مفهوم الرواية عند عبد الرحمن منيف

مفهوم الرواية عند عبد الرحمن منيف

الجمعة 2015/05/01

على الرَّغم من أنَّ عبد الرحمن منيف قد كتب هذه الكلمات في العام 1990، أي بعد عقدين من الكتابة الروائية التي أنتجت تسع روايات صدرت تباعاً منذ العام 1973، فإنَّ إنساناً عاش في رحابة الطبيعة، بروعتها وقسوتها، أو في قلب صحراء كانت هي مَسْقطُ رأسه، وساحة ملعبه، ونبعُ أخيلة طفولته، ومرآة تأمُّلات صباه وفتوته، لن يستغربَ، أبداً، أنْ يمدَّ طفلٌ نجديُّ الأبِ، عراقيُّ الأمِّ، عاش في قلب هذه الطبيعة الحُرَّة، فصار امتداداً لها، مسكوناً برحابتها، مكتشفاً عناصرها، ومعانياً قسوة جانبها القاسي، يده لالتقاط النجوم، أو أن يذهب إلى رحلة قنصٍ مفتوحةٍ يعود منها في كلِّ مرَّة وقد امتلأ وجدانه الصَّغير بفيضٍ من الأخيلة والرَّغبات والنبوءات والأماني التي تصل الأرض بالسماء، وتزرع هجير الصحارى ورمالها الغامضة برواء الغيمات وغموضها، وترى حاجات البشر الأرضيين وصور مستقبلهم في مرايا أحلامهم الشاسعة التي هي السَّماوات. وعلى غرار تحوُّلات الغيوم وتشكّلاتها، أخذت أمنية الطفل عبدالرَّحمن منيف في التَّحوُّل والتشكل مستندةً إلى ما استقرَّ في وجدانه من قناعة بالرِّسالة (ربما الوجودية) التي افترضها لنفسه أو التي اعتقدَ أنَّه مُكلَّفٌ، وجودياً، بأدائها، ومن شعور بقدرته على أدائها؛ فما أنْ تجاوز مرحلة الطفولة ذاهباً إلى صباه حتَّى أدرك أنَّ “القوَّة الجسدية” هي الأداة التي ستمكِّنُهُ من الشروع في أداء رسالته الخاصة بإعادة تشكيل العالم عبر اللَّعب مع مادة الحياة على غرار ما تفعل الغيوم بمادتها، فانطلق يعدُّ جسده، أو يُعيد تشكيله من خلال الرياضة، ليكتسب “القوَّة” التي يحتاجها. وإذْ أدرك أنَّ مهمته تحتاج قوَّة أكبر ربما لا يتوافر عليها بمفرده، انضمَّ إلى فريق من الصبية الأقوياء، غير أنَّ ذلك لم يسفر عن نتيجة تؤكِّد أنه صار قوياً، وقادراً، ومؤهلاً للشروع في إعادة تشكيل العالم، فواصل البحث عن تلك “القوَّة” الغائبة، التي لم يكن قد أدراك ماهيتها بعد!

كان عبدالرحمن منيف في حوالي الخامسة عشرة من عمره حين وقعت حرب العام 1948 التي أسفرت عن سقوط جزء كبير من فلسطين في قبضة العصابات الإرهابية الصهيونية التي سارعت إلى إعلان قيام “دولة إسرائيل”، الْمُغْفَلَةِ الحدود، فوق ما احتلته من أرض فلسطين! وقد كان لهذا السقوط، وللإعلان الذي أعقبه، أن يكسرا أحلام الصبي عبدالرحمن منيف، التي هي أحلام أمّته، وأنْ يُحْدِثا في وجدانه اليقظ وعقله الفتيِّ “جرحاً عميقاً، وسؤالاً: الضعفاء، الضائعون، لا يستطيعون شيئاً“(2). وهكذا عاد سؤالُ القوَّة ليفتح رحلة البحث عن ماهية القوَّة ومصادر اكتسابها، من جديد، فما كان لخطوات الشاب عبدالرحمن منيف، دارس الحقوق في جامعة بغداد منذ العام 1952، والمسكون بأحلام ذبيحةٍ وجرحٍ عميقٍ وسؤال، إلا أن تقوده إلى تعرُّف الفكر القومي ممثلاً في حزب البعث، وإلى الانخراط في العمل السياسي الذي جعله يوقن أنه قد وصل إلى اكتساب القوَّة التي جعلها هدفاً تمكينيِّاً ظلَّ يسعى إليه، أو أنه قد شرع في عبور طريق يفضي إلى تحقيق هدف الحصول على تلك القوة التي أرادها وسيلةً لتحقيق أهداف إنسانيةٍ هي، دائماً، أنبل وأسمى! ولكنَّ قوَّة الفكر الذي اعتنقه عبدالرحمن منيف لم تكن إلا “وهمَ قوَّة” أو “قوَّةً موهومة”، كما أنَّ “صُوفِيَّة” الانخراط في العمل السياسي الحزبي اليومي لم تكن إلا “سَدِيمَا غامضاً” يماثل هلامية العالم. أما الرياح، فلم تكن مواتيةً أبداً، ربما لأنَّ القبطان أساء تقدير قوَّة سفينته، أو لأنه أبحر في وقت غير موائم، فما أنْ صعد عبدالرحمن منيف، المتلهف إلى التغيير، متن تلك السفينة التي سرعان ما تحطَّمت، حتَّى طردته حكومة نوري السعيد التي وقَّعت وثيقة “حلف بغداد” في العام 1955 من العراق، فتوجَّه إلى القاهرة ليكمل دراسته الجامعية. ومذ ذاك، انخرط الشاب عبدالرحمن منيف في متاهة قادته من منفى إلى منفى، سواء على المستوى الوجداني داخل المجال الذي ظلَّ يعتقد أنه وطنه الكبير، أو على المستويين الوجداني والجغرافي خارج هذا المجال، وفي منافي العالم التي بدت، في عيونه، موحشةً وقاسية.

السياسة في مفهومها العميق رؤية مؤصلة بعيدة المدى، فعل إبداع وخلق، حركة اكتشاف وكشف وإعادة تشكيل وتكوين، صيرورة دائمة، وتطلع لاهب نحو مستقبل إنساني أفضل، وحياة أجمل

السياسةُ بين مفهومين

وعلى امتداد سنوات التزامه السياسي الحزبي، أو استغراقه في العمل السياسي اليومي التي امتدت منذ مطلع الخمسينات حتى العام 1965 تقريباً، وخلال السنوات الثلاث التي أعقبت ذلك “مرت مياه كثيرة تحت الجسر” و”تغيَّرت الأفكار والمواقع والأولويات“(3)، وجرت محاولات متواصلة لاكتشاف “ما وراء السياسة“(4) اليومية، وأُمْعِنَ النظر “فيما يقال وما يجري“(5)، فما تمَّ اكتشافُ شيء سوى “الخيبةِ والفراغ“(6)، فعاد سؤال الغيوم مقروناً بالسؤال عن ماهية القوَّة، أو ربما أيضاً بسؤال السَّماوات عن حال أهل الأرض، وذلك بوصف السماوات مرايا بؤريةً مركَّزةً لأحلام بشر يقطنون الأرض لا تعكس إلا صور مستقبل يرسمونه بأنفسهم لأنفسهم، عاد هذا السؤال المركَّب ليكون هاجساً مقيماً يصبُّ نار قلق خلاَّق وعنيد في وجدان هذا الكهل البدوي المتمدِّن الذي ظلَّ عقله مسكوناً بشكّ كان دائماً، ظلَّ يقين “كيف يمكن إعادة “اللَّعب” مع الأشياء القابلة للتَّشكُّل من جديد، باعتبارها مادةً طيِّعةً ومساعدةً، من أجل صياغة العالم ضمن سياق أكثر منطقيةً وسلامةً وقوةً، وأيضاً قدرةً على الاستمرار؟”(7)، وكان هذا السؤال هو “سؤال البداية والتَّحدِّي“(8)، فمن خلال اكتشاف ما تتميَّز به السياسة، بالمفهوم السَّطحي الذي يحكمها كممارسة يومية أو كانخراط في مؤسسات سياسية أو أحزاب تقوم ممارساتها الفعلية على نفي المفهوم العميق للسياسة كرؤية استراتيجية مُكْتَشِفَةٍ ومُغيِّرةٍ وبعيدةِ المدى، من تضليل ودجل وخداع، ومن عجز فكريٍّ، ومن انفصام حاد بين الأقوال والأفعال، ومن تناقض فادح بين الأفكار والسلوك، ومن خواء في الصيغ وزيف في الشعارات وانفصال عن الجماهير، ارتفع حاجزٌ ضخمٌ، أو انشقت هوَّة واسعة وعميقة، ما بين السياسي المثقف عبدالرحمن منيف والمؤسسة السياسية المراوغة، أو الحزب المخادع، ذاك الذي استغنى عن الثقافة، أو وأدها، لحظة أنْ فارق المفهوم العميق للسياسة مستبدلاً به أداءً سياسياً فقيراً قصير النظر، يناهض الفكر والإبداع ووقفات المراجعة والنقد، ويركن إلى اليومي وردة الفعل، ولا يوظَّف القوة التي يملكها إلا لحماية نفسه دون مبادئه التي تخلَّى عنها.

وفي تواز متواتر مع توالي ارتفاع ذلك الحاجز، واتساع تلك الهوَّة وإيغالها في العمق، كان عبدالرحمن منيف، السياسي المثقف الذي واصل التعبير عن قضاياه ورؤاه عبر كتاباتٍ سياسيةٍ، قد شرع يبحث عن “أشكال جديدة لمواجهة العالم ومحاولة تغييره، سواء أكان ذلك في العمل السياسي أم في العمل الفني“(9). وربما كان لتفحُّص الخيارات المتاحة في سياق البحث عن بديل تعبيري تغييري ملائم، أنْ يتشعَّب، متفرعاً إلى مسارات وخطوط عديدة ومستغرقاً المزيد من الجهد والوقت، لولا مجيء هزيمة حزيران (يونيو) 1967 التي كان لها تأثير روحيٌّ ونفسيٌّ وحياتيٌّ كبيرٌ وحاسم، والتي دمغت النصف الأول من تاريخ العرب في القرن العشرين بهزيمة أخرى أسَّست مع سابقتها، أو سابقاتها، إمكانية مفتوحة لإدماء وجه تاريخ العرب المعاصرين بمزيد من الهزائم والنكسات والانهيارات والسقوط المريع! وإزاء تأكُّده من انفتاح هذه الإمكانية على تحقُّقٍّ واردٍ، ومتواصل الحدوث، وهو التأكُّد الذي يقوم، أساساً، وضمن أمور أخرى، على “اكتشاف الفرق الهائل بين الكلمة التي تُقال، والموقف الذي يُتَّخذ، ثم العمل الذي يحصل، وعلى “التَّعرُّف إلى العالم الحقيقي“(10) الذي ضلَّله العمل السياسي عنه، أصبح عبدالرحمن منيف “أكثر استعداداً للفضح والتَّحدي“، وأكثر قدرة على اتخاذ القرار وتحديد الخيار ومعرفة الطريق، ومن هنا كان اقترابه من أداة أخرى من أدوات التعبير والتغيير، هي الرواية(11)، ومن هنا غادر السياسي المثقف تخوم السياسة، مبتعداً عن الهوامش التي يجسدها العمل السياسي اليومي، وذاهباً إلى حقل الإبداع كي يُنْبِضَ قلبه في قلبه، وكي يعثر فيه على هويته الحقيقية كمبدعٍ، أو كمثقف سياسيٍّ، وكي يكتشف، من جديد، المفهوم العميق للسياسة ويعمل على تجسيده في ممارسات إبداعية حيوية وحيَّة، وذلك بوصفها، أي السياسة، رؤية عميقة بعيدة المدى، وفعل إبداع وخلق، وحركة اكتشاف وكشف وإعادة تشكيل وتكوين، وصيرورة دائمة، وتطلع مؤصَّل نحو مستقبل إنسانيٍّ أفضل، وحياة أجمل! فكيفَ تحقَّق هذا الانتقال وتكرَّس؟ ولماذا اختار عبد الرحمن منيف الرواية دون غيرها من أشكال التعبير والتغيير؟

لعلَّ في محاولة البحث عن إجابة عن هذا السؤال المركَّب ما يفتح أفقاً أمام هذه المحاولة التمهيدية لاستكشاف مفهوم الرواية عند منيف، ولإعادة تكوينه وصوغه، ولاكتشاف ما يصله بالتاريخ والسياسة، اعتماداً على أقوال موثّقة، وتصريحات متناثرة، وشهادات أدلى بها في مناسبات مختلفة وفي أماكن عديدة، ومقالات كتبها، ودراسات أعدَّها، وذلك تمهيداً لمقاربة الروايات التي أبدعها، ولتحريك تحليلها على مستويات تكفل الكشف عمّا تنطوي عليه الأعمال الروائية من رؤية مضمرة لماهية الرواية، أو عن تجليات المفهوم النظري للرواية في الممارسة الإبداعية التي امتدت قرابة عقود ثلاثة، وأعطت سبعة عشر نصاً روائياً مُمَيَّزاً، بدءاً من رواية “الأشجار واغتيال مرزوق” التي صدرت في العام 1973، وحتَّى الجزء الثالث من ثلاثية “أرض السَّواد” الذي صدر في العام 1999، أي قبل حوالي أربع سنوات من بدء رحلة سفره إلى الغيوم، في الرابع والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2004، باحثاً عن إجابات أخرى عن سؤالها القديم المتجدِّد، ومواصلاً اكتشاف أسرار تشكّلاتها الخلاَّقة التي لا تكفُّ أبداً عن التشكَّل، وذلك كي يواصل، من هناك، من قلب الغيوم التي اختبأ في قلبها، لعبة التمدَّد أو الإطلال كي يراقب هذه المرَّةَ الأرضَ من قلب الغيوم، ومن دون أن يتوقَّف، كما فعل طوال فترة وقوفه على الأرض أو طوال فترة تمدُّده فوقها لمراقبة السماء وإنطاق الغيوم، عن التواصل معنا، فقد صار لنا، نحن بشر هذه الأرض من العرب، في رواياته مرايا نرى فيها صورتنا، ونسرد روايتنا، ونعانق أحلامنا، ونرسم صور مستقبلنا الناهض على ما تقدِّمه لنا هذه “الروايات المرايا” من معرفة عميقة بالواقع الذي نعيش، وعلى ما تثيره في نفوسنا من أسئلةٍ وشَكٍّ وقلق، وعلى ما تبثُّه فينا من حثٍّ وتحريض كي نُقدم على فعل ما بوسعنا من أجل جعل حياتنا أفضل، أو ذات شقاءٍ أقلَّ، على الأقل.

صار لنا، نحن بشر هذه الأرض من العرب، في روايات عبدالرحمن منيف، مرايا نرى فيها صورتنا، ونسرد روايتنا، ونعانق أحلامنا، ونرسم صور مستقبلنا الناهض على ما تقدمه لنا هذه "الروايات المرايا" في معرفة عميقة بالواقع

الرواية حياة والحياة رواية

ربما يكون للأحداث والوقائع والتجارب التي رسمت المنحنى الشخصي لسيرة حياة عبدالرحمن منيف، منذ لحظة ميلاده في العام 1933 حتى منتصف العام 1967، تأثير حاسم، ليس فقط في اتخاذه قرار مغادرة هوامش السياسة والذهاب إلى قلبها عن طريق الإبداع وممارسة الكتابة الروائية، وإنما أيضاً في تحديد الملامح الأساسية للسياق الروائي الخاص به، والذي حفرته تجربته الإبداعية، بدأب وتميُّز، في إطار السياق العام للرواية العربية، والعالمية أيضاً. وربما لا يقلُّ تأثير الهاجس الذي سكن عبدالرحمن منيف منذ أنْ سكن وجدانَه الصَّغيرَ سؤالُ الغيوم الذي جعله يستغرق في حلم تغيير العالم، عن تأثير المصادر الأساسية التي شكَّلت ثوابت البنية الثقافية والفكرية للإنسان عبدالرحمن منيف ومتغيراتها، وأسهمت في صوغ هويته المكتسبة، وفي تحديد الملامح الأساسية للهوية التي ظلَّ يتطلَّع إليها، وللرسالة الوجودية التي كلَّف نفسه بها وأعلنها، وللدور الذي أراده لنفسه وشرع في أدائه، وللماهية والطريقة اللتين اختارهما لإحالة ذاته إحالةً موضوعيةً في العالم، بوصفها “ذات” مواطن عربيٍّ عام، ومفكِّر متنوِّر، وروائيٍّ مبدع، ومثقف سياسيِّ، وصاحب رسالة مضيئة، وإنسان حر، ومناضل من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

في إحدى محطات السفر، وقبل أن يصل إلى حيث يُريد، مات والد الطفل عبدالرَّحمن منيف الذي لم يكن عمره قد تجاوز السنوات الخمس. وشاءت الظروف الاجتماعية وأحكام الأنظمة والأعراف والتقاليد البالية أن يرعى العائلة “رجل قاس متجبِّر“(12)، وأن يبقى الطفل “موزَّعاً بين هنا وهناك… في ظلِّ عالم شديد التَّموُّج والتَّغيُّر، ولا يعترف للصِّغار والفُقَراء بأية حقوق“(13)، كما شاءَ العيشُ في عالم موسوم بالقسوة والخشونة، وبتتابع المرارات والخيبات وتوالي تكسُّر الأحلام والمرايا، على المستويين الخاص والعام، أن يواصل وضع الإنسان عبدالرحمن منيف، طفلاً وفتى وشاباً وكهلاً، أمام تحدٍّ متواصل محكوم بـ”خيار وحيد: أنْ تبقى أو تنتهي“(14).

وما كان لذلك التحدِّي إلا أن يمدَّه، طفلاً، بالأسباب التي جعلته يكبر قبل الأوان، دافعةً إياه إلى الاستغراق في تساؤلاتٍ مُرَّة ربما لم يكن يعي مرارتها بقدر ما كان يحسُّها، وإلى السَّعي للعثور على إجابات عن هذه الأسئلة عبر استراق السَّمع، والإصغاء العميق، والتَّعلُّم السريع، والاستعداد لمواجهة الحياة القاسية التي لا تَعِدُ بشيء سوى المزيد من القسوة والخشونة، ولعلَّ هذا قد شحن ذاكرة الطفل “بكمٍّ هائل من القصص والأحداث“(15)، ومن تجارب السَّعي إلى تخطي خشونة الحياة وقسوتها وصعوباتها، وخلق توازن معها، بخسائر أقل، أو من خلال اجتراح أحلام، وابتكار أوهام، وصوغ آمال تحقق توازناً مع الحياة، أو تفتح كوَّة في جدارها الصَّلد كي تتيح إمكانيةً للبقاء فيها، وللتواصل مع الناس، وللإطلال، معهم، على أفق آخر.

الإبداع جوهر الثقافة وقلب السياسة

وبالتقاء مكونات هذه التجربة الحياتية مع الهاجس الذي رافق عبدالرحمن منيف مذ طفولته الواعية، وبتفاعلهما معاً في إطار شبكة متداخلة تضمُّ عناصر ومكونات أخرى ترتدُّ إلى مراحل لاحقة في سيرة حياته، وفي مقدِّمتها مراحل التعلُّم واكتساب المعرفة والانخراط في تجارب حياتية وثقافية وسياسية أخرى، يتبيَّن الخيط الذي يمكن لتتبُّع مساره في نسيج هذه الشبكة المتداخلة، أن يجعلنا ندرك، لماذا ذهب عبدالرَّحمن منيف إلى الرواية، مستبدلاً الإبداع بالعمل السياسي اليومي، أو قلب السياسة بهامشها، ودامجاً في إهابِ مفهوم واحدٍ، ليس هو إلا مفهوم الإبداع، كلا المفهومين العميقين لكلٍّ من الثقافة والسياسة، وناثراً بعض الإشارات التي يفضي تتبعها وإدراك مرجعيتها، وتحليلها، وإعادة تكوينها، إلى فهم مفهوم الرواية عنده، وهو المفهوم الذي مارسه إبداعاً قبل أن يُحاول صوغه، أو يسعى إلى رفعه إلى مستوى نظرية روائية متكاملة، يقول عبدالرحمن منيف في سياق إجابةٍ عن سؤال وجهه إليه الروائي حليم بركات:

“هاجسي الأساسي في هذه الحياة أنْ أخرمش، أنْ أجعل الناس قلقين، أنْ أقول لهم كم في هذه الحياة التي نعيشها الآن من المرارات والخيبات، وكم فيها من المسرات المسروقة، وبالتالي يجب علينا أن نكون أكثر شجاعةً، وأكثر وعياً، من أجل الوصول إلى حياة مختلفة لا تسيطر عليها المحرَّمات. هاجسي أنْ أعيش، وأن أكون مفيداً، وأن أكون راغباً ومرغوباً في نفس الوقت. وما دام الإنسان فوق الأرض عليه أنْ يحاول، ما وسعه، ألا يكون ثقيلاً، وأنْ يُمتع نفسه والآخرين، وأنْ يُخرمش على حجر، أو ورقة، أو خزف، لأنَّ هذا ما يُذَكِّرُ به، ما يجعله متواصلاً مع الآخرين. ويجب أن يكون جاداً أيضاً، والجدية لا تعني أنْ يقطِّب جبينه! إنَّ النكتة الجميلة، الكلمة المتقنة، يمكن أنْ تدوم وتبقى أكثر من كلِّ خطب الزُّعماء والبيانات الرَّسمية والجهامة الزائفة، وهذا ما يجعلني بعض الأحيان، ساخراً، لأقول لهم، بشكل غير مباشر، إنَّ الحياة شديدة الغنى والتنوُّع، بحيث إنَّ الإنسان ليس لديه الوقت ليبقى مُتَجهِّماً دائماً!“(16).

ينطوي هذا النص على كثافة قد لا يشي بها ظاهره إنْ هو أخذ على محمل سطحي أو قُرئ قراءة أفقيةً لم تتوخَّ التوقف عند كلِّ بؤرة تناص فيه، أو إنْ أُغفلت قراءته قراءةً رأسية تتوخَّى اكتشاف بنيته العميقة، وتحليلها، والكشف عن مكوناتها الأساسية، وعن العلاقة التي تنسجها هذه المكونات بالمرجعيات التي اسْتُلَّت منها، أو تناصَّت معها، أو أوحت بها، أو أومأت إليها. إنه نصٌّ متشابك مسكون بكمِّ هائل من التناص مع حقول معرفية وإبداعية عديدة، ومع نصوص ومصادر، مكتوبة وشفهية، ومع حضارة ممتدة، ومع تاريخ عميق وعريض، ومع تجارب حياة. وربما ترتدُّ السمة الغالبة على هذا النص إلى الكتابات الإبداعية والنظرية والنقدية التي أسَّست ما عرف بـ”الواقعية الجديدة” أو “الواقعية النقدية“، وإلى كتابات تتصل بتاريخ الرواية، وعلم الجمال، والأنثربولوجيا، وعلم النفس والفلسفة والاجتماع والاقتصاد والسياسة، وذلك إضافة إلى مرجعيات أخرى ربما تكون قد مارست حضوراً أقل.


رسمة لسارة شمّة

وتأسيساً على تفاعل سؤال الغيوم وحركة تشكلاتها مع مكونات تجربة الحياة ونتائجها، وانصهارهما، معاً، في لهيب الهاجس ومقاصده، بدا أنَّ رحلة البحث عن البديل التعبيري التغييري الملائم قد اتجهت، منذ البدء، صوب الإبداع، أو صوب الفنِّ على اتساع مجالاته وتعدُّد حقوله، ثمَّ جرى نوعٌ من تقليص الخيارات وتحديدها بما يتواءم مع المهارات والمؤهلات والمعارف والخصائص والقدرات التي كان عبدالرحمن منيف يدرك أنه قد اكتسبها، أو تمتع بها، أو كان مؤهلاً لتطويرها والارتقاء بمستواها عبر انخراط جاد في مسيرة إعدادٍ ذاتيٍّ وتأهُّلٍ معرفيٍّ وفنيٍّ (17) تؤسِّس للنهوض بأداء الرسالة، وتحقيق الهدف القاضي بإحالة الذات، إحالةً موضوعيةً في الحياة والتاريخ، بوصفها، أساساً، “ذات” إنسان مبدع صاحب رسالة محمولة على روايات، أي “ذات” كاتب روائيٍّ عربيٍّ تعكس رواياته تفاصيل حياة شعبه، والمشكلات التي يواجهها في حاضره، وتستشرفُ تطلعاته صوب الانخراط في مسيرة حياةٍ خلاَّقةٍ تحمله صوب مستقبل مفتوح على تجدُّد فصول الحياة وعصورها.

أدرك عبدالرحمن منيف أنَّ “الحياة لا تعدو أن تكون مجرَّد رواية من نوع ما، حكاية يحاول الإنسان من خلالها أنْ يُسلِّي نفسه، أو أنْ يقنعها أنَّ الحياة ليست أكثر من مجرد حكاية أخرى تُضاف إلى هذا الركام الذي لا ينتهي، والذي شكَّل حياة الإنسان عبر العصور” (18). ومن دون إغفال ما لم يُصرِّح به عبدالرحمن منيف أبداً، والذي يمكن أن يكون رغبةً، غامضة، أو مُدْرَكَة من قِبَلِهِ، في الابتعاد عن سطح الواقع المرِّ، الذي عاش فيه وعاناه، بقصد التأهَّل لكسر قشرة هذا الواقع والتأهُّب للرحيل إلى أعماق أغواره بغية سبرها عبر وسيلة تعبيرية تغييرية جديدة، ربما يكون الإدراك الذي يؤكِّده المقتطف السابق، وما يتأسَّس عليه، أو يؤسِّس له من رؤى وتصورات وأفكار، هو الذي قاده إلى مزيد من التوغُّل، أفقياً ورأسياً، في عالم الرواية الشاسع، حيث شرع يسبح في بحر الرواية الروسية قبل أن يتحوَّل إلى الإبحار في محيط الرواية العالمية الأكثر شساعةً وثراءً وعمقاً.

وربما يكون في إشارة عبدالرحمن منيف إلى أنه قد وجد فيما حصَّلهُ من معارف، وما قرأه من رواياتٍ، عوالمَ كثيرة تفيض بالأماكن والأشياء والأشخاص، وإلى أنه تعرَّف في هذه الروايات على ملامح أنماط مختلفة من البشر قبل أن يعود إلى الواقع ليكتشف ملامح موازية لهم فيه، ربما يكون في هذه الإشارة، متضافرةً مع تأكيده أنَّ الروايات التي قرأها قد حملته إلى “أنحاء عديدة من العالم“(19)، وزوَّدته بمعرفة أعمق وأصدق من تلك التي يمكن تحصيلها “من خلال خطب الزعماء والقادة، أو من خلال برامج وشعارات الأحزاب السياسية“(20)، ما يجعلنا نفترض أنه قد عثر في الرواية على واقعٍ موازٍ للواقع الحقيقي، واقع لا ينقل سطح الواقع الحقيقي بل يغوص في أعماقه ليقرأ تفاصيله، ويفكَّك شبكة علاقاته ويُعيد تركيبها، مثلما تفعل الغيوم، وذلك على نحوٍ يجعلنا أكثر قدره على فهم واقعنا وإدراكه، وأكثر معرفةً به، وبالتالي، أشدُّ رغبة في تغييره وتصويب مساراته، وأعلى ثقة بقدرتنا على فعل ذلك.

وسيلة تعبير وتغيير

هكذا، إذن، شرعت “علاقةٌ خاصة” ما بين عبدالرحمن منيف والرواية في التشكُّل والانبثاق، ويبدو أنَّ ثمة تقاطع قد حصل ما بين وقوع هزيمة حزيران (يونيو) 1967، وقرب اكتمال تأهله للشروع في ممارسة كتابة الرواية، بعد تأكُّده من جدارة الرواية كوسيلة تعبيرية تغييرية، تكشف الواقع، وتفضح عطالته، وترفع وعي الناس، وتجعلهم أكثر ثقةً بأنفسهم وبقدراتهم الكامنة، وتُحرِّضهم على تفجير هذه القدرات من أجل إحداث التغيير، وتحثُّهم، بدأبٍ، على فعل ذلك:

عبدالرحمن منيف: مواطن عربي عام، زنفكر متنور، وروائي مبدع، ومثقف سياسي، وصاحب رسالة مضيئة، وإنسان حر، ومناضل من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان

“لا أذيع سراً إذا قلت إنَّ هزيمة 1967 هي التي جعلتني أتوجه للرواية، ليس كوسيلة هروب، وإنما كوسيلة مواجهة، فقد كان للهزيمة تأثير في روحي لا يمكن أن أنساه: عالم عربيٌّ بهذا الاتساع، وبهذه الإمكانيات، وأيضاً بهذا الكم الهائل من الشعارات والضجيج، يتساقط ويهوي، ليس خلال ستة أيام، وإنما خلال ساعات قليلة. قلت لنفسي: هناك خللٌ كبيرٌ في الحياة العربية، ولا بُدَّ من اكتشاف هذا الخلل، وفضحه أيضاً، وربما تكون الوسيلة الأساسية: الرواية. وهذا ما دفعني للوصول إلى الرواية ليس فقط كقراءة، وإنما كممارسة، واعتبرتها طريقي في الوصول إلى ما أريد” (21).

حين يتكلَّم عبدالرحمن منيف على الرواية بوصفها قطعةً مكتملةً من الحياة، ووسيلة تعبير وتغيير أساسية، أو أداةً لمواجهة الواقع واكتشاف خلله وفضحه؛ فإنه يُعرِّفها، ملمحاً إلى شيء من ماهيتها ومهمتها في آن معاً، وعلى نحو شديد التداخل والتشابك والامتزاج؛ وحين يشير إلى اعتباره الرواية وسيلة للوصول إلى ما يريد، فإنه يجعل من إبداع الرواية وسيلةً إلى غاية أعلى شأناً، أو هدفاً تمكينياً يُفضي إلى هدفٍ أسمى، ولكنه يحتفظ، في الوقت نفسه، لكلا الهدفين، أو للوسيلة والهدف، بالرفعة والجدارة ونبل الطبيعة والمقاصد.

تاريخ حي وديوان حداثة

وحين يُعرِّف عبدالرحمن منيف الرواية بأنها “تاريخ من لا تاريخ لهم (22)”، أو سجلٌ حيُّ، أو وثيقة اجتماعية تاريخية (23) يقرأ فيها الناس أفكارهم وأحلامهم وضباب آمالهم وسير حياتهم، أو “مرآة شديدة القدرة على الالتقاط”(24) يرون فيها صورهم وأسماءهم وذواتهم العميقة ومخزون واقعهم ومصائرهم، أو حين يرى في قدرة الرواية على أنْ “تعرض حيوات بشر أكلت السياط ظهورهم “(25) سبباً من الأسباب التي ميزتها عن البحوث والدراسات وجعلتها “جنساً أدبياً قائماً بذاته“(26)؛ فإنه يفتح الرواية على التاريخ ووقائع الحياة وصيرورتها، وعلى السياسة بأوسع معانيها وأعمقها، مؤسِّساً وشائج علاقة حيوية تربط ما بين الرواية من جهة، والمفهوم العميق لكلٍّ من التاريخ والسياسة على نحو ما ينبغي أنْ يتجسَّدا في الرواية التي هي تاريخٌ حيٌّ (27) وديوان حداثة (28) من جهة أخرى، فالرواية تكتب التاريخ بطريقتها الخاصة فلا تكون كتاباً مصقولاً في التاريخ، بل “مصباحاً” (29) يضيء التاريخ عبر انفتاحها عليه، فيجعلنا نرى وقائعه وأحداثه ومشاهده من منظورات متباينة وزوايا عديدة؛ وحين يؤكَّد عبد الرَّحمن منيف، ممارسةً إبداعيةً وتنظيراً، أنَّ الرواية لا تعكس الواقع على نحو مرآوي مسطَّح وإنما تصوغ واقعاً آخر، واقعاً مستقلاً ومكتفياً بذاته، واقعاً يومئ إلى واقعين آخرين ولكنه ليس أياً منهما؛ فإنه يُلمح إلى ما ينبغي للرواية أن تتوافر عليه من قدرة على الإسهام في خلق إنسان التغيير، وذلك عبر ما تمتلكه من قدرة على التعامل، امتداداً وعمقاً، مع واقع هو “كتلةٌ من لهبٍ” (30) تدميريٍّ حارقٍ، تذهب إلى اختراق قشرته الصلبة، لتكون هي بدورها “كتلةً من لهبٍ” تغييريٍّ خلاقٍ يتأسَّس على قراءة صادقةٍ وتحليل عميق لواقع تودُّ كشفه وفضحه واكتشاف ممكناته على نحوٍّ يرتقي بوعي الإنسان به، ويرفع درجة حساسيته إزاءه، ويحرِّضه على تغييره. وفي هذا الضوء، لا تكون الرواية إلا وسيلة للتغيير في يد إنسان التغيير حيث تتولَّى إثارة أقوى ما فيه من مكونات الوعي والإدراك والحساسية والمشاعر، وتزوِّده بالرؤى الواضحة، وتسهمُ في خلقه من جديد، ليكون إنساناً فاعلاً يمتلك من الدَّوافع والقدرات ما يُمكِّنه من إحداث التغيير المنشود.

إعادة تعريف التاريخ

وحين يُلحُّ عبدالرحمن منيف على أنَّ التاريخ المُغيَّب، المُهْمَل، أو الذي يُراد إهماله ونسيانه، هو موضوع الرواية (31) وليس التاريخ الواقعي الظاهر، المتعارف عليه، فإنه يُعيد تعريف التاريخ، ويسعى إلى تجسيد تعريفه الجديد في عمل جماليٍّ تُلهبه المخيلة الخلاقة، وتُعيد صهر مكوناته، وتشكيل وقائعه، وبناء الرؤى التي يُراد له أنْ يبثَّها. ولا ينفصل مسعى عبدالرحمن منيف لإعادة تعريف التاريخ عن مسعاه الهادف إلى إعادة تعريف طائفة من المصطلحات المتداولة التي جرى إكسابها، عبر ممارساتٍ سطحيةٍ مبتذلةٍ، مفاهيمَ شديدة التسطيح والابتذال، وفي مقدمة ذلك مصطلحات ثلاثة هي “السياسة”، و“الثقافة“، و”المعرفة“.

ولئن كانت السياسةُ، بمعناها المبتذل، قد دفعت الإنسان المثقف المسكون برسالة وجودية، إلى مُغادرتها صوبَ الرواية ليكون روائياً مثقفاً مسكوناُ برؤية سياسية عميقة، فإنَّ هذه الخصائص التي اختار عبدالرحمن منيف أن يجعلها في صلب مكونات هويته العميقة الذّاهبة إلى كمال محتمل، أو عماداً تتأسَّس عليه عملية إحالة ذاته إحالةً موضوعيةً في العالم، هي التي دفعته إلى استلهام المعرفة واستنباتها، ومراجعة التاريخ وإعادة قراءته لاكتشافه والكشف عن مكوناته العميقة في سياق سَعي إبداعيٍّ لاهبٍ يتوخَّى تجسيده في صياغة جماليةً.

هكذا لا تكون مغادرة المثقف الجاد هوامشَ السياسة المبتذلة التي أنهكهُ البقاء فيها وعطَّل فاعليته وجمَّده إلا رافعةً تضعه في قلب جوهر السياسة العميق بعد أنْ كان ضائعاً يُفتش عنه في سطحِ ممارسةٍ تقبعُ على أطراف هوامشها! هكذا، لا تكون الرواية مجرد وسيلة تعبيرية تسهم على نحو غير مباشر في إحداث التغيير، بل تتحوَّلُ، تنظيراً وممارسة إبداعيةً، إلى “عمل تغييري… إلى جزءٍ من عملٍ سياسيٍّ بمفهومه المتقدِّم والحضاري” (32).
ليس لمغادرة المثقف الجاد هوامش السياسة المبتذلة إلا أن تكون رافعة تضعه في قلب جوهر السياسة العميق الذي كان يُفتش عنه في سطح ممارسة تقبع على أطراف هوامشها!
وهكذا، في حقل الرواية، وفي رحاب الإبداع بمعناه الواسع، وفوق أرضه الجمالية الخصبة، يُفسحُ المجال واسعاً أمام السياسة والثقافة والمعرفة كي تستعيدَ مفاهيمها العميقة، وتواشجها الخلاَّق، فليست السياسة إلا عملاً استراتيجياً تغييرياً بعيد المدى يرتبط بالثقافة بمعناها العميق، لا بمعناها المبسَّط الذي يختزلها في الدَّعاية والتعبئة، وليس المثقف، أو المبدع، مجرد صدى للسياسي، أو تابع هامشي له، وإنما ينهضان كلاهما بدور لا يقلُّ خطورة عن دوره، وربما كان لكلٍّ منهما دور أشدَّ أهميه وأكثر خطورة في إنتاج المعرفة وبناء مستقبل الحياة والناس! فللرواية، كفنٍّ إبداعيٍّ، أنْ تنسج صلات مع علوم أخرى كعلم النفس والتحليل النفسي، والاجتماع، والإناسة، وغيرها من العلوم؛ وللرواية أن تكون “حافظةً تاريخيةً” (33) لتاريخ حيٍّ فتحفظه وتبقيه، أو حافظةً لتاريخ كان حياً فتستعيده وتعيد تشكيله على نحو يُحييه، ويحفظ وجوده، وللرواية أنْ تكون سلاحاً مباشراً، أو “أداةَ محاربةٍ“(34) وتغيير، وذلك لأنها تستطيع أنْ تشكَّل مجالاً حيوياً لاندماج الكاتب الروائي والقارئ في “وجدٍ خاص” (35) يخلق حالةً من التواصل والحوار، ويفتح باباً لطريق فعلٍ مشترك وإقدام، حيث يكون كلاهما أكثر استنارةً ووعياً، وأشدَّ حساسيةً وجرأة، وأعلى قدرةً على تنمية ذوق إضافيٍّ يمكنه من تمييز الخير عن نقيضه، ومن معرفة القيم الإنسانية والجمالية، واعتناق مبدأ الكرامة الإنسانية الجامع، والدِّفاع الحًرِّ عن القيم والمبادئ والحريات والحقوق الإنسانية، ولا سيما منها مبادئ المساواة والعدل والإنصاف والتسامح والاستنارة والانفتاح، وذلك عبر الربط ما بين الوعي والحساسية والجرأة على نحو يفضي إلى نشدان التغيير، وإلى الإقدام على فعل الكثير من أجل إحداثه، ومتابعة السَّير في الطريق المُفضي للانخراط في مسيرة حياة لا تنحكم لأي ثابت سوى التغير المستمر في سياق صيرورةٍ لا تكفُّ، أبداً، عن تجديد نفسها!

ولعلَّ للفقرة الأخيرة، التي تُكثِّف صياغتُهَا تصورات ووجهات نظر ورؤى تكرَّر ورودها على لسان عبدالرحمن منيف، وألحَّت عليها تصريحاته المنشورة وكتاباته النظرية، أن تبدو مثقلةً بأيديولوجيا ثقيلة مُصابةٍ بخفَّةٍ تنأى بالرواية عن طبيعتها كنشاط جماليٍّ، أو كجنس إبداعيٍّ أدبيِّ متميزٍ، له خصائصه وقوانينه الخاصة، ولكنَّ إعادة ربط المضامين التي تبثُّها هذه الفقرة، وغيرها من الفقرات المماثلة، بالسياقات التي تمَّ انتزاعها منها بقصد إضاءتها، إنما يفضي إلى إزاحة كلٍّ من ذاك الثقل الأيديولوجي الخفيف، أو تلك الخفة الإيديولوجية الثقيلة، كما أنَّ لمقاربة السياق الروائي الذي حفرته إبداعات عبدالرحمن منيف لنفسها في إطار السياق العام للرواية العربية، أنَّ تُسْهِمَ، بفاعلية ثرَّة، في تأكيد الخصائص الفنية والجمالية التي تمنح الرواية هويتها كعملٍ فنيٍّ، وترسِّخ تميزها الإبداعي كجنس أدبيٍّ مرنٍ ومفتوحٍ لا يزال في طور التكوين والتبلُّور، أو ربما سيبقى في صيرورة دائمة قد لا يفارقها أبداً.

وفي حدود مسعى هذه الدراسة الهادفة إلى اكتشاف مفهوم الرواية عند عبدالرحمن منيف، وتوضيح صلته بالتاريخ والسياسة، نستطيع الإشارة إلى أنَّ تعامل الروائي عبدالرحمن منيف مع السياسة قد تأسَّس على مفهومها العميق الذي بينّاه، وذلك على نحو أنهض تعامله مع التاريخ على منطلقات جمالية رصينة، فالرواية التي هي “تاريخ من لا تاريخ لهم“، تختلف عن التاريخ وعن السياسة، بالمعنى السطحي اليومي الذي اكتسباه عبر كتابات مؤرخي سير الحكام والسلاطين، وممارسات الساسة المبتذلين المجافين للفكر والثقافة، فالرواية تختلف عن المنشور السياسي في كونها تتغلغل في ثنايا المجتمع وتغوص في أعماقه كاشفةً أغوارها وكوامنها وممكناتها، وهي تختلف عن التاريخ المتعارف عليه في كونها تُعيد صياغة وقائع الحياة المنسية أو الآيلة إلى النسيان أو المتكرِّرة، صياغةً روائية على خطوط موازية للوقائع الفعلية، وذلك ضمن شبكة علاقات فنية تلهبها الأخيلة الخلاقة ومقتضيات الإبداع، وتصهرها جماليات الفن الروائي في كيانٍ حيويٍّ جديد يُقدِّم واقعاً مستقلاً عن أيّ واقع آخر، ويعرض تاريخاً حياً ومتحوِّلاً يتأسَّس على صدق في القول، وعلى جرأة في النقد، وفي الكشف عن سوءات المسكوت عنه، وفي طرح الرؤى المستقبلية الكاشفة في سياق تعاملٍ جماليٍّ مع حقائق التاريخ ووقائعه، ومع رؤى الفكر وتصوراته، ومع طرائق الإبداع وأساليبه.

هكذا يفضي انفتاح الرواية على التاريخ، بمعناه العميق، إلى تخليص الرواية من الذاكرة الشخصية، والبطولة الفردية، ويزوِّدها بطاقة تمكنها من أنْ تعبر حدود الأزمنة والأمكنة وصولاً إلى الزمان الجماعي والمكان الجماعي، حيث تلتفت الجماعة البشرية إلى نفسها، فتقرأ ماضيها، وتدرك تاريخها، وتضع تجربتها الحياتية الكلية موضع مساءلةٍ تحكمها معايير الحضور الإنساني في الوجود، ونداءات الحياة، وممكنات الحاضر، وآفاق المستقبل المفتوح على مستقبل مفتوح لا يُسْقِطُ الإنسانَ من حسابه، ولا ينساه. ولعلَّ للرواية أنْ تعثر في هذا الطريق على مصدر قوتها، وعلى مبرِّر وجودها الوحيد، إذْ ليس من سببٍ يمدها بالقوَّة ويُرسِّخ وجودها إلا “وضع عالم الحياة تحت إنارة مستمرَّة، وحمايتنا ضدَّ نسيان الكائن“، ومساعدتنا على رؤية العالم في كليّته، وفي علاقة الإنسان به، وعلى سبر أغوار هذا الكائن المنسي، وإضاءتها، وذلك عبر مصاحبةٍ دائمةٍ ومخلصة لهذا الإنسان، وكشفٍ مستمرٍّ عن طبيعة وجوده في الوجود، وعن جانب كان مجهولاُ، غامضاً خفياً، أو منسياً (36) من جوانب هذا الوجود.

الاستبداد والتطرف والأصولية والعنصرية والانغلاق والتعالي وما ينجم عنها جميعا من قمع وعنف وإرهاب لا تأخذ البشرية بأسرها إلا إلى أقبية العتمة وانسداد الآفاق والموت

استعادة الإنسان

وجليٌّ، في ضوء ما تقدَّم إيضاحه من تصوُّرات نظرية وآراء، أنَّ تمسُّك الرواية بجماليات الفن الروائي، أو غوصها في أغوار الواقع الاجتماعي وفي أعماق مدائن النفس الإنسانية العميقة، أو انفتاحها على وقائع الحياة ومسارات التاريخ الحي ليس هدفاً للرواية بل شرطاً لوجودها، حيث تظلُّ الرواية، في رؤية عبدالرحمن منيف، مسكونةً بهدفها الوجودي الأسمى الذي يمرُّ عبر اختراق أنظمة التابو والذَهاب إلى قلب السياسة لرفده بدماء دافقة تجدِّد أنسجته وتحييه، وتبقيه نابضاً في حياةٍ إنسانية لا يكفُّ، أبداً، عن رفدها بنبض يوقظها من غفوتها، ويفتح الطريق أمام بشر يريدون بذل ما بوسعهم من أجل تجديدها، وإثرائها.

وجليٌّ أيضاً، أنه على الرَّغم من الانطباع السائد الذي يعتبر أغلب النصوص التي يعبّر فيها المبدعون بشكل مباشر عن أفكارهم بشأن النوع الإبداعي الذي يمارسونه مجرد تمارين في التأمل تنطوي على ألاعيب ومفارقات، أو مجرد تعليقات تتوخَّى إضاءة منجزهم الإبداعي، أو الوصول إلى غايات أخرى، فإنَّنا نلاحظ أنَّ أغلب نصوص عبدالرحمن منيف، أو تصريحاته وملاحظاته، التي تأتي في سياق كلامه على الرواية، نظرياً ونقدياً، تتسم بالارتكاز، أساساً، على تجربته الإبداعية الفعلية بأدق تفاصيلها، وذلك على نحو يجعلنا ندرك أنَّ كتابته الرواية إنما هي كتابةٌ تعي نفسها، وتعرف مقصدها، وتعمد إلى جعل هذا الوعي النظري الذي تتوافر عليه وعياً محايثاً للممارسة الإبداعية التي تنهض بها، وللمقترحات الإبداعية التي تنجزها، وهو الأمر الذي ينبغي لمقاربات نقدية، وقراءات نصية معمَّقة، للأعمال الروائية التي أبدعها السياسي المثقف؛ والروائي المثقَّف، والإنسان الحُر، عبدالرحمن منيف، أنْ تسعى إلى تفسيره وتوضيحه.

لقد جسَّدت روايات عبدالرحمن منيف أحد أبرز هموم الرواية العربية وشواغلها، بل همّها الأول وشاغلها الأهم، المتمثل في “استعادة الإنسان“، أو “استعادة الكائن“، وذلك في سياق تراسلٍ يتفاعل مع الحاجة الوجودية والحياتية الواقعية إلى التَّخلُّص، نهائياً، من الاستبداد والتَّطرُّف والأصولية والعنصرية والانغلاق والتَّعالي وما ينجمُ عنها جميعاً من قمعٍ وعنفٍ وإرهابٍ لا تأخذ البشرية بأسرها إلا إلى أقبية العتمة وانسداد الآفاق والموت، إذْ تُغلق إمكانية تحرير الإنسان واستعادة الأراضي والأوطان والانفتاح على الحياة والشعوب والثقافات عبر فتح الحاضر على ماض يتراسل مع غاية الوصول إلى مستقبل لا يحملُ من الماضي إلا ما يسهم في تجاوزه صوبَ مستقبل ينفتحُ على مستقبل جديد في مجرى صيرورةٍ حضاريةٍ دائمة.

وتلك قضيةٌ تحتاج معها الرواية إلى الانفتاح على التاريخ لإعادة صوغه، وإلى اختراق جميع أنظمة التابو، وفي نطاقها السياسة، من أجل تفكيكها جميعاً، والكشف عن فسادها وإظهار ما تمتلكه من قدرة على كبح الحياة عن الحياة، وذلك في لهيب فكرٍ إبداعيٍّ حرٍّ ومخيلة روائية خلاقة يجعلان من الرواية مكاناً لانبثاق الأفكار الحرَّة ولتفجُّر المخيلة الحية، ولإنتاج المعرفة المغيَّرة، والحاثة على إحداث التغيير المستمر الذي لا يكفُّ، أبداً، عن تجديد حاجة الإنسانية بأسرها إلى الانخراط الفاعل في مسيرة صيرورته.
مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.