مقدمات‭ ‬أولية‭ ‬نحو‭ ‬بناء‭ ‬مشروع‭ ‬ثقافي‭ ‬عربي

مقدمات‭ ‬أولية‭ ‬نحو‭ ‬بناء‭ ‬مشروع‭ ‬ثقافي‭ ‬عربي

الأربعاء 2015/04/01

في اعتقادي أن هذه المبادرة تنضم إلى عدد من رؤوس أقلام مشاريع فكرية وثقافية مطروحة في الساحة الثقافية والفكرية العربية منذ ما يقرب من قرن من الزمان ولكنّها بقيت مجمدة في الأرشيف، ومطبوعة في الوقت نفسه بطابع الجهدي الفردي الذي لم يتطور إلى عمل جماعي من جهة، وإلى سياسات ثقافية وطنية موحّدة في إطار المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم التابعة للجامعة العربية‭.‬

لا شك أن هناك أكثر من مساهمة قامت بمراجعة السجل الثقافي العربي وبتحليل المشكلات الكبرى والمحورية التي عطّلت ولا تزال تعطل بناء هذا المشروع الثقافي وتنفيذه في الواقع‭.‬ في هذا الاطار بالذات يمكننا أن نتفق مع الدارس والناقد السوري طيب تيزيني أن “طرح مشكلة وحدة الفكر العربي المعاصر من الأمور المعقدة حتى الحد الأقصى، ومبعث التعقيد هذا هو أن تجزئة الوطن العربي جغرافيا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ما تزال تنطوي على جذور عميقة في واقع هذا الوطن”‭.‬ إن هذا التعقيد يبدو واضحا في انفصام عرى الوحدة بين الفكر والثقافة وبين السياسات العربية المتشظية التي تتعارض أساسا مع إقامة كتلة نوعية بينهما بما يخدم النهوض الحضاري‭.‬

قبل مناقشة بعض المشكلات التي تعترض المشروع الثقافي العربي، وقبل الإشارة السريعة إلى عينات من التجارب والمقترحات لتكوين الوحدات الثقافية في أوروبا، وأميركا والصين، أرى أنه من الضروري التذكير بسرعة بعدد من المساهمات التي حاولت أن تقدم التحليل النقدي للبنى الثقافية العربية كما هي في تراثنا وفي السجل الرمزي المعاصر لدينا، إلى جانب تحليل المشكلات الناجمة عن عدم إجراء المثاقفة الجادة والمستمرة مع ثقافات الجوار العربي، ومع ثقافات الاثنيات بداخل فضائنا الجغرافي وكذلك مع السجل الثقافي والفكري وتجلياته في الحياة اليومية لشعوب المعمورة وخاصة في المواقع التي تسود فيها الثقافة العليا المتطورة وتطبيقاها وكذلك الثقافة الشعبية المتقدمة بعد تحديثها وإخراجها من أنفاق الخرافة، وأشكال الفلكلور المبتذل، والذهنية الاسطورية وهلمَ جرا‭.‬

أشير هنا بسرعة أيضا إلى عقبات ونقائص لافتة للانتباه وتتمثل في أن أغلب المساهمات العربية التي ساهم بها عدد من دارسي الثقافات الوطنية، والمفكرون المنشغلون بالتراث الثقافي العربي‭/‬الاسلامي في تقديم بذور التصور للمشاريع الثقافية العربية يسيطر عليها إما التمركز الوطني، أو التمركز المشرقي الذي يعتبر نفسه المرجعية الأصل للفروع أو للأطراف بلغة المفكر سمير أمين، أو المغاربي في قليل من الأحيان ونادرا غالبا‭.‬ وفي هذا السياق فإننا نجد بعض هذه المشاريع موسومة بالأيديولوجية القومية العربية، أو الماركسية ذات الطابع الكوني، أو الليبرالي ذي الطابع الرأسمالي العالمي أيضا، أو الإثنية المنغلقة على نفسها في إطار ما أدعوه بالتمركز الإثني كردّ فعل دفاعي عن الذات الثقافية المهملة حينا والمتنكر لها حينا آخر‭.‬

إضافة إلى ما تقدم فإن ثمة مشاريع للثقافة العربية ينظَر لها في إطار العالم الثالث، أو في إطار الكونية الاسلامية، أو في إطار النسب العرقي، أو الطائفي الديني، أو في فضاء الكومنولث الإسلامي الواسع والرومانسي كما نجد ذلك في أطروحات المفكر الجزائري مالك بن نبي‭.‬ لا شك أن عنقود هذه المشاريع الثقافية تحتاج كل واحدة منها إلى دراسات خاصة لغربلتها والوقوف عند نقاط القوة أو الضعف فيها ويدخل هذا في اعتقادي في منظور الشروع في بناء التصور المتكامل للمشروع الثقافي الوحدوي بكل تنوعاته، وأسسه وروافعه التاريخية على طريق إبداع مخطط ثقافي قابل للحياة والتطبيق‭.‬ لا بد هنا من الإشارة المقتضبة إلى المواثيق الثقافية العربية التي خصصت مكانا للمشاريع الثقافية التي تتميز غالبا بالتمركز القطري المحلي والتي تبقى دائما ضحية للخيارات السياسية الوطنية من جهة، وللتغيير أو للإلغاء بمجرد تغير الحكام في سدة الحكم من جهة أخرى‭.‬

في هكذا مناخ نجد أنفسنا أمام فسيفساء من بذور التصورات لشبه مشاريع ثقافية فردية، أو شللية، أو حكومية لا تستقر، وهي مجتمعة لا تفعَل، ولا ينتقل بها إلى صيغة تكاملية حتى داخل الوطن الواحد في الغالب‭.‬ أعتقد أن ثمة مشروعية في مقترح الشاعر نوري الجراح حيث هناك إمكانية لبناء هذا المشروع الثقافي الذي يحمل نعت “العربي” مؤقتا شرط أن يكون مؤسسا على الأرضية الديمقراطية والتنوعات الثقافية واللغوية التي هي الشرط الأساسي الذي يبدو إشكاليا ومحفوفا بالعراقيل حقَا حتى الآن في هذا الوضع العربي الدكتاتوري والمحكوم بميراث الحاكم الواحد المستبد على مستوى الهرم الأعلى للسلطة العليا، وببراديغمات ‭(‬ Paradigms‭)‬ السلطة السفلى منها للأصولية الإسلامية، والأصولية العلموية، وقيم العشيرة، أو الطائفة، أو القبيلة، وببنيات المشاعر الانعزالية ‭(‬Structures of feelings‭)‬ إذا صح لي استخدام هذا المصطلح الذي كرّسه الناقد الثقافي البريطاني ريموند وليامز في تحليلاته النقدية للفيلم وتقاليد الدراما البريطانية والذي هو في الواقع مصطلح متطابق في الدلالة مع مصطلح “الإبستيمي” الذي نظّر له ميشال فوكو في سلسلة من دراساته التي رصد فيها نمط الفكر السائد في مرحلة تاريخية واجتماعية معينة ومحددة في الثقافة الفرنسية والأوروبية‭.‬
عندما أقول بأن ثمة إمكانية لوضع تصور حقيقي للمشروع الثقافي الرابط بين بلداننا فذلك لأن هناك تجارب تاريخية ناجحة في السياق أو النموذج الأوروبي‭/‬الغربي على المستوى القارّي أو الأطلسي، وفي النموذج الصيني متعدد القوميات في الوقت الراهن وبعد تجاوز مطبات الثورة الثقافية الصينية‭.‬ في السياق الأوروبي، مثلا، هناك المشروع الذي تقدم به الشاعر المفكر ت‭.‬ س ‭.‬ إليوت في كتابه “ملاحظات حول تعريف الثقافة– 1948 م” الذي خصص فيه فصلا كاملا في صورة محاضرة بعنوان “وحدة الثقافة الأوروبية”‭.‬
لقد كانت هذه المحاضرة في تأويلي الخاص ردّا فكريا مناهضا للتمزقات والحروب التي كسرت ظهر وقفا أوروبا ودعوة لتلحيم الجروح وتجاوز الوطنيات الانعزالية إلى أفق الوحدة الثقافية التي تؤطر التنوعات المختلفة والتعامل معها كعناصر لبناء تركيبة تمثل تنوع التجارب التاريخية والحضارية وبهذا الخصوص كتب إليوت “من الضروري أن نستوضح ما نعنيه بكلمة ‘الثقافة’ حتى نستوضح الفرق بين التنظيم المادي لأوروبا، والكيان الروحي لأوروبا‭.‬

لو مات هذا الكيان لما بقيت أوروبا، بل تحولت إلى مجرد كتلة من البشر تتكلَم عدة لغات مختلفة، ولما بقي ثمة مسوغ لأن يستمروا في التكلم بلغات مختلفة لأنهم لن يجدوا بعد شيئا يقال إلاَ ويمكن قوله بنفس الإجادة بأيّ لغة، أو باختصار لن يبقى لديهم شيء يقولونه في الشعر‭.‬ وقد أكدت من قبل أنه لا يمكن أن توجد ثقافة أوروبية إذا انعزلت أقطارها المختلفة عن بعضها البعض، وأضيف الآن أنه لا يمكن أن توجد ثقافة أوروبية إذا طبعت هذه الاقطار بطابع واحد‭.‬ فنحن نحتاج إلى تنوع داخل الوحدة‭..‬”‭.‬

هذا هو تصور إليوت لوحدة الثقافة الأوروبية الذي نختلف معه في مسألة مركزية وهي كونه ينظر إلى أساسها في الدين المسيحي لأن المسيحية ليست أساسا للثقافة الأوروبية فقط وإنما هناك مجتمعات أخرى تدين بهذه الديانة وتستمد منها بعض أعرافها وطقوس حياتها وقيمها‭.‬ أما في الوقت الراهن فإننا نجد صموئيل هنتنغتون يوسع دائرة الانتماء الثقافي حيث يضع فيها أوروبا وأميركا على نحو خاص جدا وذلك في كتابيه “صدام الحضارات” و”من نحن” مع العلم أن أطروحة هذا المفكر الأميركي الاستراتيجي يطابق الهوية الثقافية بالعرق حينا، والدين المشترك حينا آخر، وبطبيعة الصراعات على النفوذ والقطبية العالمية حينا آخر وهو ما جعله لا يدرك علاقة الهوية بالتحول في التاريخ، وعلاقتها أيضا بالهجنة التي أصبحت تسم مجتمعات العالم بميسمها بنسب مختلفة طبعا‭.‬

في الإطار الأوروبي دائما فقد استوقفني الفيلسوف الألماني المعاصر لنا يورغن هابرماس وخاصة في كتابه “التحول البنيوي للمجال العام” الذي يدرس فيه نمطا ثقافيا ليبراليا برجوازيا انبثق في أوروبا في المرحلة الحديثة المبكرة‭.‬ في هذا الكتاب درس هابرماس “كتابات المنظرين السياسيين والمؤسسات والأشكال الاجتماعية التي تحقق وأنجز في رحمها المجال العام”، أي ثقافة المجال العام البرجوازي المشتركة ومؤسساتها في أوروبا القرن السابع عشر‭.‬
لا أدعو طبعا إلى تقليد أو استعادة هذا النمط من المجال العام البرجوازي كركيزة ثقافية تصوغ النفسية في مجالنا العام الثقافي ومؤسساته وضوابطه وساحات تفاعلاته الذي نأمل أن يبنى في فضائنا الممتد من المحيط إلى الخليج، بل فإنني ألح على أهمية استيعاب آليات هذه التجربة، ومفهومها ولعل ذلك يساعدنا لاكتشاف آلياتنا ومفهومنا من أجل صنع مشروع المجال العام الثقافي الخاص بنا‭.‬

هناك نموذج آخر، ضمن نماذج أخرى من الصعب تأملها وفحصها ودراستها بالتفصيل في مقالة واحدة، وهو نموذج الصين الشعبية الدولة الوطنية التي لم تستكمل بعد سيادتها الجغرافية الكاملة والتي يبلغ عدد القوميات فيها 55 قومية ذات لغات وقيم وانتماءات روحية‭/‬دينية متنوعة‭.‬ في كتابه المهم “الصينيون المعاصرون‭:‬ التقدم إلى المستقبل انطلاقا من الماضي” يقترح الناقد الثقافي الصيني البارز وو بن رؤية منهجية للمشروع الصيني الثقافي للبحث عن القواسم الثقافية المشتركة للمواطنين والمواطنات الصينيين والصينيات في النقاط التالية وهي‭:‬ الأحوال النفسية، وعقيدة المعاني والمفاهيم الثقافية، ووجهة النظر إلى القيم، والفكر الأخلاقي، وأسلوب التفكير، والشخصية‭.‬ بعد تقديمه لهذه المنهجية فإنه يقترح أيضا ما يدعوه بنظام المراجعة لدراسة الصينيين فيقسمه إلى هذه النقاط‭:‬ 1- الصينيون التقليديون، الإنسان العصري في الصين، 3- الأجانب، وهنا يدعو إلى دراسة معمقة للتكوين الثقافي والقيمي والروحي لكل فئة من هذه الفئات من أجل سبر الأبنية الثقافية التي تنتمي إليها وتعبر على أساسها كل واحدة منها باعتبار تلك الأبنية المشتركة ناظما ثقافيا ونفسيا للهوية‭.‬ في هذا الكتاب يلح الناقد وو بن على أن سنوات الثورة الثقافية قد كبتت الصين وأبعدتها عن الانفتاح على الثقافات العالمية وخاصة المتطورة منها وكانت هذه التجربة السلبية عبئا ثقيلا وحائطا حال دون تمثل تلك الثقافات والنهل من نقاط قوتها الابداعية‭.‬

على ضوء ما تقدم يبدو لي أن الانطلاق في وضع اللبنات للتصور الخاص بالمشروع الثقافي الجماعي لبلداننا ينبغي أن يستلهم روح منظور ومنهجية هذه التجارب المذكورة وليس استنساخ مضامينها الخاصة بها والمميزة لها.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.