اللامكان ليس إلا مكانا تواطأوا على إخفائه

اللامكان ليس إلا مكانا تواطأوا على إخفائه

الجمعة 2016/01/01
لوحة: صفوان داحول

اللامكان الذي فهمته من التجربة ومن التلميحات التي خاض بها العظمة في إشاراته السياسية القصيرة جدا، ليس إلا مكاناً معروفاً جيداً لنا ومدرك المعالم ولكن التواطؤ العام أراد له أن يبقى طي الكتمان، وبالعودة قليلا إلى الواقعين الاقتصادي والاجتماعي في المناطق التي تسيطر عليها اليوم التنظيمات المتطرفة، وبالذات الجزيرة السورية، أي الرقة ودير الزور، فسنجد بالأرقام أن هاتين المحافظتين الأغنى في سوريا لكونهما السلة الغذائية والنفطية والموارد البشرية وفي الأخيرة تكمن الكارثة، فبيئة أكثر من 70 بالمئة من أبنائها شباب ويتركون بلا تعليم، والمؤشرات تظهر 114 نقطة سكانية في دير الزور تتراوح الأمية فيها بين 25 و99 بالمئة، من أصل 131 نقطة سكانية هي كل المحافظة.

والدهشة تكتمل بمعدلات الأمية في الرقة وبالذات في الفئة العمرية فوق 15 سنة، فنجد أن 394 نقطة سكانية من أصل 422 نقطة تتراوح نسبة الأمية فيها ما بين 25 و100 بالمئة، وفي الرقة ست نقاط سكانية كان الفقر فيها 100 بالمئة والنسبة العامة للفقر تصل إلى أكثر من 60 بالمئة وهذا الحال قريب جدا إلى دير الزور، وهذه الأرقام من دراسة أشرفت عليها مؤسسات دولية بالتعاون مع القصر الرئاسي السوري.

وهذه الدراسة نفسها تؤكد ترك تلك الجغرافية بلا تنمية ولا حتى فرصة التعبير عن الرأي وبهذه كغيرهم من أبناء سوريا، فكيف لهم أن يستقبلوا تنظيم الدولة أو غيره من التنظيمات التي جاءت من اللامكان المشترك بينهم؟ اللامكان هنا ما أفهمه يوم كنت يافعاً، ولم أجد لا برواية أبي ولا أمي ولا معلمي عن الخلق فهما لسبب وجودي، فخرجت من عالمهم إلى مكان لا أدركه كليا وإلى اليوم لم تكتمل معالمه، مكان بحثت فيه عن أمثالي ورفاق دربي ووجدت القليل منهم ومازالت قرون استشعاري فعالة وتبحث عن المزيد من الرفقة الممكنة، اللامكان لشاب من جيل الثمانينات هو كل شيء وكل الخلاص، كيف له وهو اللاديني أن ينادي من شرفات سجن صيدنايا “الله مولانا ولا مولى لكم” ليستفز عناصر الجيش السوري والمخابرات التي كانت تسعى عام 2008 لحل أزمة الاستعصاء في تلك البقعة الجغرافية من اللامكان، ذاك السجن الذي نسيه السوريون بغالبهم كما نسوا يوما تدمر والمزة وغيرها الكثير من الفروع، ربما خوفا وربما تواطؤا مع السفاح، كيف لمن دخل تلك الدهاليز أن يخرج اليوم ليقول بأنه ينتمي إلى هذا المكان أو ذاك؟ إلى هذا المجتمع أو ذاك؟ فنحن لا نشبههم ولا نعرف كنههم ولا ندرك ألمهم، فإن استحالوا متطرفين لا يمكن لنا لومهم فقط ورمي كل الخطايا على أكتافهم.

لكم أودّ يا سيدي الكريم أن أخبرك وكل من حمل معك ثقل عالمنا وبحث عن حلول نظرية وفكرية لما نحن فيه، لكم أودّ أن أقول، بأنكم تشاركون بالخطيئة يا سيدي، نحن لسنا إلا أبناء فترات مشوهة من تاريخ هذا المكان، كيف لنا أن نقبل فكرة بأن الطفل الصغير في بلاد تبعد عنا أربع ساعات بالطائرة، يحظى بكل الاهتمام والعناية والتعليم اللازم وأن له أبوين طيبين يعطونه كل الوقت اللازم ليكون جزءا من حياتهم، ومعلمٌ يدرك بأنه مستقبل بلاده لذا يعطيه من روحه، كيف لنا أن نراه اليوم عبر العالم الصغير الذي خلقته ثورة الاتصالات ونبقى بعالمنا المكاني هذا؟ كيف لنا ألا ننتفض أقلها على المستوى النفسي والداخلي ونرمي بكل ما يقال من فكر وفلسفة تحاول أن تعالج ما تظنون أنه مصابنا؟ وأنتم بكثير من الأحيان تقفون بعيدا عن جغرافيا أنفسنا وتُنظّرون عنها وحولها. اليوم يا سادة نحتاج إلى مفكر يدخل عقولنا وعقول أولئك اللامكانيين ويفهم لماذا وكيف حصل كل هذا؟ فاليقين اليوم يؤكد أن الإنسان كائن يحب الحياة، كيف استحال إلى انتحاري يقتل ليُقتل؟ وتسأله لماذا فيقول لك هي الشهادة؟ هذا طريق الله، والسبيل الأقرب إليه، كيف استحال هكذا وكيف نسترده؟

الحقيقة أني ربما أجد فرصة طيبة لأقول كل ما يخطر بذهني وأذهان العشرات من جيلي، بعض الشبان الذين يبذلون إلى اليوم جهدا كبيرا وأنا معهم، لنحافظ على القليل من العقل في عالم اللاعقل الذي نحياه، كي لا نكون بيئة غير ممانعة وفي بعض الأحيان متواطئة مع داعش على سبيل المثال لا الحصر، وأن نبقى قادرين على العمل والكتابة وتحليل وتفنيد شعار “الإسلام هو الحل” والوقوف أمام جماعات الإخوان المسلمين قبل غيرهم، لكونهم بيئة حاضنة للتطرف من خلال سعيهم وشغلهم الدائم على عملية تسييس الإسلام وخلق حالة من الأحقية في الحكم والسلطة للمسلم لكونه مسلما فقط، ومن ثم أحقية الحكم للإخواني فقط، وهكذا حتى وصلنا إلى الداعشي صاحب الحق في الموت والحياة وليس الحكم السياسي فقط، وباتت كلمة مسلم بل بات اسمي ذو الطبيعة الإسلامية يمثل رعبا للغرب وبات هو هويتي قبلت أم رفضت فأنا اليوم أصنّف مسلما وربما متطرفا حتى أثبت العكس، حالة الاتهام هذه لا يمكن أن تبقى إلى الأبد، فإما أن أقبل التهمة وأتماها فيها وأخوض في لامكان مشترك مع من أنسب إليهم خطأ، أو أحافظ على مقاومتي وصبري، وهذا الأخير يستمد طاقته من الفكر النظيف ومقدرة أمثال العظمة وغيره من المفكرين والكتاب على تحليل المواقف وشرحها وخلق البدائل.

فكرة اللامكان بمثابة البوابة لفهم الهبوط الكابوسي للتنظيم العالمي اليوم والذي أحال أحلام الكوكب مجازر متتالية وصورا دموية كارثية، ولكن اللامكان لا بد من ربطه بالمكان الأصيل

البدائل هنا، لا أقصد بها طبعا دينا جديدا أو فكرا أيديولوجيا يصل بنا إلى تجربة شبيهة بالماركسية الدينية، ولكن البديل هنا أن نملك أو نطرح بوابات الحل لا أن نقف أمامها عاجزين فإن أنتم يا سيدي كنتم تشيرون إلى المشكلة فقط دون طرح الحلول غير الحلول الإقصائية التي وافقت عليها أنت يوماً بحق الإسلاميين ولو بطريقة غير مباشرة، فاليوم مثلا نعاني كارثة داخل المجتمع السوري اللاجئ في تركيا حيث تنتشر المدارس الدينية بنسبة 99 بالمئة والتي تديرها جماعات الإخوان والمقرّبة منها، ولكن الحقيقة أن لا بديل حقيقيا لهذه المدارس، كيف للحركة المدنية السورية التي ما زالت ترفض العمل الميداني بشكل مباشر وتحافظ على مقعدها التنظيري في ذاك القصر العاجي البعيد، أن تأتي بعد أعوام وتقول “تبا للإسلاميين” فقد خربوا المجتمع السوري من خلال التربية الإسلامية المتطرفة وخلقوا من الأطفال السوريين بيئة خصبة للتنظيمات المتطرفة.

أحاول ككل مرة أطّلع فيها على حزمة أفكار تعجبني وتثير خيالي، على حكها بالواقع والأرض ومنها أعيد فهم تلك الحزمة أو تركها لعدم قدرتها على إدراك الواقع بصورة كلية، أو استخدام أجزاء منها ومن غيرها لإعادة بناء صورة كاملة لبنية الواقع ومتعلقاته تُعين على هضمه بهدف تفكيكه لاحقا، ومن هنا كانت فكرة اللامكان بمثابة البوابة لفهم الهبوط الكابوسي للتنظيم العالمي اليوم والذي أحال أحلام الكوكب مجازر متتالية وصورا دموية كارثية، ولكن اللامكان لا بد من ربطه بالمكان الأصيل، وهنا أخالف قليلا فكرة بأن “ما حدث في شرق سوريا في الأشهر الأخيرة كان تماما غير متوقع ومن غير المرجح على الإطلاق: هكذا، فقد أصبح غير المحتمل وما كان عصيّاً على التصور، من يوم إلى آخر، أمراً واقعاً”.

بالطبع تصور داعش على حالها اليوم كان غير وارد حتى بذهن أكثر مخرجي أفلام الرعب خيالاً، ولكن عدم التنبؤ بها أي عدم المقدرة على استشراف فكرة نمو التطرف بهذه المنطقة وبكل الشرق عموماً، فهنا يمكن القول بأن هذه الفكرة قاصرة قليلاً وغير ملمّة بالحقائق بشكل كامل، والإشارة إلى أن داعش مجرد عمل مخابراتي حيك في اللامكان ومن ثمة سقط بالمظلات غير دقيق كلياً، وأن المجتمع بيئة لا تمانع فيه ظلم للمجتمع نفسه، فالمجتمع قاوم قليلا ولكنه هو ابن ذاك اللامكان ومستعد للتماهي معه في حال توافق مع بعض التفاصيل الصغيرة بنفسه، بأن يعطيه بعض السلطة وبعض المقدرة على إثبات الذات، وهذا ما أشار له العظمة في الحديث عن العشائر العائدة إلى الحياة.

ونبقى في الواقع قليلا، مع تحليل تجربة الجنود الأطفال، فخلال عملي على فيلم وثائقي بهذا السياق، أخبرني أحد الخبراء النفسيين بأن فكرة التجنيد لليافعين سهلة لدرجة أن التنظيمات هذه لا تحتاج لمن يستقطب هؤلاء الأطفال بشكل منظم، بل هم من ينجذبون لهذه التنظيمات، بل ويتماهون فيها لحد الهوس، وهذا الحال لا يتعلق بالعقيدة التي تتبناها تلك التنظيمات بقدر ما هي مسألة نفسية بحتة، أي الرغبة بالامتلاء، وربما أكون ظالماً ولكن ببعض الجزئيات فالمجتمع الإسلامي اليوم يعاني من عقدة الضآلة والتقزم ويبحث عن الامتلاء كهؤلاء الأطفال، فمن يقدر على خلق المادة القادرة على التسرب إلى النفوس وغمرها يملك المجتمع.

“الحاصل أن أي تفكير في مستقبل سوريا ينبغي أن ينطلق من هذه المعطيات وليس من وهم الاستمرار في عمليات سياسية فقدت أسسها البنيوية والديمغرافية” وهذا لا يعني قبول التصنيف غير المباشر بأن كل الفصائل المسلحة بسوريا اليوم هي فصائل متطرفة وجهادية مدعومة من قبل تركيا والخليج، وبأن النظام ومن معه يعملون وفق منظومة غير جهادية على أقل تقدير، والحقيقية أن النظام ومن معه جهاديون أكثر من داعش نفسه وهم اليوم يمثلون الطرف الخصم المباشر عقائدياً وإن لم يقتتلوا بشكل مباشر إلى اليوم إلا ما ندر، ويتفرّغ بل يتعاون النظام مع داعش لقصف مواقع ونقاط تلك الفصائل التي أطلق عليها العظمة اسم الجهادية فهل يتفق داعش والنظام على مدنية الدولة، والأخير يحيل المجتمع الدمشقي ومحيطه إلى مجتمع الإمام الفقيه والأول أي داعش يحيل الرقة ودير الزور وغيرها من أراضي العراق إلى أرض الإرهاب السني بحجة مجابهة الإرهاب الشيعي المقابل.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.