تلك الأدوات التي تغيرنا

تلك الأدوات التي تغيرنا

الجمعة 2015/05/01

ينبغي القبول بحقيقة أن الأدوات التي نبتكرها تغيرنا بشكل عميق. بعض هذه الأدوات تغيرنا بطريقة لا يمكن الرجوع عنها بالأساس.

خذ اللغة مثلا. ماذا كان يمكن أن يكون الإنسان طوال الـ10 آلاف سنة الماضية من دون لغة وكلام ومخاطبة؟ سؤال من الصعب الإجابة عليه. ولكن دعونا نتخيل!

يقف شخصان يهمهمان أمام بعضهما البعض. يحس كل منهما بالعجز. عجزهما يشابه عجز الكثير من الحيوانات التي طورت لغات إيحائية بدائية. الصراخ للخطر، والبكاء للألم، وتلمظ الشفتين للجوع. ماذا بعد هذا؟ ليس الكثير.

ماذا لو ذهبنا إلى الفراش من دون لغة وكلام؟ سننام وتتحول أحلامنا إلى ما يشبه الأفلام الصامتة. من الصعب تخيل أحلام بشرية من دون حوارات. الهمهمة لا تكفي للأحلام.

نحن نفكر من خلال اللغة. كل ما يجول في تفكيرنا اليوم هو كلام. نناقش أنفسنا وندوّر المفردات لنصوغ منها أفكارا، لنا وللآخرين. أفكارنا حوارات لغوية، ذاتية أو مع آخرين. النشاط البشري صار أساسه الكلام، المكتوب أو المنطوق. لا عودة لما قبل اللغة.

أداة أخرى: السيارة. السيارة ليست واسطة نقل وحسب بل هي من أهم أدوات تنظيم الحياة. الشوارع أساس العمران الحديث. تخطيط المدن اليوم يبدأ بالشوارع. السيارة، بسرعتها وإمكاناتها وانسيابها على الطريق ضمن أعراف المرور، تحدد متى نبدأ بالعمل ومتى ننتهي منه.

في السيارة تسمع الأخبار وتقوم بالاتصالات وتدردش مع زوجتك والأولاد ورفاق الرحلة. السيارة غرفة معيشة نتقبل أنها ضيقة المساحة لأنها تقوم بأدوار أخرى. السيارة غيرت شكل ملابسنا ونوعية الأحذية التي نرتديها. ما عدنا نخشى من الريح والمطر والتراب. جهاز التكييف فيها يحارب معنا حر ورطوبة الصيف وبرد الشتاء.

كل واحد من مستخدمي السيارة صار لديه مشروع يشبه مشاريع الرحالة ابن بطوطة. أنت ترتحل بين المدن وتعبر الأنهار وتصعد الجبال. السيارة هزمت الجغرافيا. السيارة غيرتنا كثيرا ولا عودة لما قبل السيارة.

ما يقال عن السيارة، يقال أيضا عن الطائرة. الطائرة أداة المسافات البعيدة التي لا توفرها السيارة بمرونتها في المسافات القصيرة والمتوسطة. لا عودة لما قبل الطائرة والمطار.

الكمبيوتر أداة غيرت حياتنا. وراء كل شيء عظيم أو شيء سخيف في عالم اليوم هناك كمبيوتر. ما عادت الدنيا كما كنا نعرفها في عصر ما قبل انتشار الكمبيوتر. لعل مصطلح الكمبيوتر السحابي يقدم وصفا لحقيقة ما يجري في خلفيات كل شيء. هو كالسحاب. إنه في كل مكان ويدخل في كل شيء. بدأ كذلك في عصر ما قبل الإنترنت وهو الآن أقوى وأكثر تمركزا مع انتشار الإنترنت وشبكات الاتصال المختلفة. لا عودة لما قبل عصر الكمبيوتر.

الكمبيوتر المتحرك، وخصوصا بأشكاله كهاتف نقال أو كمبيوتر لوحي سيغير حياتنا أكثر. أنت لا تذهب إلى الكمبيوتر الشخصي على مكتبك أو إلى لوحة المفاتيح والشاشة. هما معك في كل مكان. هذا تغيير كبير في قواعد اللعبة.

هذه الحركية في استخدام هذا الوجه من التكنولوجيا يجعلك تتصرف بشكل مختلف تماما. قريبا ستنتهي العدوانية التي نبديها نحو قراءة الكتب عبر شاشة الكمبيوتر. مهما بلغ حبك للكتب المطبوعة ورائحة الورق، فإن إغراء أن تحمل معك مكتبتك كاملة لا يقاوم. من يكره أن يحمل في حقيبته 3 آلاف كتاب في كل أسفاره؟ من لا يحب أن يرى ابنه وهو يحمل إلى المدرسة كمبيوترا لوحيا خفيفا، أو لا يحمله بالأصل لتوفر البديل في الفصل الدراسي، بدلا من أن “يكسر ظهره” بحمل حقيبة من الكتب والدفاتر الثقيلة؟

التلفزيون أداة توحيد عائلية. حجمه الكبير يفرض حضورا. لا تستطيع أن تضع أكثر من تلفزيون واحد في غرفة الجلوس. لكن الهاتف النقال ذا الشاشة معقولة الحجم والكمبيوتر اللوحي صارا يوفران أجهزة تلفزيون متحركة موزعة بالعدل على كل أفراد الأسرة. مركزية التلفزيون في العلاقة الأسرية ضاعت وصارت التقنيات الأصغر حجما تعيد صياغة علاقة ظلت ثابتة عبر 50 سنة، منذ أن استقرت العائلة حول شاشة التلفزيون. هذا تحول اجتماعي كبير وجوهري ما كان ليحدث لولا الهاتف الذكي والكمبيوتر اللوحي.

ربما علينا القبول بثقافة المحمول واللوحي مهما بلغ تذمرنا منها. مثل هذه الأدوات تفرض نفسها علينا بقوة، مثلما فرضت اللغة والكلام والسيارة والطائرة نفسها علينا بما لا عودة لما قبلها. هذه الأدوات، بتنويعاتها الكثيرة وبما توفره لها القفزات التقنية، ستكون معنا طويلا. التأقلم معها هو الخيار المنطقي الوحيد.

السؤال المركّب الآن: كيف سيتعامل الفكر العربي مع هذه الانعطافات الكبرى في أدوات العصر والتواصل العصري؟ كيف سيقرأها؟ كيف سيعبر عن نفسه من خلالها، حيث لا يبقى مجرد مستهلك لها منفعل بها؟ كيف سيواجه منظومة القيم والأفكار التي ستتدفق من خلالها على العقول والأذهان، من دون حتى استشارته؟

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.