قصة القصة

قصة القصة

الجمعة 2015/05/01
رسمة لأسامة بعلبكي

I

هو المبدع، وهي قصتة. تروغ، وتروغ. أحلامٌ تتبدد لحظة الاستيقاظ. أن ينشرَها، أو يقرأَها بينه وبين نفسه، أو على ملأٍ من الناس عليه أن يراجعها من جديد.أأقولُ أيضاً إن عليه أن يكتبها، ولحظتها، فقط، سيعرف إن كانت ما تزال كفِكْرَتِهِ عنها. أما تزال شجرةً، أم تراها غدت أغصاناً يابسة؟

وما يزالُ يذكرُ، وكيف ينسى، كيف قطّر صفحاتها العشر من بين مئة صفحة أو يزيد.غَرْبَلَ الكتابةَ ليستخرجَ النصَّ! مائة صفحة نزفت من رأسه،هكذا تماماً: مثل سيلٍ جارفٍ. وحدَهُ الانتهاء وضع الحدود.

ويومها ترك كل شيء يطفو على السطح.

” راكِمِ. اترك الانتقاء إلى ما بعد”.

كُلُّ واحدٍ في مثلِ وضعِهِ كان سيقولُ مثلما قال.

وبدا كل شيء جيداً. كل شيء كان جيداً، فما الذي حدث؟ فها هُوَ، وفي واحدةٍ من لحظات ضجره وما أكثرها، يوشك أن يضع حدّاً نهائياً لقصته مع القصة. أن يُمَزِّقَها مثلاً.

يحدث ذلك، ويحدث أيضاً أن تأتيه لحظاتٌ من يقين، يقرر خلالها أن يتجاهلها، كأنها لا شيء.أهي شيءٌ آخرُ غير اللاشيء؟ بل لقد تمنى كثيراً أن يستيقظ ذات صباح فيجدها وقد اختفت، ولا أثر لها، لا بين أوراقه الموزعة هنا وهناك، ولا، حتى، في ذاكرته. أيحدثُ ذلك فيستريح أخيراً.

“دَعْها تضِيع -يقول بينه وبين نفسه- ما حاجتك إليها؟ ما حاجتك إلى ورقٍ أصابته اللعنة؟ إنْ أردتها لا تجدها، وإن أتتك تتصالح العناصرُ مع نقيضاتها، فيستوي العمل والعطالة، القصةُ واللاقصة. كلاهما جميل، وضروري، وما من إمكانية قط للنموذج المشتهى!”.

II

ولكن.

من أين نَبَعَ موقفه العدائي ذاك؟ لقد كان العاشقَ المولّهَ، وهي نَصُّهُ المشتهى، نَصُّ النصوص. أين يقف منها؟ أين تقف منه؟ مَنْ يقف خلف مَنْ؟ أتراه استرق النظر خلسة، كما يفعل المقامرون فوجدها ورقة خاسرة؟ وكيف يجسر أصلاً على التفكير بذلك، وهو يعرفها حرفاً حرفاً؟ أيمكن لأيّ خفوتٍ في الذاكرة، مهما بلغ من القساوة أن ينسِهِ قصته؟ أرهِ، فقط، ورقة، سطراً، وسيميزها من بين مئات.

ومرةً أخرى يوشك أن يتصالح مع نفسه، فيخدعها:

“أمْسِكْ بطرف الخيط. ألا تعطيك طرف الخيط؟”.

ويمسك بطرف من خيط قصته، أو لعبته ويشدُّ عقدةً بعد عقدةٍ، فِعْلَ الساحر الماهر، ومن الطرف الجليِّ لرأس الخيط، يتدفق اللبلاب الشيطاني. لا وعيه الذي اقتات على الأفكار الجاهزة قادَهُ إلى غير ما امتلأ به. ما امتلأ به كان قصته المنجزة، القصة التي قد يكتبها كثيرون. الوعي أراه شيئاً، واللاوعي قاده نحو أدغال شائكة. وكان ينساق، كالمسحورين. كلماتٌ لم يخطط لها. يلحق الفكرة التي تهب نفسها طواعية. الوحيدُ الذي لا يمكن اللحاقُ به هو السراب. أهي الآن شيء آخر سوى السراب؟

“اترك ما لم ينضج بعد يتخمّر من ناره المختبئة”.

وسيترك ما لم ينضج بعد يتخمر من ناره غير المرئية، وسيعترفُ. سيعترفُ عند هذه اللحظة بأنه الملوم، وأنه وضع على كتفيه عبئاً ثقيلاً. وكان عليه أن يتخلص منه بأيّ وسيلةٍ كانت. لقد وضعها داخل أوراق، وكان ذلك إقراراً منه بأنه لا يريدها. أراد القطيعةَ فأتته. كان عليه أن يتركها هناك، في اللاوعي. وكما رمى الكتابة واحتفظ بالنص، فما المانع أن يرمِيها. أن يرمي النص، ذلك الذي يتخيّله إنجازه الأول والأخير: هناك، في الذاكرة، وبدلاً من أن يكون صورةً من صور الماضي، سيكبران سويةً، سينجزُ النَصُّ نفسَه بنفسِه، ولا يتغذى إلا من جذره الأصلي، يظهر ويختفي كرأس جبلٍ جليدي. ثُمَّ! ما الفائدةُ من إنجازٍ لا إنجاز فيه؟

III

ثم ماذا بعد؟

كل إطالة لا تفيد. فَلنعُد الآن إلى تلك القصة، ولنكن أكثر وضوحاً. علينا، بل عليه أن يكون أكثر وضوحاً إن صار الكلام وجهاً لوجه، وسيعترف بأكثر مما فعل حتى الآن، بأن ذلك الذي اعتقد بأنه يعرفه حرفاً حرفاً، نشيد الطفولة، قصة القصص، مفاجأته التي وبعد أن بهرته أخفاها قائلاً بينه وبين نفسه: ما الذي يريده الكاتب في خاتمة المطاف، نَصّاً ينهي كل كتابة؟”. هي التي هَدَتْهُ إلى نفسها. وفي العلاقة اليومية بينهما خَبِرَها وخَبِرَ نفسه، وكانت لغزاً.

ولكن ماذا لو أعاد قراءتها، فكانت غير الذي تمنّاه؟ أمن أجل هذا يُسَوِّفُ ويُسوِّفٌ؟وكان يعرف أن كل ما هو غير انتصار فهو هزيمة مؤكّدة! وهو حقاً لا يعرف متى حدث ذلك ولا أين. وكل ما يذكره، في غمرة انشغالاته الكثيرة، أنه كتبها، أو لنقل عاشها بنصّها الطويل، النص الذي رماه، ثم بالتكثيف الذي احتفظ به. فرحه بالتكثيف الذي أحسّه معجزاً في دلالاته، وفي إخلاصه للغاية المنشودة، جعله يسارع إلى تمزيق المسوّدة الأولى. كان يريد الخلاص فخنق التفاصيل.

ودوماً، ودوماً تكون هناك. في المكان واللامكان. يتأمل طويلاً صفحاتها المطوية، دون أن يفتحها، ودون أن يمنحها، كغيرها من القصص التي يكتبها فرصة للنشر. إنها ذكراه التي لن يمحوها الزمن.

“سأستثني هذه القصة مما أنشره، أو أقرأه في الأمسيات الأدبية، فبيني وبينها شغلٌ طويل”.

ويحدثُ أن يقول ذلك وهو في قلب الزمن العابر بين حاضرٍ ومستقبلٍ، زمنٌ يتدفقُ فينشغلُ بغيرها، وغيرها يمتلك جماليته، ألقه. وإن سألَتْهُ نفسُهُ: أراك تكتب ثم تكتب، ولكن ماذا عن الحلم؟ قصة القصص؟ أين خبّأتَها؟ وعندها لن يقول لنفسه إنه يتناساها عامداً متعمداً، وسيقول بأنه يمنحها كل الذي تستحقه من تفكير، وما المسألة إلا مسألة وقت، وسيأتي ذلك الوقت في وقتٍ من الأوقات!

VI

وكثيراً ما كانت تضيع لسنوات، وسط الركام الضخم لمكتبته الشخصية، وهو، وليقينه الأكيد بأنه سيعثر عليها، طال الزمن أم قَصُرَ، يترك للصدفة وحدها أن تجمعهما. هناك، داخل أحد الكتب، في الفراغ اللامرئي المتوزع بين الأشياء المتراصّة تعرض نفسها، في وقتٍ ليس وقتها. في وقتٍ ليس وقتاً.

“ها أنتِ ذا؟ أهلاً بك. لن أترك الإهمال يفرق بيننا بعد الآن!”.

هكذا كان يقول، كأيّ طفل، بعد أن يطلق تلك التنهيدة التي ترافق رؤيتنا لشيء عزيز افتقدنا كل أمل في العثور. وكان عليه، وهو العارف بأنها مهما اختفت لا بد ستظهر، أن يكون أقل صبيانية في ردّة فعله.

-“مرحباً بنبتتي التي لا تشيخ. لن أسمح لأيّ لبلابٍ شيطاني أن يقتات على أنساغك الخالدة”.

ومثلُ هذا الكلام، وغيرُه، وغيرُه، وما من فائدة ترجى، فها قد وجدها، أو تهيّأ له بأنه وَجَدَها، ثم ماذا؟ لقد صنع شيئاً، فلماذا عليه أن يصنعه من جديد؟ ما الفائدة من صياغةٍ ثانية؟ ها هي إذاً، ولكأنما باتفاقٍ خبيثٍ، في لعبة من ألعاب وجوده العبثي: تغيب، ولا تجدي خلالها أيّ محاولة للعثور عليها، إنْ قَصَدَ ذلك قصداً، وهو، وفي استرخائه المعتاد، ذلك الكسل الذي يربطه بالنجوم ينام مطمئناً إلى أنها لن تضيع، حتى وإن غابت لسنوات فهي هناك، وسط الفوضى والغبار، الفراق واللقاء. الرغبة تستعيدها، والتضاد يبعدها.

V

هكذا، ولشقائه الذي يبدو أنْ لا خاتمة له يصادف عثوره عليها انشغالاً محموماً بكتابات أخرى، أو قرفاً من الحياة، وعدم رغبة منه بتحريك أيّ حرفٍ عن موضعه. وما من مجالٍ أمامه، إلاّ أن يدعها جانباً، فوق الطاولة، تراهُ ويراها، عاريين، كل يحمل خطاياه.

ويقول لنفسه: “هيا ماذا تنتظر؟ حركةٌ واحدة وينفتح أفق الكلمات، وستكتب ما لم يُكتب!”.

وها هو، وبدلاً من أن يفتح أفق الكلمات في قصته التي لم تُكْتَب تراه يختارُ غيرها. أما هي فسيجدُ لها مخبأً يعرفه، ويعرف أنه سيظل يعرفه، مدركاً أن الفوضى التي تقتات على كل ما في غرفته ستتركها جانباً، لأنها ليست مما يقتات عليه النسيان. إن أرادها، ومؤكدٌ أنه يريدها، وهل من شكٍّ في ذلك؟ سيجدها. فلماذا الاستعجال، وغيرها كثير؟ للآخرين ما ينشره، ولَهُ المكنونُ. وستظل هنالك في اختبائها. هزيمةٌ أم انتصار؟ هو يراها انتصاراً، ويريدها انتصاراً. وماذا عن رأي الآخرين؟ وذلك يمزقه نصفين، فلا يعرف مع أي نصفٍ يميل.

وسيصنع قبل كل شيء وليمةً من فناجين القهوة.

ومرة أخرى. الحيلةُ البارعةُ ذاتها: من الصالون إلى المطبخ يتأجّلُ الأمر برمته. يفتح لها باباً كي تغيب، وكي يستريح. على أنه سيجهز نفسه للقاء، وعندها سيطرد الكسل. وإن سألْتَهُ ماذا عن الآن؟ فسيجيب بأن لكل آنٍ أوان، وآن الأوان لفناجين القهوة. قاربُ النجاة من المجهول وإليه.

ومن المجهول وإليه تنتهي القصة وتبدأ الحياة.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.