كنت يوما كاتبا للأطفال

تجربتي في مجلة "مجلتي" العراقية

الجديد  فاروق يوسف [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(104)]

ليس من اليسير على المرء أن يحذف عشرين سنة من حياته. فكيف إذا كانت تلك السنوات مكتظة بالأشعار والقصص المحلّقة كلماتها بأجنحة ملائكة تنطق أفواهها ونظراتها ببراءة الخلق وعبقرية شغبه؟

حين عملت في مجلة مجلتي الموجهة إلى الأطفال عام 1979 كان قد مضى على صدور أول أعدادها عشر سنوات. لم التق يومها من أفراد الجيل المؤسس إلا عددا قليلا كان في مقدمتهم جعفر صادق محمد وطالب مكي وشفيق مهدي وعبدالرحيم ياسر ومؤيّد نعمة.

لم يكن في نيتي أن أكون كاتبا للأطفال. كانت قوة الشعر هي التي حررتني من خوفي ودفعتني إلى خوض غمار تلك التجربة. المفاجأة السارة التي غمرتني بها تجربة العمل لعشرين سنة في ذلك المجال النضر تكمن في مفارقة غريبة. في مقابل كتاب شعري صغير واحد، صدر لي أكثر من ثلاثين كتابا قصصيا.

لقد اهتديت يومها إلى ذلك الطفل المولع بتلفيق الحكايات والذي يقيم في أعماقي وكان قلق الشعر قد أخفاه بتضاريس غموضه الوعرة.

لقد كتبت المئات من الحكايات التي يُخيّل إليّ اليوم أن كتابتها كانت أعظم مكافأة قدمها الشعر لي في مكان آخر. وهو ما يفعله الشعر دائما حين يكون في إمكاننا أن ننصت إلى وقع خطواته غير المرئية.

حين التفت الآن إلى تلك السنوات أضع يدي على عيني من أجل أن أنعم أكثر بخيال ذلك الحلم الذي لا أصدق أنني عشته واقعيا.

مختبر بهوامش مفتوحة

كانت مجلة مجلتي أشبه بمختبر هائل لعاطفة من طراز نادر، مادتها اللغة في مختلف تجلياتها. وهنا بالضبط يكمن الفرق بينها وبين المجلات الموجهة إلى الأطفال التي سبقتها عربيا وبالأخص “سمير” المصرية. كان العاملون الأوائل في تلك المجلة من الشعراء. وهو ما صنع تقليدا متحررا من الوصفات الجاهزة في مجال الكتابة للأطفال.

لم أرتطم بوصاية من نوع ما. لقد احتضنني جعفر صادق محمد وهو كاتب قصصي فاجأته كتاباتي القصصية الأولى فاعتبرها فتحا يمهّد لقيام نمط جديد من الكتابة، كانت المجلة تتسع له بسبب عشر سنوات من العمل على تكريس الحرية باعتبارها مبدأ للكتابة بما ينسجم مع أصول العمل في ذلك المختبر التجريبي.

كان هناك دائما هامش مفتوح للإضافة. وهو ما فتح الباب على المزيد من التجريب لم تعرفه صحافة الأطفال في العالم العربي من قبل. في حينها مثلت دار الفتى العربي التحدي الوحيد الذي واجهه كتاب ورسّامو مجلتي كما كان مصدر إلهام. كان الطابع الفني الحديث لمنشورات تلك الدار والذي يقف وراءه فنان عملاق هو المصري محي الدين اللباد هو جوهر ذلك التحدي. وهنا ينبغي الاعتراف بأن ما من فنان عربي شكل وجوده عقبة في طريق رسامي المجلة سوى اللباد الذي كان تجاوزه أشبه بالمعجزة. ومع ذلك فإن تقليده كان محدودا. ذلك لأن هامش التجريب المفتوح سمح للرسامين باختراع أساليب شخصية شكلت من خلال جدلها المستمر مدرسة متميزة في الرسم للأطفال.

لغة الصورة

وإذا ما عدت إلى تلك الأساليب فلابد أن أؤكد أن العمل في صحافة الأطفال يعتمد على الصورة. لذلك كان الرسامون هم رافعة الاختلاف الذي تميزت به مجلتي. لذلك فإن أي إشارة إلى ما انطوت عليه مجلتي من محاولة لتحديث الخطاب الموجه إلى الأطفال العرب لابد أن تبدأ بهم. في مرحلة سابقة لانضمامي إلى فريق العمل كان هناك من الرسامين فيصل لعيبي وصلاح جياد. وهي مرحلة كان الشاعر والروائي المعروف فاضل العزاوي هو الآخر يعمل في المجلة وقد كتب عددا من قصصها المصورة.

عام 1979 وجدت في مجلّة مجلتي فريقا من الرسامين، كل واحد من أفراده يعمل في كوكبه الخاص، وكانت مهمة فريق التحرير أن يخلق انسجاما في الإخراج بما لا يؤدي إلى تصادم تلك الكواكب في ما بينها. كان هناك من الرسامين طالب مكي وعبدالرحيم ياسر ومؤيد نعمة وعلي المندلاوي وعمار سلمان وعبدالحسين محمود ورضا حسن ومنصور البكري وضياء الحجار ولكل واحد منهم مزاجه الخاص الذي لا يخلو من عناصر غامضة.

حين انضممت إلى فريق التحرير الذي كان جعفر صادق محمد يقوده بحنكة وصبر مثالين فهمت أن كل شيء في عملنا يعتمد على الصورة. وهو ما جعلني أشعر بالاطمئنان أكثر من جهة عثوري على البيئة التي تناسب شغفي بالفنون التشكيلية التي درستها أكاديميا وكنت أهيّئ نفسي للعب دور الناقد الفني.

أما حين اضطلعت بعد سنوات بمهمة رئاسة تحرير المجلة فقد حاولت أن أستعيد الرسام ــ الكاتب على غرار اللباد. وقد أعانني في ذلك الرسّامان نديم محسن وسامر أسامة والرسامة لمياء عبدالصاحب التي تعد واحدة من أكثر رسامي الأطفال رقة وخفة في العالم العربي.

سلالة رسّامين

بين تولوز لوتريك وموديلياني كان عبدالحسين محمود القادم من الديوانية ضائعا وهو يبحث عن حكايات شعرية لصاحبته فيفي التي يزخرف جمالها الغلاف الأخير.

الشيوعي بطبعه مؤيّد نعمة كان رسام كاريكتير عظيما غير أنه كان في الوقت نفسه يبحث عن براءة وجدها في الرسم للأطفال. وهو ما ساعده على التعرف على جزء غاطس من وجوده.

منصور البكري الذي عمل صغيرا في المجلة لم يبق لديه وهو الذي يقيم في برلين منذ أكثر من ثلاثين سنة سوى مهارته في رسم الصور الساخرة.

أما طالب مكي وهو الذي كان عاجزا عن القراءة بسبب صممه فقد كان يرسم قصصا مصورة بطريقة أكاديمية فريدة من نوعها.

علي المندلاوي كان عذبا ورقيقا في رسومه مثل طفل. أما عبدالرحيم ياسر فقد كانت رسومه المتقنة في انطباعيتها ملحقة بأسئلته الوجودية عن الحياة. بل ينافس شغفه بالإتقان سوى شغفه الفوضوي بالشعر.

وكما أرى فإن ضياء الحجار بهاجسه الشعبي وكان قد خطط أن يكون خليفة لرسام الكاريكتير غازي كان ضروريا من أجل أن يكتمل المشهد.

حين رسم عمار سلمان رواية “الأمير الصغير” لأنطوان دي سانت أكزوبيري التي أعدها صلاح محمد علي فإنه نجح في إكمال مشروعه التجريبي في الرسم للأطفال.

وحده نبيل يعقوب مَن جمع بين التجريب والتقليد ليصل إلى أسلوب شخصي غاية في البساطة غير أنه يظل محافظا على رفعته.

حين أتذكر رضا حسن أفكر بمصير فتفت وميكانو. كانت أخته ندوة حسن قد اخترعت الشخصيتين اللتين شكلتا إضافة نوعية إلى قائمة الشخصيات الخيالية التي غمرت الحياة العراقية بمغامراتها.

كنت كاتبا للأطفال

أيقظتني تلك الذكريات من نوم طويل. “حدثني العصفور” هو عنوان آخر كتبي (صدر قبل ربع قرن) وهو كتاب ضم العشرات من قصصي التي اختارها صديقي الكاتب شفيق مهدي ووصفها بأنها القصص التي تمنى لو أنه كان كاتبها. حين نشرت دار الحدائق اللبنانية عددا من كتبي القصصية الموجهة إلى الأطفال شعرت بأنني قلت كل شيء كان في إمكاني أن أقوله في ذلك المجال.

بعد سنوات حاولت العودة إلى الكتابة للأطفال بناء على دعوة إحدى دور النشر غير أني فشلت. لقد غادرني إلهام الطفولة. لم أعد طفلا. عرفت حينها كم هي صعبة الكتابة للطفل.

أتذكر بطريقة غامضة أني كنت يوما كاتبا للأطفال. عشرون سنة من الكتابة مرت على عجل بما يكفي لنسيانها.


شاعر من العراق مقيم في لندن