالتراث وإحيائه، لا يعني تقليده ولا أن نعود بحاضرنا ومستقبلنا ونصبهما في قوالب الأمس‭..‬ ولكنه يعني أن نبصر جذور غدنا، الذي نريده مشرقاً، في الصفحات المشرقة في التراث‭.‬

وأن نجعل العدل الاجتماعي الذي نكافح من أجله الامتداد المتطوّر لحلم أسلافنا بسيادة العدل في حياة الإنسان وأن نجعل قسمات العقلانية والقومية في تراثنا زاداً طيباً وروحاً وثورية تفعل فعلها في يومنا وغدنا، وبذلك يصبح تراثنا روحاً سارية في ضمير الأمة وعقلها تصل مراحل تاريخها وتدفع مسيرة تطوّرها خطوات وخطوات إلى الأمام، وبذلك وحده يصبح التراث طاقة فاعلة وفعالة، وليس “ركاماً” أو “أكفان موتى” كما يحسبه ويريده الكثيرون»‭.‬

ويرى الدكتور حسن حنفي أن «التراث هو نقطة البداية كمسؤولية ثقافية وقومية، والتجديد هو إعادة تفسير التراث طبقاً لحاجات العصر‭.‬ فالقديم يسبق الجديد، والأصالة أساس المعاصرة، والوسيلة تؤدي إلى الغاية، التراث هو الوسيلة والتجديد هو الغاية، وهي المساهمة في تطوير الواقع، وحل مشكلاته والقضاء على أسباب معوقاته، وفتح مغاليقه التي تمنع أيّ محالة لتطويره»‭.‬

وبهذا المعنى أيضاً يقول الجابري «اللغة والشريعة والعقيدة السياسية‭..‬ تلك هي العناصر التي تتكون منها المرجعية التراثية التي قلنا إنه لا سبيل إلى تجديد العقل وتحديثه إلا بالتحرر من سلطانها، وإذا كنا ندعو ها هنا إلى الانتظام في الجوانب التي أبرزها في فكر ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون فليس من أجل استنساخ أفكارهم، استنساخاً، ولا من أجل تبني آرائهم تقليداً وتبعية، كلا إن ما ندعو إليه هو توظيف نزعتهم العقلانية-التقدمية كمنطلق يربطنا بقضايا تراثنا لا من أجل تجديدها أو الاغتراب فيها أو رفضها بل من أجل نقلها إلى حاضرنا ونتعامل معها على أساس متطلبات الحاضر وحاجة المستقبل وبالاستناد إلى فكر العصر ومنطقه»‭.‬

ويرى حسين مروة أن هناك ترابطاً بين المحتوى الثوري لحركة التحرر الوطني العربية في مرحلتها الحاضرة وبين الموقف الثوري من التراث الفكري العربي – الإسلامي «إن ثورية الموقف من قضايا الحاضر تستلزم الانطلاق من هذا الموقف لرؤية التراث، أي لمعرفته معرفة ثورية، أي لبناء هذه المعرفة على أساس من أيديولوجية القوى الثورية نفسها في الحاضر»‭.‬

أما طيب تيزيني فينهي رحلته الطويلة في كتابه “من التراث إلى الثورة” بالقول «إن ممارستنا الاختيار التاريخي التراثي تجاه تاريخنا وتراثنا العربيين على نحو جدلي تراثي وبغية تحويل الحصيلة الإيجابية إلى واحد من أبعاد الفعل الثوري المبدع في مرحلتنا القومية الناهضة من شأنها أن تسهم في تكوين وتعميق الشخصية القومية الأممية للقوى الثورية العربية‭.‬ ودونما خوف من عقد التقازم أمام الآخرين والتعملق أمام الآهلين»‭.‬

يمكننا الاستمرار في عرض المسوغات التي قدمها المشتغلون بإعادة قراءة التراث، ولكن بما أن هدفنا هو الوقوف على أهم هذه المبررات لنكشف عنها، نكتفي بما عرضنا، معتبرين أن هذه المسوغات هي النماذج الكبرى التي تقدم عادة‭.‬

وتدقيقاً فيما سبق نجد: أن الهدف المرجوّ من عودة كهذه ينحصر في النقاط التالية :

1- إيجاد الترابط بين الحاضر والمستقبل والماضي، وهذا يعني أن انقطاعاً قد حصل بين ماضي الفلسفة وحاضرها العربي وإيجاد اللحمة مرة أخرى بين الحاضر والماضي من شأنه أن يفتح آفاقاً أفضل‭.‬ ومن شأنه أيضاً أن يعيّن مفهوم الهوية القومية بوصفها خطأ صاعداً ينزع عنها التفتت الحاصل الآن‭.‬

2- يجمع التراثيون على نقطة أساسية ألا وهي أن العودة إلى التراث لا معنى لها إلا في حالة الكشف عمّا فيه من عناصر قابلة للحياة وليس في حالة تقديمه كما هو‭.‬ فعمارة يريد من التراث قسمات “العقلاني والقومية” وحنفي «يسعى إلى المعاصرة استناداً إلى الأصالة” والجابري «يبحث عن النزعة العقلانية النقدية» في التراث، وتيزيني يستقي من التراث المساهمة في تكوين الشخصية القومية والأممية‭.‬ ومروة يريد أن يجد في التراث “ثورية” تشتقها “قوى الثورة العربية المعاصرة”‭.‬ وأساسها تلك النزعات المادية الكامنة فيه‭.‬ إذن المرجعية في دراسات التراث الكشف عن العقلانية والقومية أو الثورية والمادية‭.‬

3- وكان الجميع قد انطلق من أن تأسيس هذه المفاهيم غير ممكن إلا بالكشف عنها داخل الإنجاز الفكري – الفلسفي للتراث العربي‭.‬ وبالتالي فالمعرفة المعاصرة تلبس التراث لبوساً جديداً ليبدو معاصراً‭.‬ وهذا يعني أن تأكيدهم رفض الانتقائية، تأكيد زائف إذ طالما أنهم يريدون من التراث أشياء ولا يريدون أشياء أخرى فهذا يعني أن ينتقوا من التراث ما يعزز أفكارهم المسبقة، أو الأساس الفلسفي-الأيديولوجي الذي ينطلقون منه‭.‬

وهذا هو الذي يفسّر لماذا يختلفون فيما بينهم حول التراث، وحول ما هو الأبرز في هذا التراث‭.‬

ولو نظرنا إلى تنوع الآراء حول ابن رشد مثالاً على تنوع الآراء حوله، لرأينا أن كلاً يريد من ابن رشد ما يريده الآن أصلاً‭.‬ فعمارة ينظر إلى شروح ابن رشد على أرسطو بداية امتلاك اللغة العربية وفكرها الفلسفي لآراء أرسطو نقية غير مشوبة بما اختلط بها من آراء أفلاطون ونظريات الأفلاطونية المحدثة‭..‬

الفرق بين فرح أنطون والجابري وتيزيني ومروّة وآخرين أن تجربته التاريخية أصيلة‭.‬ أما تجربتهم فهي تجربة أزمة، وشتان ما بين تجربة النهضوي وتجربة الأزمة

والميلاد الحقيقي للمدرسة الفلسفية العقلانية-المشائية وقدّم ابن رشد أكثر المحاولات جدلية وتوفيقاً في عقد صلات الزمالة والمؤاخاة بين الحكمة (الفلسفة) وبين الشريعة، انطلاقاً من الفهم العقلاني المستنير للدين، وبواسطة البرهان العقلي ومن فوق أرض الفلسفة‭.‬

ويكتب الجابري “إقصاء العرفان” والفصل بين “البيان” و”البرهان”، ذلك هو الخط نفسه الذي ينتظم الخطاب الرشدي الذي يستعيد مشروع ابن حزم عبر ابن تومرت وابن باجة على مستوى أغنى وأعمق‭.‬

كما يرى فيه إعادة بداية بناء العلاقة بين البيان والبرهان بوعي أعمق وعقلانية واقعية أكثر نضجاً من تلك التي عند ابن حزم وابن تومرت وابن باجة ‭.‬

بينما استطاع ابن رشد «عبر طرحه لمسألتي العلاقة بين المادة والصورة، ووحدة العالم الكونية المادية، أن يساهم بعمق في تطوير الفلسفة المادية الهرطقية والجدلية إلى الأمام وخصوصاً في تأكيده على العالم في وحدته المادية من طرف، ثم في إبعاده لمفهوم الإله المفارق العلوي من مذهبه الفلسفي حيث جعله جزءاً من الطبيعة من حيث هو عقلها أو قانونية وجودها»‭.‬ وهذا ما يراه تيزيني في ابن رشد ‭.‬

إذن ابن رشد آخى بين الفلسفة والشريعة عبر الفهم العقلاني- “عمارة”‭.‬ وأقصى العرفان وقام بفصل بين البيان والبرهان عبر عقلانية واقعية‭.‬ وفي حالة أخرى نقدية – “الجابري”‭.‬ وتطور الفلسفة المادية الهرطقية والجدلية إلى الأمام “طيب تيزيني”‭.‬

ولو افترضنا أن ابن رشد يسمح باستنتاج كل ما سبق، فإن إبراز هذا الجانب أو ذاك في فلسفة ابن رشد عملية محكومة بما يراد من ابن رشد‭.‬

إنها عملية جد مشروعة‭.‬ وليست اتهاماً، إذ لا يمكن أن يكون الموقف من التراث الفلسفي إلا انتقائياً، أما أفكارها فهو أمر من قبيل إضفاء الموضوعية على تناول التراث‭.‬

كيف نفهم بروز ظاهرة العودة إلى التراث عامة والتراث الفلسفي خاصة؟ ولو تركنا جانباً الأسباب التي قدمها التراثيون، وقد تكون أسباباً حقيقية بالنسبة إلى كل واحد منهم، لواجهتنا الواقعة التالية: إن معظم الكتب الأساسية التي ظهرت حول التراث، قد صدرت في فترة السبعينات والثمانينات‭.‬

“مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط” عام 1971 “من التراث إلى الثورة” عام 1978 طيب تيزيني، “والتراث والثورة” غالي شكري 1973 “نحن والتراث” قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي 1980 “تكوين العقل العربي” 1984 “بنية العقل العربي” 1986 محمد عابد الجابري، “التراث والتجديد” 1981 حسن حنفي، “نظرة جديدة إلى التراث” 1979 “التراث في ضوء العقل”1980 محمد عمارة، “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية” جزء 1-2/1979 حسين مروة ‭.‬

صاحب صدور هذه الكتب، دراسات ونقاشات واختلاف آراء، أي لم تخلق هذه الكتب شهرة لأصحابها فحسب بل وخلقت مناخاً فكرياً بدا أنه يتميز بالحيوية‭.‬

وقد رأينا أن النماذج من المسوغات التي عرضنا لها جميعها منصبة إما على تنوير الواقع أو دفعه إلى الأمام أو المساهمة في التقدم الخ‭.‬ ولكن ما الذي كان عليه الواقع حتى يفرض على المفكر العربي التفكير بإدخال التراث كعنصر وعنصر مهم من عناصر “التنوير” و”صنع المستقبل”؟

يبدو لي أن السبعينات هي مرحلة ظهور الأزمة في سيرورة الحركة القومية العربية والماركسية العربية، أو ما اصطلح على تسميته بحركة التحرر العربية ومن ثمة تصاعدها في الثمانينات من ذلك القرن‭.‬

واتخذت الأزمة أشكالاً متعددة: هزيمة يونيو المنكرة جداً عام 1967 والتي نظر إليها بوصفها هزيمة عسكرية وأيديولوجية بالوقت نفسه، تراخي الالتفاف حول حركة التحرر العربية، صعوبة تحقيق الأهداف المعلنة، تنامي رد الفعل الإسلامي- أيديولوجيا‭.‬ ثم تطوره إلى حركة سياسية فاعلة، بروز الدول النفطية -وخاصة السعودية- كدول فاعلة في الحياة العربية‭.‬

ويبدو أن البحث عن أسباب هذه الأزمة قد تنوع جداً من البحث عن أسبابها التقنية إلى البحث عن أسبابها السياسية مروراً بالبحث عن أسبابها الفكرية‭.‬

في البحث عن هذه الأسباب الأخيرة -أي الفكرية- جاء أول ردة فعل من التيار الإسلامي‭.‬ الذي رأى أن الأيديولوجية القومية والماركسية هي المسؤولة عن هذا الخراب الذي حل وكان من نتائجها هزيمة حرب يونيو، وآية ذلك أن هذه الأيديولوجيا هي بالأصل أيديولوجيا غربية علمانية خاوية ومغتربة عن “تراث الأمة والأصيل”‭.‬


لوحة: فؤاد حمدي

والمفكر القومي والعلماني والماركسي، على الرغم من وقوفه ضد هذا التفسير، قد شاطر الإسلامي رأيه ضمناً‭.‬ فراح يبحث عن اللحمة التي تربط أفكاره العصرية بالتراث العربي‭.‬ معتقداً في الوقت نفسه أنه يحرر التراث من احتكار القوى التقليدية له، وسالباً إياها مصدر قوتها‭.‬

فالأزمة التي دشنتها الهزيمة، لم تقد إلى مراجعة نقدية للفكر العربي السياسي والفلسفي بل قادت إلى نكوص إلى الوراء في محاولة لإنقاذ الأساس الفلسفي -الأيديولوجيا للفكر القومي والماركسي‭.‬ وللتدليل على أن فكرة الحرية ليست إلا تطويراً لفكرة الحرية عند المعتزلة- وفكرة المساواة استمراراً على نحو جديد لفكرة المساواة عند القرامطة، بل والاشتراكية ذاتها جزء من تراثنا الفكري، ومادية ماركس هي ثمرة لمادية ابن سينا والفارابي وابن رشد‭.‬ والصراع الطبقي المعاصر الذي ينتج الآن الاختلاف الفكري ليس جديداً، بل إن التناقض الطبقي في العصر الإسلامي الوسيط قد عبر عن نفسه في تناقض المادية والمثالية‭.‬

وبالتالي فإن التراث العربي الفكري الإسلامي الذي عبّر عن تناقضات طبقية في اتجاهين -تقدمي ورجعي- مازال مستمراً حتى الآن عبر التناقض المعاصر‭.‬ فالبرجوازية والإقطاعية المعاصرة تتبنّى الرجعي والمثالي في تراثنا، أو تفسّره تفسيراً مثالياً رجعياً، وعلى القوى الثورية أن تبعث الجانب التقدمي المادي العقلاني‭.‬ لقد عبر كل من مروّة وتيزيني وغالي شكري عن هذه النزعة بكل صراحة‭.‬ بعقل ساذج كهذا دخل التراثيون عالم علم الكلام والفلسفة الإسلامية‭.‬

يقول حسين مروة «إن ثورية الموقف من قضايا الحاضر، تستلزم الانطلاق من هذا الموقف نفسه لرؤية التراث، أي لمعرفته معرفة ثورية، أي لبناء هذه المعرفة على أساس من أيديولوجية القوى الثورية نفسها في الحاضر، أي القوى التي لها علاقة تاريخية موضوعية بالأساس الاجتماعي لإنتاج التراث الفكري في الماضي ونعني بها القوى الاجتماعية السابقة المنتجة للأسس المادية التي انعكست في أشكال الوعي الاجتماعي (الفلسفة، العلم، الأدب، الفن المكونة لهذا التراث)»‭.‬

وهذا يعني أن هناك قبل كل شيء موقفاً ثورياً من قضايا الحاضر ينتج عنه موقف ثوري من التراث، هذا الموقف الثوري من التراث مستند إلى أيديولوجيا القوى الثورية، وهذه القوى بالتالي لها علاقة بالقوى الاجتماعية التي أنتجت الأسس المادية التي أنتجت التراث ذاته‭.‬

ولهذا فالموقف الثوري يجب أن يستند إلى منهج جديد يتجاوز المواقف المثالية والميتافيزيقية‭.‬ هذا المنهج المادي التاريخي وحده القادر على كشف العلاقة الواقعية الموضوعية غير المباشرة بين القوانين الداخلية لعملية الإنجاز الفكري وبين القوانين العامة لحركة الواقع الاجتماعي، أي كشف التراث في حركيّته التاريخية، وتحديد «ما لايزال يحتفظ منها بضرورة العناصر التقدمية والديمقراطية في تراثنا الثقافي وبين العناصر التقدمية والديمقراطية من ثقافتنا القومية في الحاضر»‭.‬ بهذه الميكانيكية الجلفة فكر الشيخ الماركسي إذ ذاك فإن ما يطمح إليه المثقف الثوري- أي المنهج المادي التاريخي – من جملة ما يطمح إليه هو دراسة الفلسفة العربية-الإسلامية بوصفها نتاج عملية تاريخية داخل حركة الفكر العربي وبارتباط مع تطور المجتمع العربي -الإسلامي القروسطي‭.‬ والكشف عمّا يحتويه التراث الفلسفي من قيم تقدمية أو نزعات مادية‭.‬

يقال: يجب أن نصل الماضي بالحاضر؟ من أين جاءت هذه الضرورة؟ إنه لقول زائف بالإطلاق‭.‬ فليست هناك من ضرورة كهذه، وإنما اعتقد الفيلسوف العربي المعاصر أن يحقق هوية فلسفية موصولة

وقد سبق لطيب تيزيني أن أشار إلى أن المفكرين العرب الآخذين بالذهنية الإقطاعية قد طرحوا قضية التراث انطلاقاً من أن الجديد هو امتداد ميكانيكي للقديم‭.‬ وهم سلفيون يتحدثون عن تصورات ومبادئ فوق الزمان والمكان، فهم لا تاريخيون إذن‭.‬ وبسبب التواطؤ التاريخي الذي عقد بين الذهنية الإقطاعية والذهنية البرجوازية لم يستطع المجددون تجاوز هذا التواطؤ فكرياً فظلّوا انتقائيين معتدلين مساومين‭.‬

وهنا يطرح تيزيني تجاوز هذين النمطين عبر المادية التراثية الجدلية التي هي ضد الإقطاع من جهة وضد التواطؤ التاريخي الإقطاعي-البرجوازي ‭.‬

وغالي شكري هو الآخر يرى أن البرجوازية لا تعمد فحسب إلى التركيز على عناصر التراث التي تفيدها وتدعم كيانها، وإنما تشيع مفهوماً ميتافيزيقا للتراث يعادي العلم والتقدم‭.‬

إذن لا بد من تنويره وفق مصالح الطبقات المناهضة للبرجوازية‭.‬ أن تكون البرجوازية خصماً طبقياً للفئات الفقيرة فهذا مما لاشك فيه، سواء أكانت برجوازية وليدة في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى كما في الوطن العربي، أم برجوازية منتصرة انتصاراً ساحقا ًفي بلدان أوروبا‭.‬

أما أن تكون البرجوازية خصماً للتراث العربي في صيغته الفلسفية السينية أو الرشدية، وخصماً للعلم والتقدم فهذا حكم يدعو إلى الدهشة حقاً‭.‬

عندما تتحدث عن البرجوازية وعلاقتها بالفكر الفلسفي، فإنما تتحدث عن الشرط التاريخي الذي تنجزه البرجوازية، والذي يعبر عن التطور الكلي الشامل للعلاقات الاجتماعية، والحياة الفكرية‭.‬ هذا التطور هو الذي يغدو عامل فهم للتصورات والآراء والنظريات حول السياسة والمجتمع والوجود من جملة عوامل أخرى تاريخية وعالمية‭.‬

فالتراث الفلسفي العربي والفكري عامة، كان موضوعاً للفكر العربي في عصر النهضة وفترة ما بين الحربين، والقارئ العربي على دراية كافية- على ما أعتقد- بكتاب ابن رشد وفلسفته لفرح أنطون، والمناظرة التي قامت بينه وبين الشيخ محمد عبده، التي جرت نتيجة نشر الجامعة لمقالات فرح أنطون حول ابن رشد‭.‬

كانت الشروط التي كتب فيها فرح أنطون، “ابن رشد وفلسفته” شروط تأسيس مفاهيم جديدة في الحياة الفكرية العربية‭.‬ وخاصة مفهوم الإصلاح الديني والتسامح والعقلانية وفصل الدين عن الدولة والعلم والديمقراطية والدستور والأمة والوطن والحرية‭..‬ إلخ‭.‬

وكانت الثقافة الأوروبية مصدراً مهماً من مصادر تكوين الوعي الجديد‭.‬ فجاء كتاب فرح أنطون استجابة طبيعية لحاجة حقيقية للمجتمع الجديد‭.‬ ومنذ الكلمات الأولى في الكتاب وهي كلمات الإهداء يعلن فرح أنطون أنه يهدي الكتاب إلى عقلاء الشرقيين في الإسلام والمسيحية وغيرهما «لا نعلم كيف يستقبل أبناء العصر هذا الكتاب في هذا الزمان‭.‬ لكنا نعلم أن النبت الجديد في الشرق صار كثيراً‭.‬ ونريد بالنبت الجديد أولئك العقلاء في كل ملة ودين في الشرق الذين عرفوا مضار مزج الدنيا بالدين في عصر كهذا العصر فصاروا يطلبون وضع أديانهم جانباً في مكان مقدّس محترم ليتمكنوا من الاتحاد اتحاداً حقيقياً ومجاراة تيار التمدن الأوروبي الجديد لمزاحمة أهله»‭.‬

كانت العودة إلى ابن رشد- بالنسبة إلى فرح أنطون- خياراً عقلانياً علمانياً‭.‬ في مرحلة جديدة تتطلب جهداً خاصاً لإيجاد تربة لقبولها‭.‬

وفي معرض تناوله لفلسفة ابن رشد أشار إلى أن رأيه في مسألة خلق العالم قريب من مذهب الماديين وموقفه من الحاكم الظالم أنه يحكم من أجل نفسه وليس من أجل الشعب‭.‬

ما الجديد الذي أضافه أصحاب الدراسات التراثية المعاصرة في وطننا إلى ما سبق ورآه فرح أنطون في ابن رشد؟ لاشي تقريباً، عقلانية، مادية، علمانية، نزعة نقدية ‭.‬

لكن الفرق بين فرح أنطون والجابري وتيزيني ومروّة وآخرين أن تجربته التاريخية أصيلة‭.‬ أما تجربتهم فهي تجربة أزمة، وشتان ما بين تجربة النهضوي وتجربة الأزمة‭.‬

وتتجلى أكثر ما تتجلى تجربة الأزمة هذه في الاعتقاد بأن المحاولة الجديدة في استعادة التراث تتم بالتجاوز المطلق لتجربة أنطون وطه حسين وأحمد أمين، بحجة أن هؤلاء مثلوا -كما يرى تيزيني- التواطؤ التاريخي بين الذهنية البرجوازية والذهنية الإقطاعية‭.‬ أو أنها تجربة ثورية بالقياس إلى الإصلاحية التي تميز السابقين عليهم‭.‬

وفي يقيني أن تجربة فرح أنطون وجرجي زيدان وطه حسين وأحمد أمين هي التي تستحق صفة الثورية‭.‬ ثورية بمعنى الريادة والجدة والصراع مع أنصار القديم‭.‬

إن استعادة التراث الفلسفي العربي لالتقاط ما ينطوي عليه -بصورة مباشرة أو بصورة كامنة- مما هو شائع في الفلسفة المعاصرة لم تقم بدور التطوير اللاحق للفلسفة العربية المعاصرة، أو التأسيس لنمط جديد من التفلسف يكون التراث الفلسفي نقطة انطلاق، أو حلّ مشكلة فلسفية راهنة‭.‬

فإذا كان التجديد الفلسفي يكشف دائماً عن مفاهيم جديدة‭.‬ فمن الصعب أن نقول إن الماركسية قد اغتنت بمفاهيم جديدة في ضوء دراسة التراث الفلسفي العربي دراسة ماركسية‭.‬ أقصد مفاهيم تصبح جزءاً لا يتجزأ من الأدوات المعرفية لفض العالم‭.‬

ففي تجربة غرامشي الفلسفية نجد مثلاً مفهوم الاستقلال التاريخي، الكتلة التاريخية، إعادة طرح السؤال عن الإنسان بوصفه السؤال الأساسي في الفلسفة، الهيمنة، المجتمع المدني بصيغته الغرامشية طبعاً‭..‬ الخ‭.‬

بالمقابل لا نجد أياً من الأفكار الفلسفية العربية الإسلامية قد جرى تطويرها أو إغناؤها في نسق فلسفي جديد‭.‬

فلم ينطلق أحد فعلاً من نظرية الفيض الفارابية أو السينوية لصياغة نظرة جديدة إلى العالم، كما لم تقم فكرة الحقيقة الإلهية والحقيقة الفلسفية، بأيّ دور فيُطرح تصورٌ جديدٌ عن الحقيقة عامة‭.‬ وحتى الاحتفال بابن خلدون لم يتجاوز تأكيد ريادته في إشادة نظرية حول العمران والدولة‭.‬ ولم تستخدم هذه النظرية كأداة معرفية لفهم الواقع المعيش‭.‬

إذن على مستوى التجربة الفلسفية لم يغن التراث هذه التجربة اللهم إلا في نقطة واحدة ألا وهي تجاوز جزئي لعملية تاريخ الفلسفة العالمية كما حدث في الغرب، والتي أهملت موقع الفلسفة العربية الإسلامية في تاريخ الفلسفة‭.‬ إذ أعاد التراثيون القيمة التي للفلسفة العربية-الإسلامية كمرحلة ذات اعتبار، وليست صنيعة يونانية ولا جديد بها‭.‬

استناداً إلى ما سبق يمكن النظر إلى الجوانية كتجربة فلسفية تستند إلى التراث بوصفها تجربة أكثر أصالة⊇ من تجربة إعادة دراسة التراث أقول كتجربة فلسفية بمعزل عن موقفنا من أفكارها الأساسية‭.‬

لقد حدثنا عثمان أمين عن الطريق التي أوصلته إلى الفلسفة الجوانية فالرجل عبّ من مناهل الفلسفة الغربية والفلسفة العربية الإسلامية، وواجه على نحو نقدي الأشكال البرانية للتجربة الدينية‭.‬ وهو بعد رحلته هذه وجد في الغزالي والمتصوفة ونيتشه وبرغسون وهيدجر ثم القرآن، ونهج البلاغة، ومحمد عبده أرضاً لعملية تأليف الفلسفة أطلق عليها الفلسفة الجوانية‭.‬

إن التراث الفلسفي والديني هنا أصبح جزءاً لا يتجزأ من النظرة إلى العالم التي أرادها عثمان أمين أن تكون فلسفة مفتوحة وثورية‭.‬ تقوم على تزكية الوعي الإنساني بالانطلاق من تقديم الذات على الموضوع والفكر على الوجود والإنسان على الأشياء والرؤية على المعاينة والتمييز بين الداخل والخارج والكيف والكم وبين بصر العقل وبصر العين‭.‬ وتؤسس المعرفة على التعاطف والاتصال المباشر، لإشادة ميتافيزيقا الرؤية الإبداعية التي هي أقرب إلى الرؤية الفنية، والتي تميز بين الرؤية الحدسية والمشاهدة الحسية لمجاوزة المظهر الخ‭.‬

لست بمدافع عن فلسفة عثمان أمين‭.‬ غير أني أعطيها قيمتها -في علاقتها بالتراث- من حيث هي تركيب ونظرة إلى العالم جعلت من التراث منطلقها‭.‬ هنا تحولت دراسة التراث إلى منطلق للتفلسف فيه نوع من التجاوز‭.‬

فالفيلسوف لا يعود لتاريخ الفلسفة ليقول لنا ما الذي قاله السلف، ولا لكي يحشره في فكرة قيلت، ولا لإبراز مكانته في تاريخ الفلسفة، وإنما بهدف تأويل ما، واكتشاف الفيلسوف من جديد‭.‬

وأقصد باكتشاف الفيلسوف من جديد التقاط فكرة ما وتطويرها والبناء عليها‭.‬ وكل ذلك عبر التجاوز‭.‬

فما الفكرة التي التقطها الفيلسوف العربي المعاصر والتي كانت غائبة وماهي المحاولات التي تمت لتطويرها عبر تجاوز الفيلسوف بذاته، ما الحكمة من القول بأن ابن سينا كان فيلسوفاً مادياً أن قال بقدم العالم؟

بل هل تنطوي الفلسفة العربية على أفكار قابلة للدفع إلى الأمام والانطلاق منها لقول فلسفي جديد؟

من حيث المبدأ هناك إمكانية كهذه، لكنها إمكانية لم تظهر بعد عند أولئك الذين انبروا لاستعادة التراث الفلسفي العربي‭.‬ لا يمكن الدفاع عن العقل والعقلانية بإبرازهما في خطاب فلسفي قديم، بل إن تأسيس العقلانية الجديدة هو تنظيفها أولاً من كل ما علق بها في الخطاب الفلسفي التراثي‭.‬

وتحرير الفلسفة من اللاهوت لا يتم بالعود إلى ثنائية الحقيقة بل عبر تجاوز هذه الثنائية‭.‬

وإني لأعتقد أن تجاوز الخطاب الفلسفي العربي- الإسلامي مقدمة ضرورية لمن يريد أن يتفلسف انطلاقاً من هذا التراث‭.‬ أما من ينطلق بالأصل من عبثية العودة إلى هذا التراث فلا جرم عليه‭.‬

يقال: يجب أن نصل الماضي بالحاضر؟ من أين جاءت هذه الضرورة؟ إنه لقول زائف بالإطلاق‭.‬ فليست هناك من ضرورة كهذه، وإنما اعتقد الفيلسوف العربي المعاصر أن يحقق هوية فلسفية موصولة‭.‬ ولكن ليست هناك من هوية فلسفية، لأن الأصل في التفلسف هو التجاوز والاختلاف‭.‬

وإذا كان البعض ينطلق من نزعة قومية أو توفيقية فإن نزعتين كهاتين النـزعتين عقبتان أمام الفلسفة‭..‬

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.