أزمة المثقف العراقي في عصر التنميط العولمي

أزمة المثقف العراقي في عصر التنميط العولمي

الجمعة 2015/05/01
رسمة لضياء العزاوي

في ظل هذه الظروف المضطربة يعيش المثقف العربي محنته، فهو يعيش حالة نكوص وتراجع منذ خمسينات القرن العشرين في الاهتمام بقضية رأي عام استنكارا واحتجاجا على سياسات نظم فاسدة مرتبطة بعجلة الاستعمار، حتى أصبح يدخل في عجلة التنميط الاشتراكي وتناغم دوره مع سياسية الدولة القومية التي لا تمانع هذا الاتجاه نسبيا. وفي التاريخ المعاصر وتحت تأثير أجواء معتمة يسودها الفقر والجهل والإحباط الذي أصاب الجسد العربي عامة بعد احتلال العراق، وانبطاح النظام العربي الرسمي لموجة التغيرات الجديدة ومعه كثير من المثقفين الذين هللوا لعصر جديد معتقدين بأن الإنسان العربي سيجد فيه الديمقراطية وحقوق الإنسان وبناء تنمية بشرية واعدة، إلا أن كل ذلك لم يحصل، بل على العكس تراجع المد القومي العربي وتراجع التمسك بحق تقرير مصير الشعب الفلسطيني تحت حجج واهية، وسراب لعبت فيه إسرائيل بحكمة ودراية حتى ترهل النظام العربي وأصبح اليأس يلف الإنسان العربي. ولا شك أن (ثورات الشباب العربي الأخيرة) بعثت الأمل في النفوس وفي قدرة هذه الأمة على قلب الطاولة على كل الراضخين لدعوات رومانسية ومضلله جميعها تصب في مصلحة اللاعب الغربي والإسرائيلي، وعاصفةً بما تبقى من الأمن القومي العربي، إلا أن الذي حصل أن القوى الصاعدة في أغلب دول تلك الثورات لم تفلت من تصاعد موجات العنف والإرهاب ومشاريع التقسيم والتي سيكون العرب بفعلها في مهب الريح إذا لم يلتحم المثقفون والمفكرون في مشروع نهضوي يرفع قواعد النهضة العربية من جديد بأسلوب يتناسب مع التحولات الحضارية التي يشهدها العالم، وهي مهمة صعبة.

يعيش المثقف العراقي نوعين من التنميط، الأول التنميط الثقافي المحلي القادم من التراث الثقافي للمجتمع العراقي، إلا أن هذا التنميط محكوم بيئيات مختلفة، فالمثقف ذو الامتداد البيئي البدوي لا يمكن له أن يخرج كليا عن نمطه القبلي، وإن كان قد تعامل مع الأحداث السياسية والفكرية المتعددة فهو لا يزال يعيش آثار ذلك، والتنميط الثاني عولمي محكوم بولادة النظام العالمي الجديد وتعامله مع وسائل العولمة الاتصالية، وقد وقع في فخ الازدواجية وهو يدافع عن نفسه بدفاعه عن الأصالة وبضرورة انتقاء الصالح من الأفكار والعناصر الثقافية وترك الضار منها أو حسب ما درج (نأخذ اللب ونترك القشور)، وهي مغالطة كبرى لأن الحضارة تأخذ بمساوئها ومحاسنها معا، وهذا الرأي نجد له صدى عند المثقف الديني، سواء من الديانة الإسلامية أم المسيحية أم الصابئية، الذي يعد القيم الاجتماعية التي تربى عليها المجتمع ضرورية لإبقائه متماسكا، لذا نجد البعض منهم ينتقد التغيرات التي حدثت بفعل الاحتلال الأميركي للعراق وأدت إلى تفكيك البنية الثقافية العراقية أو تشظيها إلى طوائف وجماعات متناحرة وكأن مقولة ملك العراق (فيصل الأول) التي مفادها أني أمام جماعات متناحرة وليس مجتمعا واحدا، قد اختبرت مصداقيتها في هذا الواقع. وقد تبلور لدى المثقف العراقي رؤى جديدة وأخذ البعض منهم ينظر إلى قضايا المجتمع بمنظار آخر، والشيء الذي وجدناه في الواقع الثقافي العراقي أن أفكار الشباب المهتمين بالثقافة أكثر حداثة من أفكار الأقدمين، على الرغم من أن اهتمام الشباب بعيد عن المسائل القومية كما كانت متقدة إبان الستينات والسبعينات، ولا سيما تجاه قضايا الأمة وفي مقدمتها فلسطين حتى بدا أولئك المحسوبون على التيارات التقدمية الثورية في الماضي محافظين ومنزوين وخائفين، ووصفهم أحد الشباب بالمرجفين لأسباب أبرزها خوفهم من التيارات الدينية أو خوفهم من الجمهور الذي بدا منقسما حسب ثقافته المذهبية والعرقية حتى قال أحد المثقفين الكلاسيكيين من (القوميين) إننا نشعر بالخوف من الاهتمام بأيّ قضية مرفوضة من المشهد السياسي في المرحلة الحالية.

لا شك أن (ثورات الشباب العربي الأخيرة) بعثت الأمل في النفوس وفي قدرة هذه الأمة على قلب الطاولة على كل الراضخين لدعوات رومانسية ومضلله
حتى أصبح كثير من المثقفين في الساحة العراقية (تحت تأثير الموجة) متأثرين بأنماط ثقافية معولمة دون الوصول إلى مرحلة الاستيعاب والفهم لماهية العولمة نفسها، وصنف آخر يعادي العولمة دون أن تكون لديه البدائل أو الرؤى الراسخة التي فيها يرفض العولمة مكتفيا باستحضار التراث الديني وكذلك صدى الأنماط المحلية التي ينكرها أحيانا حتى بدت على بعض منهم مظاهر الازدواج، لكنه لا يمتلك سوى تلك الأصداء التي نشأ عليها دون أن يتمكن من نقدها، فهو منمّط بها على أكثر تقدير.

فمفهوم المثقف الذي تطور على يد الماركسي الايطالي (أنطونيو غرامشي)، والذي يقوم على ضرورة أن يمارس المثقف دورا أساسيا في الدفع باتجاه التغيير والتثوير الاجتماعي، مشكلا نموذج المثقف العضوي، قد غابت صورته لدى المثقف العراقي اليوم، فبعض مثقفينا في الساحة الثقافية العراقية اليوم (متعلمون) وهم مقلدون للأنموذجات الفكرية العالمية، كما أنهم ينتقلون من تيار إلى آخر، وكأنه يعكس فيهم هذا السلوك، حالة استعداد الشخصية العراقية للمناقلة بين التيارات المختلفة خلال المراحل التاريخية المختلفة للمجتمع العراقي وكأنها ترجمة لما وصفها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي (بالازدواجية)، والشيء الجوهري الذي بدأنا نلمسه ميدانيا أن مبادرة الشارع في المطالبة بالحقوق أقوي من مبادرة بعض المثقفين في صناعة الحدث، وإذا برز دور ما للمثقف فإنه قد يكون بدافع السلوك(الارتزاقي) أو أنه لا يزال منمّطا بمحددات ثقافية أو أيديولوجية لا تبتعد كثيرا عن دائرة ثقافية محلية، أو بشكل مباشر عن الدائرة الطائفية، وحتى بعض المثقفين الذين يوصفون بالعلمانيين في الوقت الحاضر أصبحوا لا يخرجون عن تلك الدائرة، وبعضهم الآخر وقع في فخ التنميط العولمي دون وعي واضح بتأثيراته على منظومة القيم الاجتماعية السائدة في المجتمع، ولا سيما ما أحدثه الاحتلال الأميركي، من انقسام طائفي وعرقي تحت مفهوم حقوق المكونات الثقافية العراقية، دون أن يكون للمثقف صيحة (وطنية خالصة) تهز المجتمع استنكارا لها سوى بعض المحاولات الخجولة. فلا يزال نموذج المثقف على غرار ما قام به كوندرسيه (المثقف) إبّان الثورة الفرنسية، بعيد المنال في مجتمعنا العراقي وسائر البلاد العربية.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.