الحقيبة السوداء

الحقيبة السوداء

الاثنين 2015/06/01
لوحة: محمد عمر خليل

كان، ومنذ زمن بعيد، قد حشرها هناك، في ذلك المكان القصيّ من القبو، البعيد عن العين، واليد، وتحت مجموعة من مجلات وكتب قديمة: حقيبة يد سوداء اللون، متوسطة الحجم.

كان كلَّ يوم، تقريباً، يهرع إلى القبو، ويهبط إليه، وهناك، وفي زاوية معتمة منه، يسرع إلى دسّ يده تحت المجلات ليتحسس ملمسها ويقيس حجمها، وأحياناً، وحين يخلو البيت من ساكنيه: زوجه وأمه وابنته، كان يتفقد محتوياتها كمفتش جمركي، وما إن يطمئن إلى وجود كل شيء في مكانه، حتى يسارع إلى مغادرة القبو.

كم من مرة شاهدته زوجه وهو يهبط إلى القبو، ويفتح بابه العتيق بحرص شديد، يغيب لحظات في عتمة ذلك المكان، وسط فوضى الأشياء والأغراض المرمية فيه، ثم سرعان ما يخرج منه وقد ارتسم على وجهه تعبير غريب.

ذات مرة قادها فضول غير بريء لأن تلحق به، فسارت على رؤوس أصابعها بخفة ورشاقة قطة، وقد أخذت هواجس كثيرة تموء في داخلها، وبدأ خيالها يبدع صوراً ومشاهد شتى، منسوجة من خيوط هواجس امرأة، وما إن وجدته داخل القبو الذي اقتحمته، قابعاً في مكانه، وسط تلك العتمة، منكباً على شيء ما، حتى اجتاحها شعور ثقيل، لا يخلو من رهبة، استولى عليها فجأة وهي تشاهد شحوباً غريباً، لم يسبق لها أن رأته يوماً، يظلل وجه زوجها، انعقد لسانها للحظات وهي تتأمل هذا الوجه الشاحب وتلك العينين الممتلئتين دهشة وحرجاً، حتى جاءها صوتاً غريباً خرج من جوفه، قال:

- يارا! ماذا تريدين؟

هرولت في داخلها قطعان من الأسئلة والهواجس، وتدحرجت كقنفذ استشعر الخطر في كل أوردتها، لم تجب، بل، وبالكاد، كتمت صرخة في فمها الذي أصابه الجفاف وهي تتخيل زوجها عفريتاً أو جنياً، واكتفت بأن تتابعه وهو ينهض من مكانه بعد أن دفع أشياء كانت مبعثرة أمامه إلى مكان ما، ويقبض بيد باردة على يدها، ويقودها خارج القبو حيث فناء الدار، والفسحة السماوية، فتنفست الصعداء، واسترقت نظرة إلى وجهه الذي كان شديد الشحوب وقد بدأ يستعيد رونقه، قالت له بصوت مشوب بالريبة:

- لقد أخفتني.

ضحك وهو يرد:

- جبانة.

وكي لا تسترسل في طرح الأسئلة، وتوقعه في حيرة، قال يصطنع الممازحة:

- لا تدخلوا بيوتاً قبل أن تستأذنوا.

ثم أردف:

- سأجلب لك كأس ماء.

وتوجه إلى المطبخ، وسرعان ما عاد بكأس ماء وابتسامة عريضة تتدلى من شفتيه، تحولت إلى سرور حقيقي حين قالت له بعد أن شربت الماء:

- لن أهبط إلى هذا القبو في حياتي قط.

فأطلق صيحة رعب مصطنعة في وجهها ثم قهقه بصوت عال.

كانت الشمس أيضاً، في عليائها، تضحك وهي تبعثر غيوم شباط المتكاثفة وترسل أولى خيوطها الواهنة لتسقط في فناء الدار الصغيرة، وترسم دوائر وزوايا على جدرانه وباحته، وتزين ثوب زوجه الجالسة بالقرب منه، تحت الدالية الصغيرة الناهضة وسط الدار، بأشعتها النحاسية. كان يسترق النظرات إليها وهو بالكاد يخفي ما أصابه من توتر، ثم راح يتخيل ما سيحدث له لو أن أمر حقيبته السوداء انكشف، حينها ماذا سيفعل، وبماذا سيجيب عن سيول الأسئلة التي ستتدفق من فم زوجه وربما من أفواه أهلها، لا شك أنها ستكون أكثر خبثاً وإلحاحاً من تلك التي كان يوجهها له المحقق في السجن.

(السجن..

ذلك المكان الذي غاب في داخله سنة كاملة، منذ بداية الثورة، وذلك حين اعتقلوه وهو عائد من مظاهرة ضخمة، كان يهتف فيها بأعلى صوته مندداً بالفساد والقمع، وكانت هي تسير على الرصيف، مع المتظاهرين المتدافعين وسط الشارع موجة كبيرة، تنظر إليه بعيون ملؤها الإعجاب والفخر، مضى عام كامل في زنزانته الانفرادية، وحيداً، منعزلاً، إلاّ من طيفها الجميل، الذي كان خير أنيس له، ومعين، فلم يحس بالوحشة واليأس إلا حين خرج من السجن وعلم بأمر مغادرتها البلد.. بل وبزواجها من رجل في المهجر، كما تناهى إليه من مصدر مقرب.

كانت الوحشة قد بدأت تتحول إلى أنشوطه تضيق حول عنقه وروحه، وإلى كابوس، وذلك رغم زواجه السريع بناء على إلحاح أمه، وبدافع روح الانتقام من تلك الحبيبة، كنوع من رد الفعل على ما أقدمت عليه حين غادرت البلد ولم تنتظر خروجه من السجن. كل شيء كان قد تبدل خلال فترة تواجده في السجن، إذ لم تعد أمه العجوز ودوداً كسابق عهدها منذ أن فقدت رفيق دربها في حادثة دهس دورية أمن له عند ملاحقتها فتية خرجوا من المظاهرة، فعده بعضهم شهيداً، أكبر شهيد مات على يد أمن النظام، ورفعوا صوره في أكثر من مظاهرة، ورفاقه، رفاق المظاهرات ورفاق الدراسة، غادر كثير منهم البلد مذ بدأ لون الثورة الوردي يميل نحو الحمرة، وأما هذه المرأة التي تجلس قبالته الآن، زوجه أمام الله والناس فقط، لم تستطع طوال زواجهما أن تلمس الجزء العميق منه، وظلت، ومنذ اليوم الأول من دخولها بيته، ملتزمة بالخطوط الحديدية الممدودة بين المطبخ وغرفة النوم، لا تحيد عنها قط…).

مرور العاصفة

مرّ ذلك اليوم ثقيلاً كخطو عجوز، لينتهي كل شيء بسلام كمن استيقظ من كابوس، ومنذئذ أصبح دخوله إلى هناك لا يحتاج إلى ما كان يلتزم به عادة من حيطة وحذر، وبات أكثر اطمئناناً على الحقيبة ومحتوياتها، وخاصة من جانب زوجه، التي كانت وقتئذ تنظر إليه وهي تصارع رغبة قوية في البوح عما عرفته مؤخراً عن تلك الفتاة التي كان على علاقة غرامية بها منذ سنوات، قبل أن يقترن بها، ولكنها لم تشأ فعل ذلك بعد أن علمت بأمر مغادرة الفتاة وأهلها المدينة، مثل كثير من الأُسر، إثر انقلاب العصيّ في يد العسكر إلى بنادق، وتحول هتافات الشباب الهائج في شوارع المدينة إلى صياح ووعيد، ليشق كل ذلك قميص السماء وعنانها.

لم يعد يكرّر التسلل إلى القبو كما كان يفعل في الأيام الماضية، وخاصة بعد أن لاحظ فضول زوجه الذي راح يزداد، فأخذ يتحين فرصة مغادرتها الدار، لأمر ما، زيارة أو تسوق، بل كثيراً ما أصبح، وعلى غير عادته، يشجعها على فعل ذلك، بحجة الترفيه عن طفلتهما الصغيرة، أو الترويح عن أمه العجوز، لينطلق بخفة إلى القبو، يحكم إغلاق بابه، خشية دخول والدته أو زوجه بشكل مفاجئ وهو يطالع محتويات الحقيبة.


تفصيل من تخطيط لـ فادي يازجي

ذات مرة، وكانت الدار خالية تمامًاً من ساكنيها: زوجه وطفلته الصغيرة، وكذلك أمه العجوز، التي قلما تغادر البيت بعد أن غادرها زوجها، هرع بخفة قط إلى القبو، وقد حمل معه منفضة وعلبة دخان، وبسرعة ولهفة استل الحقيبة من مكانها، وأفرغ محتوياتها أمامه كمن يفرغ سلاسل وقلائد نفيسة.

كان الوقت منتصف نهار يوم ربيعي دافئ، وشمس آذار الذهبية تسدل أشعتها على الأرض كصبية تسرح شعرها الأشقر الطويل، كانت حزمة ضوء صغيرة قد تسللت عبر نافذة القبو المطلة على الشارع، تكفي لرؤية كلمات ما في الحقيبة من رسائل، وفي تلوين وتشكيل دخان سجائره الذي راح يتكاثف في جو القبو، لم يرَ أيّ شيء من ذلك كلّه، حتى محتويات القبو من أغراض ومتاع قديم، لم يشاهدها أو يلتفت نحوها، رغم تكاثرها في الآونة الأخيرة، كانت عيناه لا تريان سوى محتويات الحقيبة، من ساعة يد، ومسبحة، وإطار صورة صغيرة، وقلم.. ورسائل، والتي أخذت تلتهم كل كلمة فيها، وكأنه يقرأها للمرة الأولى، وليس لمرات ومرات لا يمكن إحصاؤها.

كانت الرسائل مكتوبة على أوراق مختلفة الأشكال والأحجام، ورق أبيض، وورق دفاتر مدرسية، وقصاصات صغيرة..

فض واحدة منها وهو يعبُّ نفساً عميقاً من سيجارته وشرع يقرأ:

(حبيبي، هل تعلم ماذا فعلت بي ليلة أمس، حين تحادثنا عبر الهاتف، كدت سأصرخ وأنا تحت اللحاف، بجانب فراش أمي النائمة، يا إلهي كيف يمكن لأسلاك معدنية أن تنقل كل هذه المشاعر، وهذه الحرارة! ظننت أنني أصبت بصاعقة كهربائية، أو إن شئت الدقة: عاطفية…).

داخله إحساس سار لا يخلو من غرور، أغمض عينيه للحظة وهو يكمل ما جاء في الرسالة.. ولكن، وكما لو أصابته صاعقة مفاجأة، هبّ واقفاً وهرع نحو الباب يصيخ السمع إلى الخارج، كان الصمت مطبقاً في الدار، خلا زقزقة العصافير التي حطت على أغصان الدالية، ومواء متقطع وواهن لقطّة تقف تحت تلك الأغصان، وصخب أطفال الجيران وهم يلعبون بالكرة، كعادتهم في هذا الوقت من اليوم، وصوت جارتهم أم بيان وهي تنادي ابنها بصوت ممطوط وكسول.. كعادتها هي الأخرى في عصر كل يوم، وقبل أن يقفل عائداً إلى الداخل، التقت نظراته بنظرات القطة التي أطلقت مواء كسولا ثم ابتعدت عن الدالية وقفزت على السلم وصعدت إلى سطح الدار.

عاد إلى حيث كان يجلس، وبحث عن الرسالة التي كانت بيده بانفعال راح يزداد حتى وجدها في جيب بنطاله، كان قد دسَّها فيه لحظة نهوضه، لم يلق على الرسالة سوى نظرة سريعة، أغمض عينيه وهو يبتسم بوجه مشرق، وقفزت إلى مخيلته تفاصيل تلك المحادثة، جاءه صوتها هامسا ومحذرا:

-اسمع، أنا تحت اللحاف، بالقرب من فراش أمي النائمة، خرجت للتو من الحمام، لن أحدثك، خشية استيقاظ أمي، تكلم أنت وسأسمعك.

احتار فيما سيقوله، صمت للحظات فجاءه صوتها يحثه على الكلام، فسألها عن حالها، وأنتظر للحظات كي تجيب، كرّر السؤال فردت بحنق: (قلت لك، تكلم، تكلم أنت) ومرة أخرى تبلدت أحاسيسه وحار في أمر ما سيقوله، فراح يحدثها بصوت هامس عن شوقه إليها، وعن وجهها الذي يظهر له أنّى ذهب، ومرة أخرى همست بضيق: (ما قصتك يا رجل، لماذا تتحدث بهمس، هل أنت خائف أيها المناضل؟ أم أن الأمر اختلط عليك فظننت أنك أنت تحت اللحاف، لا أنا؟!).

أحس بالخجل وضحك من حماقته، ولكن، وكي يداري ذلك، رد:

- يا ليت، كم أتمنى أن أكون الآن معك تحت اللحاف.

ثم صمت، وصمتت هي وقتاً طال بالنسبة إليه، وفجأة صفعه رنين إقفال الطرف الآخر للهاتف.

لم ينم تلك الليلة خشية أن يكون قد أساء إليها، مضى يومان وهو على تلك الحال من القلق حتى وجدها ذات صباح أمام دكان أبي سعيد السمان، ابتسمت له بخجل، ونظرة شوق تشع من عينيها، انطلقت صوبه بعد أن ابتاعت سطل لبن، وحين حاذته همست: (كيف حالك؟) ثم غادرت المكان وتركته في مكانه طائرا تائها في سماء ماطرة.

أشعل سيجارة أخرى، عبّ منها أنفاساً متلاحقة، ثم أطلق ما في جوفه من دخان راح يتماوج في جو القبو، ويختلط مع حزمة أشعة الشمس وحبيبات الغبار الدائرة في فلكها، فضَّ رسالة أخرى، أزهر وجهه بابتسامة حلوة، قرأ بهمس راح يعلو:

(حبيبي، لم أرك منذ قرن، أين كنت أيها الشقي، لا تسخر مني، أسبوع واحد لا أراك فيه هو زمن أطول من قرن، كانت عيناي تلتهمان كل مكان اعتادت أن تراك فيه: أمام باب داركم، الشارع، دكان أبي سعيد.. أين كنت؟ هيا اعترف، هل كنت تتسكع في السوق وتسترق النظرات إلى سيقان الفتيات هناك، حذار يا عمر. سأقتل الفتاة التي تلامس نظراتك وجهها، وقد أقتلك إن ضبطتك في موقف كهذا).

ضحك من غيرتها، ودغدغه شعور بالرضا ملأه بالنشوة والغرور، وزاغت نظراته في ذكرى بعيدة، كانا في خلوة قصيرة قرب مدرسة الحي، كان الوقت نهاية النهار، وكان الطلاب قد انصرفوا للتو من المدرسة، حينها قال لها: بمناسبة وجودنا قرب المدرسة سأسألك:

- ما هو الشيء الذي يتكرر منذ فجر التاريخ ولما يملّ منه البشر؟

فأجابت وعيناه تشع بنظرة حلوة:

- الحب.

التفت حوله بسرعة وخطف منها قبلة وهمس بصوت لاهث:

- أحسنت.

تلوّن وجهها بحمرة قانية، وأحسّت برعدة تجتاحها، وسرعان ما جمعت قواها وهرولت بعيداً عنه كغزال تحرر من شرك صياد، بقي في مكانه زمناً لا يعرف مقداره، ثم قفل هو الآخر عائداً إلى البيت كجندي منتصر.

فضَّ أكثر من رسالة وراح يقرأ كل واحدة منها على حدة وقد أصبح وجهه في تلك اللحظات سماءً لكل الفصول، يصفو ويتلبد، يعصف ويهدأ. كانت حزمة أشعة الشمس قد بدأت منذ وقت تحاول التنصل من القبو، والخروج منه والعودة إلى قرص الشمس، فانتقلت من الجدار المقابل للنافذة إلى زاوية منه ثم إلى أرض القبو بوهن راح يزداد حتى خرجت منه، وتركت المكان لظلمة بدأت تصبغ أشياء القبو وجسده بلونها الأسود.

كانت الشمس قد جنحت نحو المغيب وهي تهبط وراء الأفق مثل كرة نحاسية حين دخلت زوجه مع ابنتها تتبعهما أمه العجوز إلى الدار، انقبض قلبها وهي تتخيل ردَّ فعله على تأخرها عن القدوم إلى البيت، فكثيراً ما كانت تدفعه لمحاسبتها حين تتأخر في زيارة لها خارج البيت، بل كانت تتباهى أمام جاراتها بخوفها من غضبه، إلى درجة إثارة خجله وحتى حنقه، فتوجهت نحو العجوز ترجوها التوسط لها، فليس سوى أمّه يمكن أن يشفع لها عنده، غير أن الصوت المنبعث من القبو، القوي والحزين، عقد لسانها، وجعلها للحظات جامدة في مكانها تصيخ السمع بذهول، كانت هواجس قديمة جديدة قد بدأت تهرول في داخلها مثل أحصنة برية، وكمسرنم تبعت حماتها التي توجهت نحو القبو وهي تردد:

- إنه عمر.

ممثل يبحث عن نفسه

في تلك الظلمة الكثيفة، ووسط أغراض القبو المختلفة الأحجام، كان ينتصب واقفاً وفي يده حقيبة سوداء وهو ينظر في داخلها، لم يلتفت نحوهما حين دخلتا، وجلستا على العتبة، أخرج قلماً جميل المنظر من الحقيبة وراح يتأمله بعيون زائغة مليئة بالسرور، قال كمن انتقل لتوه إلى موضوع آخر:

( يا له من قلم جميل، جميل جداً، قلت لها ذلك، فردت، اكتب به كي يتحسن خطك، فكتبت به، كتبت ولم يتحسن خطي، قلت لها لا يُصلح القلم الجميل ما تفسده اليد غير الماهرة.. فضحكت، ضحكت فزغردت عصافير المدينة). أطلق ضحكة عالية، ثم صمت فجأة وقطّب حاجبيه، تقلصت أسارير وجهه وراح يتحدث بحنق وعصبية كمن أصابه مسٌّ، أو كممثل على خشبة مسرح يؤدي دوراً في مسرحية مونودرامية تتحدث عن اليأس، والإحباط، وفقدان الأمل.. أمام جمهور جالس على عتبة القبو، وقد حبس، جمهوره، زوجه وأمه، دموعه في عيون مفتوحة على وسعها، وارتسم على وجه ابنته تعبير دهشة بريئة، فيما كان هو، كممثل تقمص دوره تماماً، غافل عن وجود هذا الجمهور، فراح يخرج أشياء تلك الحقيبة، الواحدة تلو الأخرى، وهو يستذكر مواقف وأحداثاً مرتبطة بها: ساعة يد قدمتها له وهي تضبط عقاربها مع عقارب ساعتها، ليستذكر قولها له: إنها مضبوطة على إيقاع قلبها، ثم دفتر صغير قالت له إنه من أجل كتابة مذكراته، ولحظات تذكره إياها.. وأشياء أخرى. وفجأة، صمت للحظات ثم صاح بانفعال وهو يلقي تلك الأشياء من يده: (كذابة، أنت كاذبة، سنوات وسنوات وأنت تكذبين عليّ، كلكن كاذبات، كلكن، حتى رفاقي كذبوا عليّ، أولئك الثوار. الحب. الثورة.. وأنتم، كلكم، كلكم كذابون ) وراح يتحدث ويضحك بهستيرية.

فجأة، علا صوت تفجير قوي قادم من مكان غير بعيد هذه المرة، كان قد اعتادت مدينتهم النائية منذ فترة قريبة على هذه الأصوات قادمة من بعيد، حيث الريف وأطراف المدينة، فصمت للحظات، كانت كافية لكسر الإيهام الذي تلبسه، ورؤية جمهوره الصغير وهو في حالة ذهول وصدمة، تناهبته مشاعر شتى، وأحس أنه موزع بين عالمين، وكأن ما يحدث له مجرد أضغاث أحلام. ولم ينتبه من غفلته تلك إلا عندما سمع صوت ابنته وهي تردد كلمات ثم تطلق بكاء راح يبتعد ثم يختفي مع خروج أمها من المكان، بصيص نور خافت فقط كان ينبعث من وجه كثير التجاعيد وسط تلك الظلمة التي صبغت القبو كله بالسواد، وجه وحيد أشبه بتلك النافذة الصغيرة في أعلى زنزانته المعتمة، والتي كانت تلفازه وصندوق أحلامه العجيب، تأمله زمناً برجاء وحيرة قبل أن يتوارى خلف جفنين مجعدين، لينكبّ بعدها على تلك الأشياء التي بعثرها، وأخذ يلتقطها عن الأرض ويعيدها بحرص إلى الحقيبة، ثم يعيد الحقيبة إلى مكانها، البعيد عن العين واليد، في زاوية من القبو، تحت تلك المجلات والكتب القديمة.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.