فنان كارتون رئيسا للولايات المتحدة

تجربة الفنان الجزائري خليل بن ديب

الجديد  [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(144)]

يتحرك الفنان الجزائري الأميركي خليل بن ديب بين فن الكاريكاتير وفن الكوميكس وتغلب عليه الصبغة السياسية
عام 2008 ترشح خليل بن ديب لرئاسة الولايات المتحدة، وبدأ حملة انتخابية ساخرة، ينتقد فيها السياسات الأميركية ضد العرب والمسلمين، محاولا فضح تقنيات تكريس الصور النمطية المرتبطة بالمسلمين في أميركا، والتي تستخدم من قبل السلطة لتميز ضدهم، إذ يقول إنه على العالم أن يضحك مع أميركا، لا على أميركا، وخصوصا، أن الولايات المتحدة تحولت في بداية الألفية الجديدة إلى أضحوكة بسبب المهرجين الموجودين في البيت الأبيض، ويقول أيضا إنه عوضا عن تعذيب المعتقلين، ستقوم إدارته بدغدغتهم للحصول على المعلومات التي تريدها.

لكن، من هو خليل بن ديب ؟

هو واحد من أشهر فناني الكارتون المثيرين للجدل في الولايات المتحدة وأوروبا، جزائري، يحمل الجنسيتين الفرنسية والأميركية، ومقيم حاليا في بركلي في كاليفورنيا.

بدأ بن ديب نشاطه كفنان كارتون في بداية الثمانينات، ونشر الكثير من رسوماته وشرائطه المصورة في العديد من الصحف والمجلات الأميركيّة، إلى جانب استخدامه لمنصات النشر الإلكترونية والإنترنت لنشر أعماله، مستفيدا من الحرية التي تمنحها الإنترنت، وكأنه يرى في مؤسسات الإعلام الكبرى مجرد شركات للربح والدعاية، بالرغم من ذلك، نرى رسومه في صحف عالميّة وأميركيّة كبرى، كـUSA Today، والنيويرك تايمز.

يتناول بن ديب المواضيع السياسية الحساسة بسخريّة عالية، إذ ينتقد في واحد من رسومه السياسات الموجهة ضد المسلمين، فهم ضحايا الإرهاب من جهة، وضحايا الكراهية التي يتعامل بها معهم الآخرون من جهة أخرى، هم دوما مستهدفون ومعرضون للتمييز، يوجّه بن ديب الانتقاد أيضا إلى الرئيس الحالي دونالد ترامب، إذ يشبهه بهتلر بسبب سياساته العنصريّة، كما يرى فيه حليفا لداعش في المنطقة العربيّة، كون كلاهما يساهمان بالقتل لخدمة مصالحهما.

عام 2007 نشر بن ديب كتابه الأول باللغة الإنكليزية، بعنوان “تمت المهمة: رسومات كارتون شريرة لأكثر فنان كارتون مطلوب من قبل العدالة في أميركا” وفيه ما يقارب الـ1700 رسم كارتوني وشريط مصور، تتناول قضايا حرية التعبير والديمقراطيّة، فبن ديب يرى أن حرية التعبير أصبحت تستخدم كوسيلة قمعية لتهميش المسلمين، والوقف ضدهم، ومنعهم من ممارسة حقوقهم، فالسلطة ذاتها، تدافع عن حرية التعبير فقط بما يخدم مصالحها، والفئات التي تمثلها.

صدر لبن ديب عام 2015 كتاب جديد بعنوان “أكبر من أن يفشل”، الذي تطغى عليه الرسوم السياسية ومقالات الرأي، المستوحاة من الربيع العربي والتغيرات الدوليّة المرتبطة به، وخصوصا أن المظاهرات التي شهدتها الساحات العربية كانت مصدر إلهام له، بوصفها لحظة تاريخية وقفت فيه الشعوب العربيّة بوجه الطغاة.

يوظف بن ديب الكوميديا في رسوماته بوصفها تحميه من الجنون، فالسخرية والتهكم اللذان نراهما في أعماله وسيلة لتخفيف الألم الذي نعيشه، في ذات الوقت هما وسيلة للضحك، بوصفهما أسلوبا نقديا لطرح التساؤلات، فبعد أن يضحك الفرد، عليه أن يطرح تساؤلات عن سبب ضحكه، لتكون الكوميديا بوابة نحو التفكير ومحاولة التغيير.

يقول بن ديب في تصريحات له إنه لا يبدأ مباشرة بالرسم، بل يعمل بداية على صياغة الفكرة أو المفهوم، ثم القيام بالبحث والتنقيب لاكتشاف الجوانب المختلفة للقضية التي يتناولها، إذ لا مجال برأيه للارتجال أثناء صناعة الكرتون، كون كل خط ورمز وكلمة، تحمل معنى داخلها، ولا مجال للمجانيّة.

رسومات بن ديب غنية بالدلالات، سواء عبر التكوينات المستخدمة أو الكلمات التي يحويها كل رسم، ليبدو كل واحد منها أشبه بقصة تحوي مجموعة من الحكايات المتداخلة، ما يتركنا أمام العديد من مستويات القراءة، كما في رسم له باسم “الديمقراطية في العالم العربّي: أشبه بخلع الأسنان”، أو ذاك الذي يصف فيه التهرب الضريبي الذي تمارسه الشركات الكبرى في الولايات المتحدة، مستحضرا عددا من المرجعيات الفنيّة والثقافيّة، كعروض السحر والاختفاء، فرسومه، وإن لم تكن قصصا بالمعنى التقليدي للكلمة، إلا أنها تحوي عناصر سردية مكثفة، تميزها عن أشكال الكاريكاتور التقليدي.