النخبة‭ ‬والنخبوية

النخبة‭ ‬والنخبوية

الأربعاء 2015/04/01

في الحقيقة لم تخلُ عناوينُ المقالات التي أثثت الملف من عبارة “النخبة”، وقد وردت جميعها في صيغة إدانة “النخبة الثقافية والديمقراطية الغائبة” لخالد قطب، “النخب العربية وضياع فرصة الربيع“ لخطّار أبو دياب، “نخبة الضياع“ ليحيى العريضي، أو في صيغة ازدراء “سؤال النخبة‭:‬ هل سيحكمنا الرعاع“ لإبراهيم الجبين، ولم ترد في شكل محايد إلا في عنوان مقالة خزعل الماجدي، وإن استبدل الأقلية بالنخبة “ثقافة الأقلية وثقافة الناس“‭.‬ أي أنها تناولت في عمومها فشل النخب العربية سواء في بلورة مشروع نهضوي قومي، أو في سكوتها عن الاستبداد، أو في تواطئها مع منظومة الجور والفساد، وحتى في انحراف ثورات الربيع العربي، ولم تعرض لملامح ثقافتها ولا للعلاقة بين تلك الثقافة وثقافة العامة إلا في القليل النادر‭.‬

ما هي النخبة؟ وما أسباب استقوائها؟

يعرّف معجم لاروس النخبة بكونها مجموعة أشخاص يحظون داخل مجتمع ما بمكانة بارزة ناجمة عن خصال ذات قيمة على المستوى الاجتماعي، كالنخبة الثقافية والنخبة السياسية‭.‬ وهي في وجه من الوجوه شريحة من الشعب لها مكانة في قمة السلم التراتبي ‭-‬أو ما يسميه القدامى الطبقات‭-‬ وهي التي تمسك عادة بالسلطة‭.‬ ويفترض مصطلح النخبة مبدأ الأفضلية والاختيار أو الانتخاب‭.‬ والعبارة في مقابلها الفرنسي مستمدة من اللاتينية electus اسم مفعول من الفعل eligere ومعناه اقتطف أو اختار‭.‬ ومنها نتجت فكرة التفوق، لأن من نختاره هو الأفضل والأصلح والأحسن‭.‬ نجد ذلك حتى في الأنظمة الديمقراطية، والحال أن الديمقراطية، نظريا على الأقل، تفترض المساواة بين سائر المواطنين‭.‬ فالمساواة، طبيعية أو مدنية أو سياسية أو اجتماعية، هي مطمح كل المجتمعات ولكن لا الثورة الفرنسية ولا الثورة الروسية أفلحتا في تحقيق ذلك‭.‬ ففي الغرب مثلا، صارت الجدارة méritocratie مقدَّمة على المساواة، لأن المجتمعات الغربية صاغت تقنيات اصطناعية للترقي الاجتماعي‭:‬ تقنيات مادية قائمة على الممتلكات، وتقنيات ثقافية قائمة على العلم والمعرفة‭.‬ وصار الإفراط في الاستئثار بالوسائل الغايةَ المنشودة، ما جعل تلك التقنيات تتجمع بين أيدي النخبة التي تملك المال أو المعرفة فمن يملك الوسيلة يملك الغاية‭.‬

ماركس يفسرها اقتصاديا، ويرى أن الإمساك برافعة الآلة الاقتصادية يمنح الطبقة التي تمسكها السيطرة على جهاز الحكم‭.‬ أما فيلفريدو باريتو، فيعتقد أن كل المجتمعات نخبوية، ولا تختلف إلا في الأسلوب، فالنخب، سواء لجأت إلى الحيلة أو العنف، لا غاية لها إلا تكريس الهيمنة‭.‬ بل إن الديمقراطية البرلمانية في رأيه ليست إلا خدعة موصوفة لما يسميه “حكومة أثرياء وغوغائية”‭.‬

النخبة في بلاد العرب

“هي من صميم المجتمع، يقول إبراهيم الجبين، اشتغل شخوصها على ذواتهم، وطوّروا أسباب وجودهم‭.‬ إقطاع مستمر، أو طبقة مثقفة جاءت من الجامعات الغربية والإرساليات التي انتشرت في الشرق، أو عادت من البعثات في أوروبا والعالم الحديث، جالبة معها فكرا منجزا، أنتجته مجتمعات أخرى”‭.‬ وهذا في حدّ ذاته لا يعيب، لأن سائر البلدان التي عاينت تقدم الغرب أرسلت هي أيضا بعثات تعليمية إلى جامعاته، وعادت هي الأخرى بفكر جاهز، ولكن الفرق بيننا وبينها أنّ نخبتها استوحت من الغرب ما يستقيم مع مجتمعاتها، وصهرته في ثقافتها لتخطط لنهضة وطنية شاملة في شتى المجالات، واستطاعت في وقت وجيز أن تلحق بركب الحضارة، بل وتتجاوزه في بعض الحالات، فيما أسقطت نخبتنا الفكر الدخيل على ثقافتنا، تريد فرضه فرضا عليها، أو وقفت موقفا متعاليا عزلها عن الناس بـ”جدار زجاجي” على رأي الجبين، وآثرت تقديم الولاء والطاعة لصاحب التجلّة والجاه، بعبارة ابن خلدون، لتغنم من قربها منه منافع ومكاسب‭.‬ و”بذلك انتشرت بضاعة النخبة العربية بين صناع القرار” و”اتضح أن مشروع النخب العربية لم يكن سوى مشروع للاستيلاء على السلطة”‭.‬ و”تحوّل الحكم إلى استبداد وحشي بالتحالف مع الكولونيالية المنسحبة شكلا والباقية من خلال وكلائها”‭.‬ وظلت النخبة تنتج النخبة وتستحوذ على الثروة‭.‬ هذا التوصيف ينطبق على بلدان المشرق والمغرب على حدّ سواء، وإن بفوارق بسيطة‭.‬

خالد قطب من ناحيته يشك في حسن نيّات النخبة، لكونها تمارس نوعا من تزييف وعي المواطنين، ويشك في مستواها، لكون الواحد منها “أصبح عاجزا عن القيام بدوره الأساسي

وإذا كان خطّار أبو دياب قد استند إلى نظرية ابن خلدون في “العصبية والقبلية” لتفسير استئثار فئة معينة بالسلطة وفرض الاستبداد، فإن الجبين والعريضي وقطب عزوه إلى النخب السياسية ثم إلى النخب الدينية والثقافية التي تمالي الحاكم فتسوّغ جوره واستبداده، أو تعارضه فيجد في معارضتها مسوغا لطغيانه حفاظا على السلطة، ضاربا كل مرة رأسا برأس كما تقول العامة‭.‬

استقالة المثقف

في وضعٍ تلك سماتُه، ليس أمام النخبة المثقفة إلا الممالأة والتواطؤ أو الاستقالة، فـ”العسف ‭-‬كما قال أبو دياب مستشهدا بابن خلدون‭-‬ يؤدي إلى خراب النفوس وفساد النوع“‭.‬ “ومن ثَمّة ‭-‬يقول العريضي‭-‬ ترى الأنامل النخبوية الفكرية الثقافية قد آثرت الاختباء في الظل الآمن العفن على الانكشاف والسقوط الأكبر والنهائي”‭.‬ ولكن ما قدر المثقف إذا قوبل بالقمع والتعذيب والقتل؟ إذا وُجد من بين النخبة المثقفة من باع ضميره طمعا في حظوة أو منصب أو عطايا سَنية، فإن من بينهم أيضا من قاوم فسُجن أو نُفي أو قُتل، ومنهم من اعتبر بكل ذلك فاختار الصمت، لأن “آنية الطين ‭-‬كما يقول المثل الفرنسي‭-‬ لا تصمد أمام آنية الحديد”‭.‬ ولا يمكن أن نطالب المثقف بالبطولة والاستشهاد ليحوز مكانة في ضمير أمّة قد لا تعي وجوده أصلا‭.‬ يقول ألبير كامو على لسان أحد أبطال مسرحيته “الحصار”‭:‬ “إذا كان الظلم والجور والقسوة تدفع الناس إلى التمرد، فإن الغباءَ يثبّط العزائم، والرجالَ المتمردين‭‬ إذا ما أعيتهم رؤية الغباء منتصرا على الدوام، يسلّمون أمرهم ويلوذون بالصمت”‭.‬ وقبله بقرون قال سيسرون ‭‬106- 43 ق م‭‬ “بما أن أصواتَنا ما عادت تُسمع لا في مجلس الشيوخ ولا في “الفوروم”، فلنتّعِظْ بالحكماء الأوائل، ولنخدم بلادنا عن طريق كتاباتنا”‭.‬ وفي رأينا أن الجبين يبالغ حينما يلغي كل جهد بسؤاله الإنكاري “ما هو الإرث الذي تركته النخبة العربية للعامة حتى ما قبل العام 2011؟” فالذنب ليس ذنب صادق جلال العظم وحسين مروة ونصر حامد أبوزيد وعلي حرب والطيب تيزني ومحمود إسماعيل ومحمود طه ومحمد عابد الجابري وهشام جعيط ومحمد الطالبي وعبد المجيد الشرفي وآخرين إذا كانت العامة لا تقرأ، وإذا كان الساسة والمتفقهون يكرسون الأمية وخطاب الجهل، عبر القنوات التي تدخل البيوت بغير استئذان وتروّج للفكر الذي يريده الحاكم‭.‬

أما عن نزوع النخبة العربية إلى التقلب وتغيير مواقعها والتنكر لثوابتها طمعا في التقرب من السلطة، فهذا ليس حكرا على العرب وحدهم، بل هي سمة من سمات البشر، وإن شئنا الموضوعية قلنا نفر منهم لا مطمح له إلا حيازة رضا الحاكم والاستفادة من مزاياه‭.‬ هذا مثلا بنجامين كونستان الذي انقلب على نابليون بعد سجنه في جزيرة إلبا، وأعلن وفاءه للويس الثامن عشر، نكث عهده وقبِل أن يكون مستشار نابليون فور فراره من السجن وعودته إلى السلطة في العام نفسه، أي 1815، بل إنه حرر له مشروع الدستور‭.‬

ولا نوافق وصف العريضي النخب العربية كافة، بلا استثناء، بنخبة الضياع، فقد يصح ذلك الوصف على من بيده تصريف شؤون البلاد، فجعلها نهبا للفساد والجهالة، ثم للتكفير والترهيب والتدمير، ولكنها ليست حالة عامة تنطبق على الجميع، حتى أولئك الذين قاوموا وناضلوا وضحوا بحياتهم لإقامة مجتمع عادل‭.‬ أما وصفه الوضع الراهن بأنه حالة عبثية، لا نموّ فيها للثقافة ولا للنخبوية، ففيه نظر، فالثقافة قد تزدهر أحيانا وسط الخراب، ولنا في أميركا اللاتينية زمن سطوة العسكر أسوة‭.‬ وكذلك نظرته إلى الثقافة الأميركية، فالعيب مرة أخرى فينا وليس فيها، لأننا لم نأخذ منها غير القشور، فيما لبّها في طليعة الحركات الثقافية‭.‬ فأميركا، بشهادة العارفين، قوة ثقافية قبل أن تكون قوة عسكرية‭.‬ أما عن تفضيل الفرجوي على المقروء فهي ظاهرة عالمية لم تسلم منها حتى المجتمعات المتقدمة، والاحتفاء بفوز فريق كرة بكأس أو لاعب بميدالية يفوق ما يلقاه الفائز بجائزة أدبية ولو كانت عالمية، فالسواد الأعظم من الفرنسيين مثلا يعرف زيدان بطل العالم في كرة القدم، وحتى أبسط مقدمة برنامج تلفزيوني أكثر من معرفته باتريك موديانو المتوج هذا العام بجائزة نوبل للآداب‭.‬

من يحكمنا وكيف؟

ما من ثورة إلا وكان الشعب قادحها ووقودها، برأس أو بغير رأس، ولكن الشعب لا يستطيع أن يقود نفسه بنفسه، وقد لمسنا ذلك في الحالتين التونسية والمصرية عقب تنحية بن علي ومبارك‭.‬ فهو بحاجة إلى من يسوسه، وتبقى صيغة الحكم محل جدل، في نوع من التناقض أحيانا بين المساهمين، فأبو دياب يرجع أسباب فشل العرب في بناء مشروع نهضوي إلى “عدم وجود ديناميكيات قادرة على التغيير نتيجة عدم بلورة مشروع ديمقراطي عربي ينهل من التراث العريق ويتأقلم مع متطلبات العولمة في عالم تسوده التجمعات الكبرى”‭.‬ فهو يتحدث عن فشل المحاولة الأولى في أواخر القرن التاسع عشر، ثم فشل المحاولة الثانية عقب هزيمة 67، وعن مشروع لم يظهر إلى حيز الوجود يريد له التأقلم مع العولمة التي، ظهرت كفكرة ‬العولمة البشرية ثم عولمة التبادل التجاري منذ مطلع القرن العشرين، ولكنها لم تبزغ كنشاط تجاري عابر للحدود، مثلها مثل التجمعات الكبرى، الاتحاد الأوروبي بخاصة، إلا بعد نهاية الحرب الباردة، أي في مطلع تسعينات القرن نفسه‭.‬ كما يتحدث عن تراث عريق ننهل منه، ونحن نعرف أن نظام الحكم منذ بداية العصر الأموي صار نظاما ملكيا وراثيا، يستند في المقام الأول إلى الجبر الديني، أي أن شرعية الخليفة تستمد من السماء، فهي قضاء من القضاء وليس للرعية فيها خيرة‭.‬ ولا ندري أيّ مثال يعود إليه العرب، الذين لم يعرفوا في تاريخهم الطويل مصطلح الحرية، كي يختاروا نموذجهم الديمقراطي‭.‬ هذا رغم أن الكاتب يقول في المقال نفسه “إن الديمقراطية ليست هي الترياق للمشاكل البنيوية ولمعضلة إيجاد صيغة الحداثة الملائمة”‭.‬

خالد قطب من ناحيته يشك في حسن نيّات النخبة، لكونها تمارس نوعا من تزييف وعي المواطنين، ويشك في مستواها، لكون الواحد منها “أصبح عاجزا عن القيام بدوره الأساسي وهو تنوير الناس، لأنه ببساطة يحتاج إلى تنوير”، مثلما يشك في أن تكون الديمقراطية السبيل الأمثل، لأن “فكرة الاقتراع التي تمارسها السياسة تحت مسمّى تطبيق الديمقراطية إنما هي فكرة ساذجة للغاية وتستخف بالعقل الإنساني”‭.‬ ويدعو إلى ما يسميه “الديمقراطية اللانخبوية” لما لها من “دور في تنمية الشخصية الإنسانية عن طريق المشاركة في الحياة الاجتماعية بكل مظاهرها”‭.‬ أي أنه يدعو، إن لم نخطئ الفهم، إلى ديمقراطية مباشرة، وقد رأينا مآلها على سقراط نفسه، ثم رأيناها في شكل معمّم في استبداد الثورة الفرنسية إبّان أعوامها الأولى، حيث حوّل الثوار البلاد إلى حمامات دم ساهمت في زرع الفوضى ومهدت لوصول عسكريّ شاب هو بونابرت إلى السلطة‭.‬ إن الديمقراطية منذ نشأتها كانت تحت المحك، والديمقراطيون الأثينيون، شأنهم شأن الليبراليين المعاصرين، يعرفون مخاطر الرشوة والفساد، وانحراف السلطة التي ينبغي تأطيرها، ومخاطر الغوغائية التي يمارسها بعضهم لاستغلال سذاجة الجماهير، فابتدعوا ميكانيزمات مراقبة هي تداول المهمات، القرعة، وفصل السلط‭.‬ وهو ما استفاد منه مونتسكيو فيما بعد لتطويره على النحو الذي يمارس اليوم في البلدان المصنعة‭.‬ ورأي قطب في النهاية مثالي لأن الطريق إلى الديمقراطية اللانخبوية في تصوره “تقوم على مشاركة المواطنين في تحديد أولياتهم المعرفية”، وهذا مرهون بالمستوى التعليمي العام، وهو كما نعرف أمنية لم تتحقق بعد في بلاد العرب‭.‬ يقول “التعليم هو البوابة الرئيسية للديمقراطية المستنيرة” وهذا في المطلق صحيح، فاكتساب المعرفة هو الوسيلة الأساس للرقيّ بالفرد، حيث المدرسة هي السبيل الأمثل للترقي الاجتماعي، ولكنه لم يتحقق بعد حتى في المجتمع الفرنسي الذي أقر إجبارية التعليم وتعميمه منذ عام 1881 زمن الجمهورية الثالثة‭.‬ وما زال فلاسفة الغرب يشكون في أن تكون المدرسة ديمقراطية، عادلة في خلق المساواة، قادرة على تقليص النخبوية أو تغيير عناصرها، بل هي تعيد إنتاج النخب وفق آليات يحللها بورديو وجان كلود باسرون في كتاب “الورثة”‭.‬ ولا تكون الديمقراطية خصبة إلا حين تغير المسافة بين النخبة وعامة الشعب، من خلال انتداب قائم على الكفاءة، فتقطع الطريق على التوريث، وتقلص الفوارق بين النخب وبقية المجتمع‭.‬

أما خزعل الماجدي فيعتقد أن الديمقراطية وحدها لا تكفي ولا بدّ من شفعها بالليبرالية بدعوى “أن حضور الليبرالية مع الديمقراطية أمر في غاية الأهمية لأنه يصون الديمقراطية من الكسر والتعثر ولأنه يحقق حقوق الأفراد سواء كانوا من النخبة أو الناس“‭.‬ والديمقراطية الليبرالية، نظريا، هي نظام سياسي تتكامل فيه الديمقراطية والليبرالية بهدف حماية الحريات الفردية الخاصة والحرية العامة لأيّ مواطن‭.‬ ولكن المعيار الديمقراطي في الواقع، وإن كان هو وحده من يرعى تنظيم المجتمع، لا يضمن فعاليته، في حال تدهور الاقتصاد‭.‬ عندئذ لن يكون النظام السياسي هو الذي ينزع عن الشعب نفوذه، بل الاقتصاد الضعيف الذي لا يسمح بإيجاد ما يمكن تقاسمه أو توزيعه‭.‬

فالمعروف أن القدر الكبير من الثروة يعطي قدرا أكبر من القوة والنفوذ، ويفترض أن تمنح تلك الثروة المواطنين مزيدا من الحرية والديمقراطية، إذا ما تم توزيعها بالعدل والقسطاس‭.‬ ولكن الديمقراطية الليبرالية في الواقع لا تلبي تلك الوظيفة، بل لا تسمح إلا بـ”حرية الثعلب في قن الدجاج”‭.‬ فهي تمنح صاحب الثروة قوة يستعملها للهيمنة على ضعاف الحال واستغلالهم وإخضاعهم لمشيئته‭.‬ يتبدّى ذلك على الصعيد المحلي، حيث تستأثر الأقلية بالثروة وتخضع العموم للاستنزاف، ويتبدّى أيضا على الصعيد الدولي، حيث تفرض الدول الغنية والشركات العملاقة مشاريعها على الدول الضعيفة، وترسم لها مخططاتها، خصوصا في ظل العولمة التي جعلت الشركات العابرة للقارات المتعددة الجنسيات تمارس استعمارا جديدا على البلدان المتخلفة، التي توصف تخلّقا بالبلدان السائرة في طريق النمو‭.‬ وقد رأينا مساوئ تجريب تلك الليبرالية في بلداننا، حيث العمالة وافرة، والأجور زهيدة‭.‬ والرابح الوحيد هو النخبة السياسية الحاكمة والدائرون في فلكها من سماسرة ووكلاء‭.‬ والنتيجة أن الديمقراطية الليبرالية التي يراها صديقنا خزعل وسيلة مثلى للحكم، لا تخلق فقط عدم المساواة، وهذا أمر متصل بطبيعة الليبرالية، بل تنشر الفقر والخصاصة بين أوساط المجتمع، حينما تعمد إلى طرد العمال أو نقل مؤسساتها إلى الخارج، لا لشيء إلا لأن أرباحها لم تكن بالحجم الذي تطمح إليه‭.‬ فأي ديمقراطية ليبرالية في مجتمعات لا تنتج شيئا، وتتواكل على الغرب حتى في غذائها؟

ثقافة النخبة وثقافة الناس

مقالة الماجدي هي وحدها التي ظلت لصيقة بالموضوع، فقد كان صاحبها واضحا منذ البداية حين أقرّ بوجود “ثقافة نخبة تختلف عن ثقافة الناس“، ثقافة نخبة متعلمة “تربط المجتمع بعصره وتشعره بما يجري في العالم”، وثقافة شعبية “هي مصدر الإنتاج الفطري‮…‬ الذي يشكل النضج العام الجمعي”‭.‬ ولكنه صار أقل وضوحا عند الحديث عن العلاقة بينهما، فهما مرة متنافرتان، تفصلهما فجوة، ومرة منفصلتان شكليا ومتصلتان وظيفيا، وما الفجوة التي بينهما سوى “فجوة أميبية الحركة لا يمكن رسمها وتحديد مناسيبها”‭.‬ ثم يعود إلى الفجوة فإذا هي هوة، لا يمكن ردمها إلا “بتقدم المجتمع كله وتحضره”، مع الجزم بأن ذلك لن يحدث قريبا “وهو ما لا نتوقع حصوله خلال قرون قادمة”‭.‬ ثم يعود مرة أخرى ليجزم “لا أعتقد أن من صالح المجتمع ردم الهوة‭.‬” أو يصرح أن الثنائية “نخبة‭/‬ناس“ التي تخضع‮…‬ لفصل حاد في ذهن المتلقي‮…‬ “يمكن تفكيكها وتجاوز تعارضها والاعتراف بتواشج قطبيها”‭.‬

مقالة الماجدي هي وحدها التي ظلت لصيقة بالموضوع، فقد كان صاحبها واضحا منذ البداية حين أقرّ بوجود “ثقافة نخبة تختلف عن ثقافة الناس

ليس عيبا أن نقول إن ثمة ثقافة نخبة وثقافة عامة، فعلماء الاجتماع أيضا يعرّفون ثقافة النخبة بكونها ثقافة الطبقات المتعلمة، ولكنهم يعتبرون أن الثقافة لا تنفصل عن الوضع الإنساني، وبالتالي فإن ثقافة النخبة هي ثقافة من بين ثقافات أُخَر، ولو أنها تلعب دورا مهيمنا، لأن “أفكار الطبقة المهيمنة هي أيضا، في كل العصور، الأفكار المهيمنة” كما يقول ماركس‭.‬ وثقافة الناس أو الثقافة الشعبية هي في الغالب إجابة مشتركة لذلك الوضع الإنساني، وميزتها الأساس أنها صادرة عن الأغلبية ومفضَّلة لديها، خلافا لثقافة النخبة التي لا تمس إلا فئةً ميسورة أو متعلمة‭.‬ ولكن العيب أن تتعالى النخبة عن ذلك الرصيد الشعبي الثرّ، فهو معينها الذي لا ينضب، وتراثها الذي لا تكتمل هويتها من دونه، بل قد يكون أكثر عمقا وإنسانية من ثقافة النخبة‭.‬ ولنا في “حكايات ألف ليلة وليلة” خير دليل، فصفوة ذلك الوقت رأت أن الحكايات لا ترقى، من حيث صياغتها ولغتها ومضامينها، إلى مستوى الأدب‭.‬ فهي في رأي ابن النديم مثلا “كتابٌ غَثٌّ باردُ الحديثِ تَلُوكُهُ ألْسِنَةُ العامّة”‭.‬ وفي نظرالتوحيديّ “كتابٌ وُضِعَ فيهِ الباطِلُ وخُلِطَ بالمُحالِ، وَوَصَلَ بِما يُعْجِبُ ويُضْحِك، ولا يَؤُولُ إلى تَحْصيل”‭.‬ ومَرَدّ ذلك إلى النظرة المحافظة إلى التراث التي لا تهتمّ إلا بما كان مدوّنًا في لغة فصيحة، وإلى التنقيص من قيمة الإبداع الشعبيّ وصِدق إلهامه‭.‬

وسدّ الفجوة ممكنة، إذا ما غيرنا نظرتنا إلى العامة، وتعاملنا معها على كونها شرائح تعلم ما لا نعلم في مجالات نشاطها وبيئاتها المدينية والريفية‭.‬ في البلدان الغربية رافق الثورةَ الصناعية خلال القرن التاسع عشر مولدُ ثقافة عمّال، ووفود ثقافات أخرى من العمالة الوافدة من أوطان بعيدة لتمتزج بثقافات البلدان المضيفة وتغنيها‭.‬ وظهرت أنواع من المؤلفات تراعي مستوى كل فئة وتلبّي أفق انتظارها، كرواية العمال، ورواية الأرياف، ورواية المغامرات، والرواية التاريخية، والرواية البوليسية، ورواية الهروب من مكابدات المعيش اليومي‮…‬ وكلها تساهم في تثقيف العامة وردم الفجوة بينها وبين النخبة، فيما ظل إنتاجنا معقدا، باحثا عن التفرد، حكرا على النخبة المتعلمة‭.‬ في حديث له بمجلة “الثقافة العربية” الليبية في أواسط السبعينات، اعترف نجيب محفوظ أنه كان مطلعا على ما بلغته الرواية الغربية، ولكنه اختار التبسيط في بداياته، لعلمه أن الجمهور الذي يتوجه إليه لم يألف بعدُ الأدب الروائي، وقد يعزف عنه لو نهج منهج السرياليين مثلا في ذلك الوقت‭.‬

والحديث عن الثقافة لا يمكن أن يتم بمعزل عن التربية والتعليم، فالنخبوية تعتمد هذين المحورين، والبيداغوجيا قادرة، إذا ما صح العزم السياسي، على أن تتخطى حدود الثقافة المدرسية، وهو ما أشار إليه كل من خالد قطب وخزعل الماجدي‭.‬ فالنهوض بالتعليم شرط أساس لتقليص الفجوة، لأن ثقافة النخبة ضرورية لإنتاج الفكر وتطوير نظرياته، واكتساب المعرفة طريق العامة لفهم آلياته والاستفادة منه في حياتها‭.‬

النخبة وثورات الربيع العربي

صار معلوما اليوم أن الذين خرجوا في ثورات الربيع العربي لم يطلبوا الحكم، كما كتب الجبين، منددا بالنخبة إذ “تركت الشباب الثائر نهبا للمنظومة القمعية، ولم تقدم منارة الهداية”، بل خرجوا مطالبين بالكرامة ومواطنة ينكرها عليهم نظام جائر‭.‬ وإذا كانت أقل عنفا في تونس ومصر، قبل التطورات الأخيرة وظهور عدة تنظيمات إرهابية، فالسبب هو عدول الجيش في البلدين عن قمع المتظاهرين‭.‬ وبعد فشل التجربة الإسلامية عاد الوضع إلى سالف عهده، بل بحريات أقل في مصر، وبأمان أدنى في تونس‭.‬ ولا نحسب، في الظرف الراهن، “أن تكون التجربة المصرية معيارا لإعادة تركيب النظام الإقليمي العربي الذي تهاوى ما بعد حرب العراق 2003″ كما قال أبو دياب، الذي ينصح في طيبة من يتوسم الخير في البشر كافة “من الأفضل أن يكون هناك مواثيق شرف وعهود تحدد الثوابت من أجل عدم الوقوع في شرك الاستبداد بوجوه جديدة” والحال أنه أدرى بتأصل نزعة الاستبداد لدى حكامنا، وما حققته تونس، بوضعها دستورا جديدا توافقت عليه الأحزاب والمؤسسات وهيئات المجتمع المدني، لا ينبغي أن ينسينا أن كل دساتير العرب جيدة، على الورق فقط، أما التطبيق، فمرهون بمشيئة الحاكم الذي لا يرده عن انحرافه قانون، لأنه فوق القانون، وفوق المحاسبة‭.‬ يقول توني نيغري عن الدستور “هو آلة قانونية يراد منها تنظيم عجز الجماهير، حلقة بسيطة في الماكنة الاجتماعية لتقسيم العمل”‭.‬ وما النخبة في وضع كهذا إلا “فبركة وطنية” على رأي إبراهيم الجبين‭.‬

خاتمة

تراوحت المقالات بين الدقة والتعميم، والعمق والتساهل أحيانا، ولكن ما يُحسب لها أنها صيغت في لغة واضحة يفهمها العارف وغير العارف، وهو ما حرصت عليه مجلة “الجديد” في بيانها التأسيسي، إيمانا منها أن غاية الثقافة هي التبادل، فإذا حادت عنها فقدت مبرر وجودها، وتحولت إلى تخصص، يقود حتما إلى تدني ملكة الفهم، ويؤدي في الوقت نفسه إلى تشويه صورة المثقفين.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.