الشاعر والقصيدة

الشاعر والقصيدة

الجمعة 2015/05/01
رسمة لحبيب شبيل

لذا أصبح من الصعب اليوم، وربما من المتعذر، تعريف القصيدة وتحديد شكل معين لها. فنحن في مرحلة مخاض وتحول متسارع، تبدو فيه الأشكال المتداولة قلقة، والأشكال الجديدة ما تزال في طور التشكل، وهي تتقلب في تشكلها، تحت عنوان التجريب، وتتقلب معها الأذواق. وقد تطول هذه المرحلة دون أن تنتهي الأشكال القديمة وتستقر الأشكال الجديدة وتستقر معها الأّذواق، وقد تظهر أنواع أدبية وفنية جديدة ومختلفة، تصبح معها الأنواع التي نتداولها نحن اليوم، أو بعضها، تراثاً من الماضي وزخارف من زخارفه.

هذا على مستوى الرؤية النقدية العامة، أما على صعيد الموقف الخاص، الشخصي جداً، فأنا أحرص على أن تكون قصيدتي نسيجاً دلالياً وإيقاعياً متشابكاً، ومنسجماً في تفاصيله، يفضي في نهايته إلى تشكيل كلي قابل للتأويل. ورغم أنني كتبت الكثير من قصائد النثر، منذ أوائل الثمانينات حتى اليوم، ما زلت أفضل أن تكون قصيدتي موزونة، لأنني أعتقد أن الوزن يؤدي في كل قصيدة موزونة وظائف ثلاثاً: تنظيمية وإيقاعية ودلالية، ومن دونه يبدو التشكيل الشعري ناقصاً. فالوزن، كما أراه، ليس حلية ولا زينة، بل ضرورة، وهو بالنسبة إليّ ليس قيداً ولا عبئاً على الإطلاق.

إن تجربتي الشعرية سبقت مفهوماتها في ما أظن. فأنا لم ألجأ إلى تطبيق أيّ مفهوم سابق عليها، ولم أخضعها لأيّ منظومة نظرية جاهزة. وما سأقوله عنها هنا ليس إلا وصفاً نظرياً لتجربة شخصية تحكمها حيوية العملية الشعرية، وتطوّرها التجربة، وتغنيها الثقافة.

وفي ضوء هذا أقول: أولا إن الشعر عندي مزيج من الرؤية والحلم والذاكرة، وكتابة القصيدة مزيج من الوعي واللاوعي، والقصيدة تبدأ عندي بفكرة تلمع في الذهن مثل لمع البرق، بفعل مشهد أراه، أو حادث أشهده، أو تجربة أعيشها، أو حكاية أسمعها، أو قضية أفكر فيها، أو قراءة أقرأها، أو أيّ شيء من هذا القبيل. غير أنني لا أشرع في كتابة القصيدة في لحظة التماع الفكرة، وذلك لقناعتي بأنها ستكون سطحية وفجة، بل أدع هذه الفكرة أياماً وليالي، كثيرة أو قليلة، حتى تتفاعل عناصرها وتختمر، وتنبثق في لحظة ما انبثاق الينبوع، بلا خطة مقررة لكتابتها وتشكيلها، وهي عادة ما تكون لحظة من الصفاء الذهني والارتياح الجسدي. وحالما تنبثق وتأخذ سبيلها في الكتابة يبدأ الوعي بمراقبة حركتها، فيقيم لها لها مصدات تمنعها من الاندياح في شعاب تبددها أو تخل بتركيبها، لأنني أحرص على أن يكون لقصيدتي شكل واضح وبنية متماسكة تماسكاً عضوياً، لا إسهاب فيها ولا تطويل ولا ضياع في التفريع والتفصيل، وأن تكون لغتها لغة مقتصدة متوترة وذات كثافة دلالية مشعة، ترتفع بالجزئي الطارئ إلى الكلي الشامل، وبالمحدود إلى المطلق.

هذا يعني أنني لا أقسر نفسي على كتابة القصيدة حتى لو كانت هناك فكرة تجول في ذهني، بل أدع هذه الفكرة تتفاعل في الداخل حتى تأتي لحظة انفجارها، وعندئذ أترك للقصيدة أن تختار شكلها وإيقاعها الموسيقي وتركيبها البنيوي حتى تكتمل، فإن تعذر اكتمالها في اللحظة، لسبب من الأسباب، فإنني أتركها لأكملها في وقت آخر.

أما عن اللغة فأنا أرى أنها ليست كياناً مستقلاً عن القصيدة، بل عنصر أساسي من عناصرها، ومعنى ذلك أن شعرية القصيدة لا تكمن في لغتها وحدها بل في تكوينها الكلي الكامل. وأرجو ألا أخطئ حين أشير هنا إلى شيء أسميه “كيمياء القصيدة ” وأعني تفاعل عناصرها، ومنها اللغة، تفاعلاً وظيفياً أشبه بتفاعل العناصر في مركب كيميائي، والمعطى النهائي الناجم عن هذا التفاعل هو الذي يحدد شعرية القصيدة ويعين الوظيفة التي أدتها اللغة: شعريتها أو لا شعريتها.

لذلك لا أميل إلى تقسيم اللغة تقسيماً مسبقاً إلى لغتين: شعرية ولا شعرية، ولا أقبل تجزئة لغة القصيدة إلى مفردات وجمل ومقاطع في معزل عن تكوين القصيدة الكلي كما يفعل أتباع المنهج الأسلوبي، إذ ليس ثمة لغة شعرية خارج القصيدة وقبل اكتمالها وتحولها إلى جسد مستقل.

وبذلك لا تكون اللغة ومفرداتها وجملها وصورها ومفارقاتها غايات في حد ذاتها، ولا يضطر الشاعر إلى اصطناع الزخرفة والتزيين أو البحث عن نقاء لغوي مفتعل أو الانسياق وراء لغة انفعالية محضة، بل يمارس حرية الخلق ممارسة كاملة وينتهك المعايير الجامدة بهذه الممارسة.

ثانياً: القول بأن القصيدة حدث جمالي موضوعي يحدث في اللغة داخل اللغة، وداخل العالم، هو في ظني ضرب من الميتافزيقا، وهو يذكرني بمعتقد عبراني قديم يوم كان العبرانيون يعتقدون بأن متنبئيهم (وهم شعراء!) ممسوسون بروح إلهية توحي إليهم وتنطق بأفواههم. ولكن اللغة في الواقع ليست كائناً متعالياً ونظامها الخاص لا يعمل بمعزل عن وعينا وإرادتنا وتدخلاتنا، ومن ثمة فإن القصيدة ليست حدثاً جمالياً تلقائياً محضاً، وإلا لكانت محض هذيان، ولكان الشاعر مجرد يد تكتب، وهذا ليس واقع الحال. فالواقع أن الشاعر هو من يستقبل هذا الحدث، ومن يتدخل في لغته ومن ينظمه ويضفي عليه شكله النهائي ويمهره بقناعته، ولهذا قلت: إن كتابة القصيدة هي مزيج من الوعي واللاوعي، وهي بهذا تنطوي على شهادة الشاعر على عصره وعلى عالمه.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.