لن أموت قبل أن أحقق حلمي

الجديد  حميد سليمان [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(10)]

من أعمال حميد سليمان
عام 2012 توجهت إلى فرنسا للإقامة هناك، وقد اخترت فرنسا لسبب أساسي واحد، كونها أحد أهم مراكز الفن التاسع في العالم. منذ صغري كنت مهووسا بأفلام الكارتون، وقد اتخذت قرارا واضحا، بأن أًصبح فنان كارتون حينما أكبر، مع تقدمي بالعمر علمت أن هذا الكرتون الذي لطالما أحببت لا ينتج في بلدي سوريا، وإنتاجه قليل جدا في كل أنحاء الوطن العربي، و ليس من الممكن إنتاج فيلم كرتوني بمفردي، وهذا ما شكل صدمة لي.
ولكن اكتشافا آخر أنقذني، و ذلك عندما علمت أن معظم أفلام الكرتون التي أحببتها، كانت قد أثبتت نجاحها ككتب قصص مصورة، قبل أن تصبح فيلم كرتون، وهنا أصبح مخطط حياتي أوضح، أردت أن أقتحم عالم الفن التاسع، وأن أقوم بنشر قصة مصورة، ولكنني اصطدمت بالواقع مرة أخرى، عندما علمت أنه لا يوجد ناشرو قصص مصورة في سوريا والأمر مشابه في العالم العربي، حينها انتهى بي الأمر بدراسة الهندسة المعماريّة، وبقي حلم الفن التاسع صعب المنال.
حينما كنت في سن العشرين وأثناء دراستي للهندسة المعمارية، تابعت فيلم سترابي وقرأت كل كتاب أنجزته، عندها قلت لنفسي فلتذهب الهندسة المعمارية إلى الجحيم، سأركز على تعلم الفن التاسع لوحدي، لأذهب إلى فرنسا و أكون أول كاتب سوري، وربما عربي يقوم بنشر رواية مصورة، وسألقنهم درسا بالفن التاسع.

حينما بلغت سن الخامسة والعشرين كنت على اطلاع واسع بعالم الفن التاسع، بما في ذلك التجربة العربية التي كانت معتمدة على جهود فردية لبعض قصص الأطفال ومجلات متنوعة كمجلة ماجد ومجلة أسامة وكان الاسم السوري الأكثر نشاطا الفنان ممتاز البحرة.

عندما بدأت الثورة في سوريا، تعرضت في الأشهر الأولى للاعتقال، وفي اليوم الثاني في الزنزانة، قلت لنفسي إني يمكن أن أموت في هذا السجن قبل أن أحقق حلمي بنشر رواية مصورة، وقطعت على نفسي عهدا بأن أبدأ بإنجاز روايتي الأولى بعد خروجي من السجن، حينها كنت من المحظوظين، فاعتقالي لم يدم سوى عدة أيام.

وفور خروجي غادرت سوريا إلى مصر، حيث بدأت بالعمل على كتابي الأول مشفى الحرية، وتوجهت مع ما أنجزته من كتابة وسكيتشات إلى باريس، لأبدأ رحلة البحث عن ناشر فرنسي و لأبدأ رحلة صقل معرفتي، على يد شيوخ كبار الفن التاسع، في بلد يعتبر فيه هذا الفن الثقافة الأهم، والأكثر شعبية، لكل الأعمار دون أي منازع.

منذ أيامي الأولى في فرنسا حظيت بترحيب المحترفين بعالم الفن التاسع وبدأت بالتعرف على قامات هذا المجال، بالإضافة إلى عدد كبير من الفنانين ذوي الأصول العربية، والذين تناولوا مواضيع تمس وطنهم الأم، وهنا عرفت أني لست أول فنان عربي، قصد باريس ليطرق باب الفن التاسع ويعلمهم درسا في الفن التاسع، إذ بدأت بالتعرف على أعمالهم، ثم التعرف عليهم شخصيا.

تمكن حميد من تحقيق حلمه عام 2016، حيث صدر له كتابه الأول مشفى الحريّة، والذي تدور أحداثه في بلدة الحرية الوهميّة، وطبيعة العلاقات التي تحكمها بين معارضين للأسد وموالين له وأعضاء من تنظيم داعش، وكأنها صورة مصغّرة عن سوريا، ويصف حميد الكتاب بوصف محاولة ذاتية لفهم الصراع الدائر في سوريا، وتحديد وجهات النظر المختلفة، وخصوصا في ظل التناقضات التي تحويها سوريا والاختلاف الجذري بين شارع وآخر، لا فقط بين مدينة وأخرى، إلى جانب محاولته لفهم دوافع الأشخاص المختلفة، ولم كان العنف هو الخيار الوحيد للتواصل بين الكثيرين؟ ولهذا السبب لا يحوي الكتاب أبطالا وأشرارا بل فقط أشخاصا مختلفين ضمن ظروف مختلفة.


رسام من سوريا